لم يعد انتهاء ساعات العمل يعني بالضرورة انتهاء يوم العمل بالنسبة لملايين الموظفين في أوروبا.
فقد أصبحت رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات والمهام المهنية تمتد بصورة متزايدة إلى أوقات الراحة والحياة الخاصة، في ظل انتشار العمل عن بُعد وتقلبات سوق العمل العالمية وتسريح الموظفين.
ونقل تقرير نشره موقع “يورو نيوز” عن دراسة رئيسية أجرتها مؤسسة «يوروفاوند» ونُشرت في يونيو/حزيران الماضي، إلى أن نحو واحد من كل خمسة موظفين في الاتحاد الأوروبي يقولون إنهم يتلقون اتصالات لأسباب مرتبطة بالعمل خارج ساعات الدوام الطبيعية عدة مرات كل شهر، وهو ما يؤدي إلى ضغوط إضافية كبيرة ويعزز ما أصبح يُعرف بثقافة «الاتصال الدائم» أو Always-On Culture.
ولا تقتصر الظاهرة على الاتحاد الأوروبي؛ ففي المملكة المتحدة، أظهر تقرير «القوى العاملة المتاحة دائمًا 2026» الصادر عن شركة السيرة الذاتية «ماي بيرفكت سي في» أن أكثر من نصف الموظفين البريطانيين يعملون بعد ساعات العمل المعتادة كل يوم.
تفاقم التوتر
وفي بريطانيا، خلص تحليل حديث لمسح القوى العاملة البريطاني أجرته «مؤسسة النقابات العمالية» إلى أن نحو 3.5 مليون عامل بريطاني، أو واحدًا من كل ثمانية عمال، عملوا بانتظام ساعات إضافية دون أجر خلال العام الماضي، بما يعادل نحو 28.5 مليار جنيه إسترليني، أو 33.3 مليار يورو، من العمل غير المدفوع.
وتشير هذه الأرقام إلى التأثير المتزايد لثقافة «الاتصال الدائم» على الصحة النفسية والتوازن بين العمل والحياة.
ووفق «يوروفاوند»، كانت أعباء العمل الثقيلة أكبر عامل يدفع إلى التواصل مع الموظفين خارج ساعات الدوام في أوروبا. وكان العاملون عن بُعد أكثر عرضة للصعوبة في الحفاظ على الحدود بين العمل والحياة الخاصة، إضافة إلى العمل الإضافي والجداول غير المنتظمة وتسرب المهام المهنية إلى أوقات الفراغ، بالتزامن مع توقعات ضمنية بأن يظل الموظف متاحًا بصورة مستمرة.
وبين الموظفين الذين يتمتعون بأوقات مرنة لبدء العمل وإنهائه، قال 64% إنهم يتلقون اتصالات خارج ساعات العمل على الأقل من حين لآخر، مقارنة بـ49% ممن يعملون وفق جداول تقليدية.
كما ظهرت فجوة مشابهة وفق مكان العمل؛ إذ أفاد 63% من العاملين عن بُعد بتلقي اتصالات خارج ساعات العمل، مقابل 48% من الموظفين الذين يعملون حصريًا من مقار أصحاب العمل.
أظهرت دراسة «يوروفاوند» أن نحو 59% من العمال الأوروبيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يعانون دائمًا أو تقريبًا دائمًا من ضغوط في العمل.
ووجدت الدراسة ارتباطًا مباشرًا بين تكرار الاتصال بالموظفين خارج ساعات العمل ومستويات التوتر التي يعانون منها.
وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الذين شعروا بالتوتر 17% بين الموظفين الذين لم يتم التواصل معهم مطلقًا خارج ساعات العمل.

البريطانيون لا ينفصلون عن العمل
كما قال 88% إنهم يشعرون بالقلق أو الذنب عند طلب الحصول على إجازة. وتتداخل عدة عوامل تشغيلية وشخصية وثقافية لمنع الموظفين من الانفصال الكامل عن العمل، من بينها الخوف من تفويت شيء مهم، وتوقعات الإدارة، وتطبيقات العمل الموجودة على الهواتف المحمولة، والمخاوف من أن يُنظر إلى الموظف على أنه قابل للاستبدال.
وكشف تقرير «القوى العاملة المتاحة دائمًا 2026» أن 92% من الموظفين البريطانيين يجدون صعوبة في التوقف ذهنيًا عن التفكير في العمل خلال أوقات الراحة، وهي نسبة تتجاوز المتوسط الأوروبي البالغ 78%.
أوروبا تتحرك لحماية «حق الانفصال»
وفي محاولة لحماية التوازن بين العمل والحياة الشخصية، أدخلت دول أوروبية عدة، بينها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا واليونان ولوكسمبورغ، إجراءات قانونية أو لوائح عمالية أو قواعد في أماكن العمل تهدف إلى الحد من التواصل خارج ساعات الدوام وحماية حق الموظفين في الراحة.
وتتراوح هذه الإجراءات بين قوانين تمنح الموظف حق الانفصال عن العمل وتعديلات على قوانين العمل، وصولًا إلى اتفاقيات جماعية ومدونات سلوك غير ملزمة. في المقابل، لا تمتلك المملكة المتحدة حاليًا حقًا قانونيًا مستقلًا للانفصال عن العمل.
لكن تطبيق هذه القواعد وإنفاذها لا يزال يمثل تحديًا. فالنهج يختلف بصورة كبيرة بين الدول، ما يؤدي إلى مشهد تنظيمي مجزأ في أنحاء أوروبا. كما يواجه أصحاب العمل ثقافة «الاتصال الدائم» المتجذرة، بينما يجعل العمل الهجين والتعاون الدولي وفرق العمل العابرة للحدود من الصعب تحديد الحدود الواضحة بين الوقت المهني والشخصي.
وتظهر المشكلة بصورة أكبر لدى كبار المديرين والموظفين الذين يعملون وفق ترتيبات مرنة، إذ تتطلب وظائفهم غالبًا جداول غير منتظمة، واستقلالية أكبر، وتعاونًا مع زملاء في مناطق زمنية مختلفة.
وفي بعض الدول، لا تنطبق بعض الالتزامات إلا على الشركات التي تتجاوز حجمًا معينًا، ما يعني أن العاملين في الشركات الصغيرة قد لا يحصلون على المستوى نفسه من الحماية.
كما أن الخوف من الانتقام أو الظهور بمظهر الموظف الأقل التزامًا قد يدفع العاملين إلى الرد طوعًا على رسائل العمل خارج ساعات الدوام، الأمر الذي يزيد صعوبة إحداث تغيير ثقافي مستدام داخل المؤسسات.
وبذلك، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بعدد ساعات العمل الرسمية، بل أصبحت تتعلق بمدى قدرة الموظف على استعادة وقته الشخصي والانفصال الذهني الحقيقي عن العمل.





