أخبار خاصة

الذهب يترنّح والنفط يشتعل .… الأسواق العالمية تفتح باب القلق لبنانيا

ناجي الخوري

لم تعد حركة الأسواق العالمية مجرد أرقام تتبدّل على الشاشات المالية، بل تحولت إلى مؤشرات مباشرة ترسم ملامح المرحلة المقبلة بالنسبة للاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها الاقتصاد اللبناني الذي يبقى شديد الحساسية تجاه أي صدمة خارجية، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بأسعار الطاقة والدولار والأسواق العالمية.

ففي الوقت الذي يسجل فيه الذهب تراجعاً حاداً وغير مسبوق، بفعل تبدّل التوقعات الاقتصادية في الولايات المتحدة وتراجع رهانات المستثمرين على استمرار موجة الصعود، عاد النفط ليخطف الأضواء مع تسجيله ارتفاعات جديدة، وسط مخاوف من دخول سوق الطاقة العالمية مرحلة أكثر توتراً، ما يهدد بارتدادات مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان.

المفارقة اللافتة في المشهد الحالي أن المعدن الأصفر، الذي لطالما اعتُبر ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، يتعرض لضغوط قوية نتيجة تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الأميركية وعودة الأسواق إلى تسعير احتمالات جديدة لمسار الفائدة النقدية.

فارتفاع قوة الدولار وتراجع المخاوف من ركود اقتصادي عالمي دفعا شريحة من المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الذهب، ما أدى إلى موجة بيع واسعة انعكست انخفاضاً كبيراً في الأسعار، في وقت لا يبدو فيه أن سوق النفط يسير في الاتجاه نفسه، إذ تتراكم العوامل الجيوسياسية والأمنية لتدفع الأسعار نحو الارتفاع، في مشهد يعيد إلى الواجهة مخاطر عودة الطاقة إلى لعب دور المحرك الأساسي للتضخم العالمي.

واقع جعل الحديث لا يقتصر فقط على تداعيات أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين إمدادات النفط العالمية، بل توسعت دائرة المخاطر لتشمل عوامل إضافية أكثر تعقيداً، أبرزها تصاعد الضربات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية.

فأي استمرار لاستهداف البنية النفطية الروسية قد يؤدي إلى تقليص كميات المعروض في الأسواق العالمية، خصوصاً أن روسيا تُعد من أكبر المنتجين والمصدرين للنفط عالمياً. وفي حال تزامن انخفاض الإمدادات الروسية مع استمرار القيود الأميركية على صادرات النفط الإيرانية، فإن السوق قد تواجه فجوة بين العرض والطلب، ما يفتح الباب أمام موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.

فوفقا للخبراء، تكمن الخطورة في أن أسواق الطاقة لا تتحرك فقط وفق الحسابات الاقتصادية التقليدية، بل تتأثر بشكل كبير بالتوقعات والمخاوف. فمجرد ارتفاع احتمالات نقص الإمدادات يدفع الشركات والدول إلى زيادة عمليات الشراء والتحوط، الأمر الذي قد يخلق طلباً إضافياً يساهم بدوره في رفع الأسعار حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في السوق.

تطورات تحمل بالنسبة إلى لبنان مخاطر مضاعفة، ذلك ان الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات، وأي ارتفاع عالمي في أسعار النفط يترجم سريعاً إلى زيادات في أسعار البنزين والمازوت والغاز، ما ينعكس على كلفة النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.

مخاوف محقة في وقت لا يزال فيه لبنان يعاني من هشاشة مالية ونقدية، مع محدودية قدرة الدولة على التدخل لامتصاص الصدمات الخارجية أو دعم أسعار الطاقة كما كان يحصل في السابق. وبالتالي، فإن أي موجة نفطية عالمية جديدة قد تعني انتقال الضغط مباشرة إلى المستهلك اللبناني، عبر ارتفاع فاتورة الطاقة وتراجع القدرة الشرائية.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن المشكلة لا تكمن فقط في سعر برميل النفط بحد ذاته، بل في سلسلة التأثيرات التي تنتج عنه. فارتفاع المحروقات يرفع كلفة النقل، وهذه الكلفة تنتقل إلى مختلف القطاعات، من الزراعة والصناعة إلى المواد الغذائية والخدمات، ما قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية.

في المقابل، فإن تراجع أسعار الذهب قد يشكل فرصة لبعض المستثمرين، لكنه لا يحمل انعكاساً إيجابياً مباشراً على الاقتصاد اللبناني، حيث يبقى الذهب مرتبطاً أكثر بالمدخرات الفردية وحركة الأسواق المالية، بينما تمثل الطاقة عاملاً يومياً مؤثراً في حياة المواطنين والاقتصاد الحقيقي.

هكذا، بين ذهب يفقد جزءاً من بريقه ونفط يستعيد موقعه كأحد أخطر عناصر الضغط الاقتصادي، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة من عدم اليقين، عنوانها الأساسي: صراع بين مؤشرات اقتصادية أميركية تدفع نحو التهدئة، وتوترات جيوسياسية تعيد إشعال مخاطر الطاقة.

أما لبنان، الذي لطالما دفع ثمن الأزمات الدولية رغم محدودية تأثيره فيها، فيجد نفسه مجدداً أمام اختبار صعب: كيف يمكن احتواء موجة نفطية محتملة في ظل غياب شبكة أمان مالية واقتصادية قادرة على حماية المواطنين من تقلبات الأسواق العالمية؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *