أخبار اقتصادية

كيف تحولت Clear من شركة مفلسة إلى رهان بمليارات الدولارات؟

في الوقت الذي يقف فيه المسافرون في طوابير طويلة أمام نقاط التفتيش الأمنية، يمر مستخدمو Clear عبر مسار مختلف تمامًا. نظرة سريعة إلى الكاميرا تكفي، وخلال ثوانٍ قليلة تصبح الهوية الرقمية مؤكدة والطريق إلى بوابة السفر أقصر.

هكذا بنت شركة Clear أعمالها خلال السنوات الماضية، مستفيدة من فكرة بسيطة: تحويل الوجه إلى بطاقة عبور رقمية.

كيف تحاشت شركة Clear الإفلاس بفضل الهوية الرقمية

تطمح الرئيسة التنفيذية للشركة، كارين سيدمان بيكر، لأن تتجاوز هذه الفكرة حدود المطارات. فبعد أن أصبحت الخدمة جزءًا مألوفًا من تجربة السفر لدى ملايين الأميركيين، تتطلع الشركة إلى استخدام البيانات البيومترية في مجالات أوسع، تشمل الرعاية الصحية والفعاليات الرياضية والخدمات اليومية المختلفة.

داخل مطار نيوآرك الدولي، تبدأ القصة كل صباح. فبينما تمتد طوابير التحقق من الهوية لدقائق طويلة، يتجه مشتركو Clear إلى بوابات مخصصة، حيث تتولى الكاميرات تحليل تفاصيل دقيقة في ملامح الوجه للتحقق من الهوية خلال لحظات.

يحصل الأعضاء على تجربة أسرع وأكثر سلاسة مقابل اشتراك سنوي يبلغ 209 دولارات، وهو مبلغ يعد بسيطًا بالنسبة للمسافرين الدائمين الذين يقضون ساعات طويلة في المطارات كل شهر.

وقد نجحت هذه المعادلة في جذب 8.2 مليون عضو، وتحويل شركة واجهت صعوبات في تحقيق الأرباح خلال سنواتها الأولى إلى مشروع يحقق إيرادات سنوية بلغت 900 مليون دولار وصافي أرباح وصل إلى 168 مليون دولار في عام 2025.

واليوم، لا تراهن Clear على تسريع المرور عبر المطارات فحسب، بل على أن تصبح الهوية البيومترية بوابة العبور إلى جزء أكبر من الحياة اليومية.

حين اشترت كارين سيدمان بيكر شركة Clear خلال الأزمة المالية العالمية، لم تكن تشتري شركة ناجحة أو قصة نمو واعدة، بل أصول شركة مفلسة مقابل 6 ملايين دولار، إضافة إلى ما يقارب 190 ألف بصمة مخزنة في قاعدة بياناتها.

لكن بيكر رأت في تلك البصمات أكثر من مجرد بيانات؛ رأت نواة مشروع يمكنه اختصار واحدة من أكثر التجارب إزعاجًا للمسافرين: الانتظار.

وتقول إن الناس لا يزالون يستخفون بمدى إرهاق السفر، وبمدى استعدادهم للدفع مقابل أي خدمة تجعل الرحلة أسهل ولو ببضع دقائق.

وبعد أكثر من عقد على ذلك الرهان، أصبحت Clear موجودة في 60 مطارًا أميركيًا، وتحولت إلى شركة مدرجة في البورصة بقيمة سوقية تبلغ 7.6 مليار دولار. أما حصة بيكر البالغة 14.5% فأصبحت تساوي نحو 1.1 مليار دولار، لتدخل بذلك قائمة النساء العصاميات المليارديرات في الولايات المتحدة.

غير أن نجاح الشركة يكشف في الوقت نفسه عن معضلة مستقبلية. فالسوق التي تستهدفها ليست بلا حدود، وعدد المسافرين المستعدين لدفع اشتراك سنوي من أجل اختصار وقت الانتظار ينمو بوتيرة أبطأ، وهو ما ظهر في زيادة العضويات النشطة بنسبة 6% فقط خلال العام الماضي.

كما أن نموذج أعمال Clear يعتمد جزئيًا على استمرار بطء الإجراءات الحكومية. فإذا أصبحت نقاط التفتيش أكثر كفاءة أو جرى خصخصة بعض خدمات إدارة أمن النقل الأميركية (TSA)، فقد يتراجع جزء من الميزة التنافسية التي تعتمد عليها الشركة.

ويقول جاستن أوبرمان، الرئيس التنفيذي لشركة Airspace Data وأحد المشاركين في تأسيس منظومة TSA بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول: “لا يمكن إغفال أن أعمال Clear ستتأثر سلبًا بكفاءة النظام الحكومي في نقاط التفتيش، لأن ما يحصل عليه العميل في النهاية هو القدرة على تجاوز الطابور”.

شراكة قوية وطموح واسع الأفق

ورغم أن Clear نجحت في بناء قاعدة ضخمة من المستخدمين داخل المطارات، فإن جزءًا كبيرًا من هذا النجاح جاء عبر حليف قوي: أميركان إكسبريس. فأصحاب بطاقة Platinum يحصلون على الخدمة مجانًا ضمن باقة مزاياهم السنوية، وهو ما جعل الشراكة قناة استقطاب رئيسية للشركة. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف أعضاء Clear انضموا عبر هذا المسار.

لكن بالنسبة إلى كارين سيدمان بيكر، فإن الوصول إلى ملايين المسافرين لم يعد الهدف النهائي.

صحيح أن الشركة تحاول توسيع أعمالها عبر استهداف المسافرين الدوليين وتقديم خدمات مساعدة لكبار السن والعائلات، بل وحتى بيع خدمات التسجيل في برامج التفتيش السريع، إلا أن هذه المبادرات لا تكفي لصناعة قصة النمو التالية.

ولهذا تتطلع بيكر إلى ما هو أبعد من المطارات والطائرات.

ففي نظرها، لا تكمن قيمة Clear الحقيقية في تسريع المرور عبر نقاط التفتيش، بل في شيء أكثر أساسية: إثبات الهوية.

إذا نجحت الشركة في تحويل تقنياتها إلى معيار رقمي للتأكد من هوية الأشخاص في المستشفيات والفعاليات الرياضية والمؤسسات المختلفة، فإنها ستكون قد انتقلت من شركة تخفف متاعب السفر إلى لاعب رئيسي في اقتصاد الهوية الرقمية.

وهو سوق لا يزال في بداياته، لكنه مرشح لتوليد إيرادات تصل إلى 34 مليار دولار بحلول عام 2030، وفق تقديرات شركة Grand View Research.

بالنسبة إلى كارين سيدمان بيكر، لم يعد الهدف مجرد مساعدة المسافرين على تجاوز طوابير المطارات.

فاليوم يمكن لتقنيات Clear أن تفتح أبواب ملاعب رياضية، وتؤكد هويتك على منصات رقمية، وتساعدك حتى في استئجار شاحنة أو معدات ثقيلة. لكن ما تطمح إليه الشركة أكبر بكثير من ذلك.

تقول بيكر إن رؤيتها تقوم على تحويل Clear من خدمة تُستخدم بضع مرات سنويًا إلى منصة يعتمد عليها الأشخاص عشرات المرات يوميًا، كلما احتاجوا إلى إثبات هويتهم.

ومن هنا يأتي الرهان الأكبر: قطاع الرعاية الصحية.

فبدلًا من الوقوف أمام موظف استقبال يحمل أوراقًا ونماذج تحقق، قد يصبح وجه المريض هو بطاقة الدخول إلى العيادة أو غرفة العمليات أو جلسة العلاج. وقد بدأت مستشفيات كبرى بالفعل في تبني هذا النموذج، أملاً في تقليص الأخطاء الإدارية وتسريع الإجراءات.

وفي مجموعة Wellstar الصحية بولاية جورجيا، ساعدت التقنية على توفير آلاف ساعات العمل وتقليل مئات السجلات الطبية المكررة التي كانت تستنزف وقت الموظفين في معالجتها.

ومع توسع الشركة داخل المستشفيات، تدرك Clear أن الثقة أصبحت أهم من السرعة نفسها. فبينما يتعلق الأمر في المطارات بتجاوز الطوابير، يتعلق الأمر في الرعاية الصحية ببيانات شديدة الحساسية. ولهذا تؤكد الشركة أن نموذج أعمالها لا يقوم على بيع البيانات أو مشاركتها، بل على جعل الهوية الرقمية خدمة يمكن الاعتماد عليها في كل تفاصيل الحياة اليومية.

حققت Clear خطوة مهمة في قطاع الرعاية الصحية في كانون الأول الماضي، بعدما حصلت على عقد بقيمة 6 ملايين دولار مع برنامج Medicare الأميركي، يتيح للمشتركين الجدد تسجيل الدخول إلى حساباتهم عبر صورة سيلفي بدلًا من كلمات المرور التقليدية.

وترى إيمي غليسون، المستشارة الخاصة لمراكز خدمات Medicare وMedicaid (CMS)، أن هذه التقنية تبسط تجربة المستخدم بشكل كبير، إذ يصبح التحقق من الهوية قائمًا على الوجه بدلًا من تذكر كلمات المرور وإدخالها.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة بالنسبة إلى Clear، نظرًا إلى أن Medicare يغطي نحو خُمس الإنفاق الصحي في الولايات المتحدة، ما يمنح الشركة مكانًا داخل أحد أكبر الأنظمة الصحية في البلاد.

ويعتقد بوب غاريت، الرئيس التنفيذي لمجموعة Hackensack Meridian Health، أن اعتماد Medicare لهذه التقنية قد يشكل نقطة تحول، ويفتح الباب أمام دمج أنظمة التحقق البيومتري بشكل أوسع في تقديم خدمات الرعاية الصحية على مستوى الولايات المتحدة.

كارين سيدمان: أفكار خارج المسار التقليدي

تروج كارين سيدمان بيكر لفكرة أن Clear شركة هوية رقمية وليست مجرد شركة خدمات مطارات منذ أكثر من عقد. وخلال لقاء داخلي عُقد في كانون الثاني بمقر الشركة في مانهاتن، استعرضت إحدى العروض التقديمية التي أعدتها عام 2010 لتؤكد أن رؤيتها منذ البداية كانت تقوم على بناء منصة للتحقق الرقمي من الهوية تتجاوز قطاع السفر.

لكن هذه الرؤية لم تلقَ اهتمامًا واسعًا لسنوات، خصوصًا أن العديد من محاولات الشركة للتوسع خارج قطاع السفر لم تحقق النجاح المتوقع.

ويقول وايت سوانسون، المحلل لدى D.A. Davidson، إن كثيرًا من المبادرات خارج قطاع السفر لم تنجح في الماضي، إلا أن عقد Medicare قد يمثل نقطة إثبات مهمة لقدرة الشركة على اختراق أسواق جديدة، حتى لو لم يكن له تأثير كبير على الإيرادات في عام 2026.

ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه خطر الاحتيال وانتحال الهوية، مدفوعًا بالتطور السريع للذكاء الاصطناعي وانتشار نماذج العمل عن بُعد، ما يدفع الشركات إلى البحث عن أدوات أكثر موثوقية للتحقق من هوية الموظفين والمستخدمين.

ومن بين الشركات التي تعتمد على تقنيات Clear شركة T-Mobile، التي تستخدمها للتحقق من هويات نحو 75 ألف موظف والتأكد من أن الأشخاص الذين يدخلون إلى أنظمة العمل هم بالفعل العاملون المصرح لهم بذلك.

ثقة المستثمرين

لا تزال رهانات Clear خارج المطارات صغيرة بما يكفي لدرجة أنها لا تظهر كقطاع مستقل في البيانات المالية للشركة.

لكن ما يبدو صغيرًا اليوم قد يكون المحرك الرئيسي للنمو غدًا.

فخلال عام 2025، وصل عدد المسجلين عبر منصات الشركة إلى 41 مليون شخص بين المطارات والمؤسسات، بزيادة سنوية بلغت 31%، فيما قفز الطلب من قطاع الشركات إلى خمسة أضعاف خلال عام واحد فقط.

وهذه الأرقام، رغم تواضع مساهمتها الحالية في الإيرادات، بدأت تقنع الأسواق بأن Clear قد تكون أكثر من مجرد خدمة لتجاوز طوابير التفتيش.

كما عززت الثقة استمرار الشراكة مع أميركان إكسبريس، ما بدد مخاوف المستثمرين بشأن أحد أهم روافد نمو الشركة.

وكانت النتيجة عودة قوية للسهم. فبعد سنوات قضاها بعيدًا عن مستويات طرحه الأولي، قفز سهم Clear بنحو 68% منذ بداية 2026، مقابل مكاسب بلغت 13% فقط لمؤشر ناسداك، في إشارة إلى أن وول ستريت بدأت تراهن على مستقبل الشركة كشركة هوية رقمية أكثر من كونها شركة خدمات مطارات.

من صندوق تحوط إلى شركة بمليارات الدولارات

قبل أن تقود كارين سيدمان بيكر Clear إلى الأسواق العامة، بنت مسيرتها في وول ستريت. ففي عام 2002 أسست صندوق التحوط Arience Capital برأسمال بلغ 60 مليون دولار، ونجحت خلال خمس سنوات في رفع الأصول المدارة إلى 1.5 مليار دولار، محققة عوائد سنوية صافية تقارب 12%.

لكن الأزمة المالية العالمية قلبت المشهد. وبعد تراجع الصندوق بنسبة 18%، قررت إعادة أموال المستثمرين والخروج من السوق. وفي خضم تلك الاضطرابات، استحوذت عام 2009 على أصول Clear المفلسة مقابل 6 ملايين دولار فقط، لتبدأ رحلة إعادة بناء الشركة التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز شركات التحقق الرقمي من الهوية في الولايات المتحدة.

ورغم نجاح Clear في ترسيخ حضورها داخل المطارات، تواجه الشركة اليوم تحديًا أكثر تعقيدًا مع توسعها نحو قطاع الهوية الرقمية والرعاية الصحية.

ففي هذا السوق، تتنافس الشركة مع شركات عملاقة مثل LexisNexis Risk Solutions التابعة لمجموعة RELX التي بلغت إيراداتها 13 مليار دولار في 2025، إضافة إلى Experian بإيرادات بلغت 7.5 مليار دولار خلال العام المالي نفسه. كما تواجه منافسة محتملة من أبل وغوغل اللتين تطوران مبادرات خاصة بالهوية الرقمية وتمتلكان علاقات قوية داخل قطاع الرعاية الصحية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *