أخبار اقتصادية

بعد موجة الحماس.. الشركات تضع سقفاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي

لا تتخلى الشركات عن الذكاء الاصطناعي، بل تعيد تسعيره داخليًا، فكل رمز أصبح له ثمن، وكل وكيل آلي يحتاج إلى مبرر، وكل مشروع جديد بات مطالبًا بإثبات أنه لا يضيف طبقة جديدة من التكلفة فوق أنظمة العمل القائمة.

وبينما تراهن شركات التكنولوجيا الكبرى على انخفاض تكلفة الحوسبة مع تحسن الشرائح والنماذج، يبدو أن الشركات المستخدمة للتقنية لن تنتظر ذلك طويلًا، فقد بدأت بالفعل التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما تعاملت سابقًا مع السحابة: أداة استراتيجية، لكنها تحتاج إلى حوكمة صارمة حتى لا تتحول من محرك للإنتاجية إلى بند مفتوح يستنزف الميزانيات.

ودخلت طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي مرحلة أكثر صرامة داخل الشركات الكبرى، بعدما تحولت الوعود السريعة بزيادة الإنتاجية إلى فواتير تشغيل متصاعدة يصعب التنبؤ بها، فالشركات التي شجّعت موظفيها قبل عامين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كل مهمة تقريبًا، بدأت الآن تفرض سقوفًا للاستخدام، وتدفع فرقها إلى اختيار النماذج الأرخص، وتطالب الإدارات بإثبات عائد مالي واضح قبل توسيع أي مشروع جديد.

شركات من بينها أمازون ووالمارت وسيسكو وأوبر وميتا بدأت الحد من الاستخدام المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي، بعدما قفزت التكاليف المرتبطة بما يعرف بـ«الرموز» أو Tokens، وهي وحدات النصوص والبيانات التي تعالجها النماذج وتُحاسب الشركات على أساسها، بحسب تقرير نشرته فايننشال تايمز.

من الحماس إلى الانضباط المالي

لم تعد المشكلة في تكلفة بناء النماذج وحدها، بل في تشغيلها اليومي؛ فالتدريب يتطلب إنفاقًا ضخمًا لمرة أو لمرات محدودة، لكن “الاستدلال” أو (Inference)، أي استخدام النموذج لتوليد الإجابات وتنفيذ المهام، يتحول إلى فاتورة متكررة تتسع مع كل موظف وكل طلب وكل وكيل ذكاء اصطناعي يعمل في الخلفية.

هذا النموذج يختلف جذريًا عن برمجيات الشركات التقليدية، التي تُباع غالبًا عبر تراخيص سنوية أو شهرية يمكن توقعها، أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيعتمد بدرجة كبيرة على تسعير مرتبط بالاستهلاك، وكلما زاد استخدام الأداة، زادت الفاتورة، وهنا تظهر المفارقة: نجاح الأداة داخل الشركة قد يعني ارتفاعًا أسرع في التكاليف، لا انخفاضًا تلقائيًا في المصروفات.

أدوات مثل وكلاء البرمجة يمكن أن تستهلك كميات ضخمة من الرموز لأنها تعمل في الخلفية وتتبادل الطلبات مع النماذج بصورة متكررة، حسب رويترز في تحليل لـ(Breakingviews).

ووصفت الوكالة ذلك بأنه صداع جديد للمديرين الماليين، لأن فواتير الاستخدام يصعب تتبعها والتنبؤ بها مقارنة باشتراكات البرمجيات المستقرة.

أوبر ومايكروسوفت وأمازون.. إشارات إنذار مبكرة

تظهر أزمة التكلفة في أمثلة عملية، حيث استنزفت أوبر ميزانيتها السنوية للذكاء الاصطناعي في وقت مبكر من العام، قبل أن تفرض سقفًا شهريًا لاستخدام الرموز لكل مستخدم، وفق فايننشال تايمز.

كما تحدثت وول ستريت جورنال عن اتجاه مماثل في شركات أميركية كبرى بدأت تقنين استخدام الذكاء الاصطناعي، وتوجيه الموظفين نحو أدوات أرخص أو داخلية.

وفي أمازون، دفعت الزيادات غير الضرورية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مسؤولين إلى التحذير من استخدام التقنية لمجرد استخدامها، أما مايكروسوفت، فقد ورد في تقارير تقنية أشارت إليها رويترز أنها قيّدت وصول بعض المهندسين إلى أدوات برمجة بالذكاء الاصطناعي بسبب ارتفاع التكلفة، بحسب ما نقلته رويترز عن فايننشال تايمز.

هذا التحول لا يعني تراجع الشركات عن الذكاء الاصطناعي، بل انتقالها من مرحلة “التجريب المفتوح” إلى مرحلة «الترشيد»، فلم يعد السؤال: ما الذي يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل يستحق كل طلب وكل مهمة وكل وكيل آلي التكلفة التي يتحملها قسم المالية؟

عائد غير محسوم رغم الإنفاق المتسارع

تأتي موجة التقنين بينما لا تزال الشركات تزيد إنفاقها على الذكاء الاصطناعي، وتقدر (Gartner) أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيبلغ 2.52 تريليون دولار في 2026، بزيادة 44% على أساس سنوي، مدفوعًا خصوصًا بالبنية التحتية والخوادم المحسنة للذكاء الاصطناعي.

لكن العائد لا يزال أقل وضوحًا، حيث أظهر مسح (Bain & Company) لعام 2026 أن نحو 40% من الشركات التي قاست وفورات التكلفة من مشروعات الذكاء الاصطناعي حققت وفورات تقل عن 10%، رغم أن كثيرًا منها كان يستهدف خفضًا بين 11% و20%، كما أن 7% فقط من الشركات المشاركة في المسح تشغّل وكلاء مستقلين بالكامل في الإنتاج، ما يعني أن كثيرًا من حالات الاستخدام لا تزال تحتاج إلى تدخل بشري، وتحقق وفورات أقل من تلك التي بُنيت عليها دراسات الجدوى.

هذه الفجوة بين الوعد والتطبيق تفسر تشدد المديرين الماليين، فإذا كان روبوت خدمة العملاء أو مساعد البرمجة يستهلك عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات شهريًا، فلا يكفي أن يثبت أنه “مفيد”؛ بل يجب أن يثبت أنه يخفض التكاليف، أو يزيد الإيرادات، أو يرفع الإنتاجية بما يفوق فاتورته.

البنية التحتية تضغط من الخلف

لا تقتصر الأزمة على الشركات المستخدمة للتقنية، بل تمتد إلى شركات التكنولوجيا الكبرى التي تموّل سباق الحوسبة.

وقالت رويترز إن ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا تتجه إلى إنفاق يتجاوز 700 مليار دولار هذا العام على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، في تحول يدفع عمالقة وادي السيليكون إلى الاعتماد أكثر على أسواق الدين والأسهم بدل التمويل من التدفقات النقدية وحدها.

وتقدّر (McKinsey) أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات قد يصل إلى 7 تريليونات دولار بحلول 2030، في واحدة من أكبر موجات بناء البنية التحتية في التاريخ الحديث. غير أن هذا التوسع يواجه قيودًا في الطاقة، والمعدات الكهربائية، والتبريد، وسلاسل توريد الشرائح.

وأشارت واشنطن بوست إلى أن الاستثمارات الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بدأت تنتقل آثارها إلى الاقتصاد الأوسع، من خلال الضغط على إمدادات الشرائح والطاقة وبعض السلع والخدمات.

وقالت الصحيفة إن ميتا ومايكروسوفت تحدثتا عن إنفاق إضافي بعشرات المليارات من الدولارات لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي.

الشركات تلجأ إلى “هندسة التكلفة”

لمواجهة الارتفاع، تتبنى الشركات نهجًا أكثر دقة في توزيع المهام. فالمهام البسيطة، مثل تلخيص النصوص أو إعادة الصياغة أو التصنيف الأولي، يمكن توجيهها إلى نماذج أصغر أو مفتوحة المصدر، أما المهام الحساسة أو المعقدة، مثل البرمجة المتقدمة أو التحليل المالي أو مراجعة العقود، فتحجز لها النماذج الأعلى تكلفة.

هذا ما تسميه بعض فرق التقنية “توجيه النماذج” أو (Model Routing)، أي اختيار النموذج المناسب بحسب صعوبة المهمة وقيمتها، والهدف هو ألا تستخدم الشركة محركًا باهظ التكلفة لإنجاز مهمة كان يمكن لنموذج أرخص تنفيذها بدرجة كافية من الجودة.

كما بدأت إدارات تقنية المعلومات في وضع سقوف شهرية، ولوحات متابعة لاستهلاك الرموز، وموافقات مسبقة للمشروعات الكبيرة، وبذلك تنتقل إدارة الذكاء الاصطناعي إلى نموذج قريب من إدارة الحوسبة السحابية بعد موجة الإنفاق غير المنضبط التي رافقت الانتقال إلى السحابة في العقد الماضي.

ضغط أكبر على الشركات الناشئة والأسواق الناشئة

في الأسواق الناشئة، تبدو المعادلة أكثر حدة، فالشركات الناشئة التي تعتمد على واجهات برمجة تطبيقات مسعرة بالدولار تتحمل تكلفة عالمية بعملات محلية قد تكون متقلبة، وهذا يضع مراكز تكنولوجيا ناشئة مثل نيروبي ولاجوس والقاهرة أمام معضلة: الذكاء الاصطناعي يتيح لها بناء منتجات بسرعة وبفرق أصغر، لكنه قد يرفع تكلفة التشغيل إلى مستويات تفوق قدرة الشركات محدودة التمويل.

ومع تزايد الاعتماد على نماذج خارجية، تصبح تكاليف الذكاء الاصطناعي بندًا شبيهًا بتكلفة الطاقة أو الإيجار أو الرواتب، لا مجرد إنفاق تجريبي.

وقد يدفع ذلك الشركات الناشئة إلى استخدام نماذج مفتوحة المصدر، أو بناء طبقات محلية أرخص، أو التعاون على بنية تحتية مشتركة تقلل الاعتماد على مزودي وادي السيليكون.

نهاية مرحلة “الاستخدام بلا حساب”

لا تشير موجة التقنين إلى نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها تعكس بداية مرحلة أكثر نضجًا؛ فقد انتقلت التقنية من العروض التجريبية إلى الميزانيات العمومية، ومن وعود الإنتاجية إلى أسئلة العائد على الاستثمار.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *