أخبار خاصة

السكانر المعطّل في المصنع… عندما يتحول عطل تقني إلى خسارة اقتصادية على حدود لبنان

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

ليس كل ما يعطل حركة الاقتصاد يحتاج إلى قرار كبير أو أزمة سياسية كبرى؛ أحياناً يكفي جهاز متوقف عند معبر حدودي لكي يكشف هشاشة منظومة كاملة. فالسكانر في معبر المصنع، الذي يفترض أن يكون أداة أساسية لحماية الحدود وتنظيم حركة البضائع، تحوّل من وسيلة رقابية إلى عقدة تعرقل شرياناً حيوياً من شرايين الاقتصاد اللبناني.

فمعبر المصنع ليس مجرد نقطة عبور بين لبنان وسوريا، بل هو الرئة البرية التي تتنفس عبرها الصادرات اللبنانية باتجاه الأسواق العربية، ولا سيما الأردن والعراق ودول الخليج عبر الخط البري. وأي خلل في هذا المعبر لا يعني فقط تأخير شاحنة أو إرباك سائق، بل يعني خسارة عقود تجارية، وتهديد ثقة المستوردين، وزيادة أعباء المصدرين في اقتصاد يعاني أصلاً من ارتفاع الكلفة وضعف القدرة التنافسية.

مسؤولية من؟

السؤال الأول الذي يفرض نفسه: من يتحمل مسؤولية تعطل جهاز بهذا الحجم من الأهمية؟

المسؤولية لا يمكن اختزالها بجهة واحدة، لأن المعابر الحدودية هي منظومة متكاملة تتشارك فيها عدة إدارات. فالجمارك التابعة لوزارة المالية تتحمل المسؤولية المباشرة عن الإجراءات الجمركية والتفتيش على البضائع، فيما تقع على الدولة مسؤولية تأمين التجهيزات الحديثة وصيانتها وضمان استمرارية عمل المرافق العامة الحيوية.

كما أن إدارة المعابر تحتاج إلى تنسيق دائم بين الجمارك والأجهزة الأمنية المعنية، لأن المعبر الحدودي يجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الأمني. فالسكانر ليس مجرد آلة للكشف، بل هو جزء من منظومة حماية التجارة الشرعية ومنع التهريب وتعزيز الثقة مع الدول المستوردة.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في غياب ثقافة إدارة المخاطر. فالدول التي تعتمد على التجارة الخارجية لا تنتظر تعطل جهاز أساسي حتى تبحث عن حل، بل تضع مسبقاً أجهزة بديلة وخطط طوارئ تمنع توقف حركة النقل.

خسائر لا تظهر في البيانات الرسمية

الخسارة الناتجة عن توقف السكانر لا تقاس فقط بعدد الشاحنات المنتظرة على الحدود، بل بسلسلة طويلة من الأضرار الاقتصادية.

أول المتضررين هم المزارعون والمصدرون، خصوصاً أصحاب المنتجات الطازجة التي لا تحتمل التأخير. فكل ساعة انتظار إضافية قد تعني تراجع جودة البضاعة، أو تلف جزء منها، أو اضطرار المصدر إلى بيعها بأسعار أقل من المتوقع.

وفي قطاع النقل، يدفع أصحاب الشاحنات وسائقوها ثمن التأخير من خلال ارتفاع كلفة التشغيل: أجور إضافية، استهلاك وقود، مصاريف انتظار، وتأخير في تسليم البضائع. وهذه الأكلاف لا تختفي، بل تنتقل في النهاية إلى المنتج اللبناني الذي يصبح أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

أما الخطر الأكبر فهو خسارة الثقة. فالمستورد الخارجي لا ينظر فقط إلى جودة المنتج اللبناني، بل إلى قدرة لبنان على تأمين وصوله في الوقت المحدد. وفي عالم التجارة الحديثة، الانتظام والسرعة أصبحا جزءاً من قيمة المنتج نفسه.

هل يدفع التجار ثمن خطأ الدولة؟

السؤال الأكثر حساسية: من يعوض الخسائر التي يتكبدها التجار والمصدرون؟

حتى الآن لا توجد آلية واضحة لتعويض المتضررين عن الأضرار الناتجة عن تعطل مرافق عامة أساسية. لكن من حيث المبدأ، فإن الدولة تتحمل مسؤولية عن حسن سير المرافق العامة، وإذا ثبت وجود إهمال أو تقصير في الصيانة أو عدم تأمين البدائل اللازمة، يصبح موضوع التعويض قابلاً للنقاش القانوني.

لكن في الواقع العملي، يدفع القطاع الخاص اللبناني غالباً ثمن الأعطال الإدارية. فالتاجر الذي يخسر شحنة أو عقداً تصديرياً بسبب تأخير على الحدود لا يستطيع ببساطة تحميل الخسارة إلى المستهلك أو السوق الخارجية، بل يتحملها من رأسماله في اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع القدرة المالية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة، لا تقوم فقط على معالجة العطل، بل على حماية الاقتصاد من تكرار هذه الأعطال.

المعالجة: أكثر من إصلاح جهاز

إصلاح السكانر أو إعادة تشغيله هو الخطوة الأولى، لكنه ليس الحل الكامل. المطلوب هو بناء منظومة حديثة لإدارة الحدود تقوم على:

  • تأمين أجهزة سكانر حديثة مع وجود جهاز احتياطي للطوارئ.
  • وضع عقود صيانة واضحة وملزمة تمنع توقف الأجهزة لفترات طويلة.
  • تطوير الربط الإلكتروني بين الجمارك والأجهزة الأمنية.
  • اعتماد نظام رقابة يعتمد على التكنولوجيا لتسريع حركة البضائع.
  • وضع آلية واضحة لتعويض المتضررين أو مساعدتهم عند وقوع أضرار ناتجة عن خلل إداري.

فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الرسوم والضرائب، بل بقدرتها على تسهيل حركة الاقتصاد وحماية المنتج الوطني.

معبر المصنع… اختبار لقدرة الدولة

تكشف أزمة السكانر في المصنع مشكلة أكبر من جهاز معطل. إنها تكشف الفجوة بين اقتصاد يريد استعادة دوره في المنطقة، وإدارة عامة لا تزال تعمل بعقلية رد الفعل.

لبنان اليوم يحتاج إلى كل فرصة تصديرية، وإلى كل دولار يدخل عبر التجارة الخارجية. لذلك فإن تعطيل معبر أو تأخير شاحنات ليس تفصيلاً إدارياً، بل قضية اقتصادية وطنية.

فالمصدر اللبناني لا يطلب امتيازات، بل يطلب دولة تؤمن له الطريق إلى السوق. والحدود التي لا تعمل بكفاءة تصبح كلفة إضافية على اقتصاد يحاول النهوض من أزمته.

المشكلة ليست في جهاز سكانر فقط، بل في سؤال أكبر: هل تملك الدولة رؤية لإدارة شرايين الاقتصاد، أم أنها ستبقى تنتظر وقوع الخسارة قبل أن تبدأ بالمعالجة؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *