شهد سوق العمل الأميركي انتعاشا في شهر آب، حيث أضاف أصحاب العمل 162 ألف وظيفة، وهو رقم فاق التوقعات، بينما ظل معدل البطالة منخفضا عند مستوى 4.1%.
وتجاوزت معدلات التوظيف بكثير الرقم الذي توقعه المحللون والبالغ 65 ألف وظيفة وفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة (FactSet).
كما جاءت المراجعات التي أجرتها وزارة العمل إيجابية، إذ أضيفت 55 ألف وظيفة إلى أرقام التوظيف الخاصة بشهري حزيران وتموز، فقد تبين أن أصحاب العمل استحدثوا 21 ألف وظيفة في تموز، في حين كانت الوزارة قد أعلنت في البداية عن إلغاء 23 ألف وظيفة.
وقبيل انتخابات التجديد النصفي بشهرين، رحب الرئيس دونالد ترامب بتقرير التوظيف القوي الذي صدر الجمعة، وكتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد تم الإعلان للتو عن أرقام رائعة للوظائف، متجاوزة كل التقديرات باستثناء تقديراتي، بمقدار الضعف أو 3 أضعاف.. وما خفي كان أعظم”
غير أن قضية التضخم هيمنت على النقاشات هذا العام، سواء في أوساط الأعمال أو داخل الأسر؛ إذ يتزايد شعور الناخبين بالإحباط جراء ارتفاع التكاليف، ولا سيما أسعار الوقود التي سجلت مستويات قياسية منذ الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر شهر شباط.
كما جعلت الزيادات الضئيلة في الأجور وطأة ارتفاع الأسعار أشد إيلاما للكثيرين؛ فقد ارتفع متوسط الأجور بالساعة بنسبة 3.1% الشهر الماضي مقارنة بالعام السابق، وهي أضعف زيادة سنوية منذ أيار 2021.
وفي المقابل، أضاف قطاع المطاعم والحانات 59 ألف وظيفة الشهر الماضي، بينما أضافت شركات البناء 22 ألف وظيفة، وقطاع التصنيع 16 ألف وظيفة.
وفقا لوكالة أسوشيتد برس، أشارت وزارة العمل إلى أن الوظائف في المصانع زادت بمقدار 58 ألف وظيفة منذ أن سجلت أدنى مستوياتها مؤخرا في شهر كانون الأول.
أضاف أصحاب العمل من شركات وهيئات حكومية ومؤسسات غير ربحية ما متوسطه أكثر من 80 ألف وظيفة شهريا حتى الآن هذا العام؛ وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالمتوسط الشهري المتواضع الذي بلغ 9700 وظيفة في العام الماضي.
ومع ذلك، لا تزال معدلات التوظيف دون مستوى الـ166 ألف وظيفة شهريا التي كانت سائدة في عامي 2023 و2024، ناهيك عن الـ491 ألف وظيفة شهريا التي سُجلت خلال طفرة التوظيف في الفترة 2021-2022 التي أعقبت فترات الإغلاق المرتبطة بالجائحة.
وفي الوقت نفسه، شهدت القوة العاملة في الولايات المتحدة أي إجمالي عدد الأشخاص العاملين أو الباحثين عن عمل ارتفاعا بمقدار 683 ألف شخص الشهر الماضي، وذلك بعد انخفاضها خلال شهري حزيران وتموز.
وقد وصفت كبيرة الاقتصاديين في شركة “كي بي إم جي” (KPMG) للخدمات الضريبية والاستشارية، ديان سوانك، التقرير بأنه “مذهل”، وشبّهت الوضع بـ”موجة حر صيفية”.
وأشارت إلى أن مقياسا شاملا لمعدل البطالة يشمل الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل بسبب الإحباط، وأولئك الذين يعملون بدوام جزئي لعدم عثورهم على وظائف بدوام كامل قد انخفض إلى 7.7%، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عام.
قد يعزز تقرير الجمعة احتمالية قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل خلال اجتماعه المقبل المقرر عقده في 15 و16 أيلول؛ إذ تشير وتيرة التوظيف القوية إلى أن تكاليف الاقتراض الحالية ليست مرتفعة بالقدر الكافي بالضرورة لكبح جماح الاقتصاد والحد من التضخم.
صرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، الأسبوع الماضي بأن معدل التضخم البالغ 3.7% وفقا للمقياس المفضل لدى البنك لا يزال يتجاوز بكثير المستهدف الذي حدده البنك المركزي عند 2%، مضيفا أنه في حال عدم إحراز مزيد من التقدم، فسيتعين على الاحتياطي الفيدرالي القيام بـ “مزيد من العمل”.
وفي ظل المؤشرات التي تدل على وضع جيد لسوق التوظيف، سينصب تركيز الاحتياطي الفيدرالي على تقرير هام حول التضخم من المقرر صدوره الأسبوع المقبل.
وكان عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، قد صرح الخميس بأنه يميل إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه سيدعم رفعها إذا جاءت بيانات التضخم مرتفعة.
ويواجه أصحاب العمل في الولايات المتحدة نقصا في العمالة، وهو وضع ناجم عن سياسات الهجرة الصارمة التي انتهجها الرئيس دونالد ترامب وعن تقاعد أبناء جيل “طفرة المواليد” (baby boomers).
بدلا من السعي للتوظيف من قاعدة محدودة من العمالة المتاحة، “تركز الشركات بشكل متزايد على تعزيز الكفاءة من خلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتسعى أكثر فأكثر لإنجاز المزيد من المهام بالاعتماد على قوتها العاملة الحالية”، وذلك حسبما كتب الخبيران الاقتصاديان غريغوري داكو وليديا بوسور من شركة “EY-Parthenon” في تعليق لهما هذا الأسبوع.
وقد شهد قطاع المعلومات الذي يضم شركات الاتصالات ومعالجة البيانات فقدان 23 ألف وظيفة الشهر الماضي، ليصل إجمالي الوظائف المفقودة فيه إلى 97 ألف وظيفة منذ بداية عام 2026؛ ويأتي هذا التراجع في وقت بدأ فيه الذكاء الاصطناعي يتولى مهاماً كان يؤديها البشر سابقاً.

وفي هذا السياق، أشار مسؤول التوظيف الأول في الجمعية الطبية الأمريكية، تريفور فريل، إلى أن الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه يحل محل البشر في مجالي خدمة العملاء وتطوير البرمجيات. وقد سأل فريل أحد المتقدمين لوظيفة في مجال خدمة العملاء عن سبب بحثه عن عمل جديد، فكانت الإجابة: “لقد حلّ روبوت محلي”.
من ناحية أخرى، قامت شركة “Karp & Iancu” -وهي شركة محاماة سريعة النمو مقرها ميلووكي وتتخصص في قضايا الطلاق وقانون الأسرة- بتعيين 3 موظفين جدد هذا الشهر، ولا تزال تواصل عمليات التوظيف “بشكل مدروس”، وذلك وفقاً لما ذكره الشريك الإداري ديفيد إيانكو.
مع إحداث التكنولوجيا ولا سيما الذكاء الاصطناعي تغييرات في طبيعة العمل القانوني، يبحث “يانكو” عن مرشحين يمتلكون مهارات تقنية أو لديهم الاستعداد لتعلمها. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب.
يقول “يانكو”، الذي تضم شركتُه 55 موظفاً بينهم 30 محامياً: “يُعد الذكاء الاصطناعي -في صورته الحالية على الأقل- أداةً مذهلة، لكنه لا يتجاوز ذلك كثيراً. فهو لا يغني عن الكفاءات البشرية أو العلاقات الإنسانية. لا أعرف رأيك، لكنني شخصياً لا أشعر بالارتياح عندما أحاول الاتصال بخدمة العملاء وأضطر للتحدث إلى “روبوت”؛ ففي المواقف الصعبة -مثل قضايا الطلاق أو المشكلات الطبية- لا يرغب الناس في استبدال تلك العلاقة الإنسانية بالذكاء الاصطناعي”.
ويضيف: “ليس لدي أي خطط لاستبدال البشر بالذكاء الاصطناعي”.




