أخبار خاصة

لبنان يؤجّل الخروج من الانهيار …. فمن يدفع الثمن؟

ناجي الخوري- سيدرز ريبورت

يبدو أن لبنان يتجه لدفع ثمن جديد من فاتورة التأخير في معالجة أزمته المالية، بعدما وضع حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، في حديثه ل”سي.إن.إن”، سقفاً زمنياً قد يمتد إلى ثمانية أشهر قبل إقرار قانون الفجوة المالية، في توقيت يفترض فيه أن يكون الاقتصاد اللبناني قد بدأ فعلياً الانتقال من مرحلة إدارة الانهيار إلى مرحلة التعافي.

لكن ما كشفه سعيد، لا يحمل في طياته مجرد تأخير تقني في إقرار قانون، بل يعيد فتح السؤال الأكبر: هل يستطيع لبنان أن يطلق خطة نهوض حقيقية فيما لا يزال عاجزاً عن حسم مصير القطاع المصرفي والودائع والخسائر؟

المفارقة أن لبنان قطع خطوات تشريعية في مسار إعادة هيكلة المصارف، إلا أن الحلقة الأكثر حساسية لا تزال عالقة في منتصف الطريق. فقانون الفجوة المالية هو الذي يفترض أن يحدد بصورة نهائية حجم الخسائر، من يتحملها، كيف ستتم معالجة حقوق المودعين، وما هي حدود مسؤولية الدولة ومصرف لبنان والمصارف. فمن دون هذه الإجابات، يبقى الاقتصاد عالقاً في منطقة رمادية: لا هو خرج بالكامل من الانهيار، ولا هو دخل فعلياً في مسار التعافي.

وتكتسب مهلة الستة إلى الثمانية أشهر، خطورتها من كونها تأتي بعد سنوات من الأزمة، لا في بدايتها. فمنذ عام 2019، استُنزفت المدخرات، تراجعت القدرة الشرائية، انهار الائتمان، وانكمش القطاع المصرفي إلى حد كبير، فيما بقي السؤال حول توزيع الخسائر من دون تسوية نهائية، حيث ان كل شهر إضافي من الانتظار يعني عملياً استمرار تجميد جزء أساسي من الاقتصاد، لأن المصارف لا تستطيع العودة إلى ممارسة دورها الطبيعي قبل معرفة حجم خسائرها ورسملتها ومصير التزاماتها.

مشهد يكتمل مع دخول صندوق النقد الدولي على خط الأزمة بصورة مباشرة. فالمؤسسة الدولية لا تبحث فقط عن قانون يحمل اسم “الفجوة المالية”، بل عن منظومة متكاملة تعيد ترتيب القطاع المالي وتوزع الخسائر بصورة قابلة للاستدامة. لذلك فإن الملاحظات “الشديدة” التي تحدث عنها سعيد ليست تفصيلاً تفاوضياً، بل تعكس جوهر الخلاف حول شكل الخروج من الأزمة.

ففي حال احتاج القانون فعلاً إلى ستة أو ثمانية أشهر إضافية للوصول إلى الإقرار، فإن اتفاق لبنان مع الصندوق قد يبقى بدوره أسير المرحلة الانتقالية لفترة أطول. صحيح أن التأخير التشريعي لا يعني حكماً انهيار المفاوضات، لكنه يعني أن لبنان سيبقى بعيداً عن استكمال الشروط التي تسمح بالانتقال من التفاوض إلى التنفيذ الفعلي للبرنامج والتمويل المرتبط به. والأخطر أن كل تأخير لبناني لا يُقرأ في واشنطن فقط، بل في عواصم المانحين والمؤسسات المالية والمستثمرين الذين ينتظرون إشارة واضحة إلى أن الدولة اللبنانية أصبحت قادرة على اتخاذ قرارات مؤلمة وتنفيذها.

أما في الداخل، فإن الرقم الذي طرحه سعيد، بشأن بلوغ موجبات مصرف لبنان تجاه المصارف والمودعين نحو 79.5 مليار دولار، يكشف أن المسألة أكبر بكثير من مجرد إعادة أموال إلى أصحابها. فالمعركة الحقيقية تدور حول تعريف الخسارة نفسها. ماذا سيبقى من هذه الموجبات بعد التدقيق؟ من يملك حق المطالبة؟ هل تُعامل جميع الودائع بالطريقة نفسها؟ من يتحمل كلفة الفوائد أو التحويلات أو العمليات التي يعتبرها مصرف لبنان غير مغطاة؟

يضاف الى كل ذلك فتح الحاكم باباً بالغ الحساسية أمام عملية إعادة احتساب الحقوق، عند حديثه
عن “شوائب” قد تصل إلى 30 في المئة. فالمودع يريد أمواله، والمصارف تريد معرفة حجم التزاماتها، والدولة تريد تجنب تحميلها كامل الفجوة، وصندوق النقد يريد منع إعادة إنتاج الأزمة عبر تحميل الخسائر للمال العام. وبين هذه الأطراف الأربعة تتشكل المعادلة الأصعب في تاريخ الاقتصاد اللبناني الحديث.

حتى الذهب، الذي غالباً ما يُنظر إليه باعتباره “الرصاصة الاخيرة” للدولة، دخل هذه المعادلة. فإشارة سعيد إلى إمكانية اللجوء إليه في حال تعذر الوفاء بموجب ملح تجاه المودعين لا تعني قراراً بالبيع، لكنها تكشف إلى أي حد أصبحت الخيارات ضيقة. في المقابل، فإن استخدام الذهب لتمويل الدولة أو المصارف من دون إطار استثنائي واضح قد يحول آخر عناصر الثقة في ميزانية مصرف لبنان إلى أداة لمعالجة أزمة بدلاً من أن يكون ركيزة للاستقرار.

لكن المشكلة الأكثر إلحاحاً لا تتعلق بالمودعين وحدهم. إنها تتعلق بالمستثمر الذي يراقب كل هذه التطورات من الخارج. فالمستثمر الأجنبي لا يحتاج فقط إلى استقرار سعر الصرف، بل يريد أن يعرف كيف يعمل النظام المصرفي، وما هي قواعد تحويل الأموال، وما مصير الأرباح، وما إذا كانت الدولة قادرة على حماية العقود والملكية، وكيف ستتعامل مع الدين العام والضرائب والخسائر المصرفية.

بالتالي، فإن استمرار الغموض حول قانون الفجوة لا يعني فقط تأخير استرداد الودائع، بل يعني أيضاً تأخير قرار المستثمر بالدخول إلى لبنان. فالأموال الذكية لا تدخل الأسواق التي لا تستطيع تحديد قواعد الخروج منها، ولا تدخل اقتصاداً لا تعرف فيه قيمة الالتزامات المصرفية النهائية.

عليه، فإن الاستقرار النقدي الذي يتحدث عنه سعيد، والذي يستند جزئياً إلى الطلب على الليرة لتسديد الضرائب، يبقى شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ. فاستقرار العملة يستطيع أن يمنح الاقتصاد بعض الوقت، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع نمواً أو يعيد المصارف إلى دورها أو يجذب استثمارات طويلة الأجل.
لذلك باتت المعادلة أكثر وضوحاً: لبنان لا يحتاج فقط إلى ليرة مستقرة، بل إلى نظام مالي مستقر؛ ولا يحتاج فقط إلى قانون فجوة، بل إلى تسوية مالية قابلة للحياة؛ ولا يحتاج فقط إلى اتفاق مع صندوق النقد، بل إلى تنفيذ الإصلاحات التي تجعل الاتفاق قابلاً للاستثمار عليه.

فإذا تحول الأشهر الستة إلى ثمانية، ثم إلى مهلة جديدة بسبب الخلافات السياسية والتشريعية، فإن الخطر لا يكمن في ضياع بضعة أشهر إضافية، بل في أن يتحول التأخير نفسه إلى سياسة اقتصادية. عندها قد يجد لبنان نفسه أمام اقتصاد يدير الخسائر بدلاً من أن يعالجها، ومصارف تنتظر إعادة الهيكلة، ومودعين ينتظرون حقوقهم، وصندوق نقد ينتظر الإصلاحات، ومستثمرين ينتظرون جميعاً الإشارة نفسها: هل أصبح لبنان أخيراً قادراً على اتخاذ القرار؟
فخطة النهوض الاقتصادي لن تبدأ فعلياً يوم إقرار قانون الفجوة فحسب، بل يوم تقتنع الأسواق بأن هذا القانون حسم الخلاف على الخسائر، ووضع قواعد واضحة لإعادة الودائع، وأعاد بناء القطاع المصرفي، وأغلق باب الاستنسابية السياسية.

عندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل من اقتصاد “الصمود” إلى اقتصاد “النمو”. أما قبل ذلك، فإن كل حديث عن استثمارات كبرى أو تدفقات رأسمالية أو نهضة اقتصادية سيبقى مشروطاً بكلمة واحدة: الثقة.
ثقة لا تُمنح بالتطمينات، بل تُبنى بقوانين تُقر، وخسائر تُحسم، وحقوق تُحدد، وإصلاحات تُنفذ.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *