مثلت الانتخابات النصفية الأميركية انتكاسة سياسية بارزة لإيلون ماسك وقطاع الذكاء الاصطناعي، بعدما قاد فوز الديمقراطيين موجة تشكيك أوسع في نفوذ المليارديرات وشركات التكنولوجيا، ما أثار مخاوف بشأن مستقبل التوسع الضخم في مراكز البيانات الممولة بالديون.
وأنفق ماسك ما لا يقل عن 474 مليون دولار لدعم مرشحين جمهوريين خلال الانتخابات، بينها 224 مليون دولار في ولاية تكساس وحدها، وفق تحليل لبيانات تمويل الحملات الانتخابية. إلا أن رهانه السياسي انتهى بخسارة مرشحين بارزين دعمهم، من بينهم المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ كين باكستون وحاكم الولاية غريغ أبوت، في موجة تقدم ديمقراطية واسعة.
وكتب ماسك ساخراً على منصة “X” عن نتائج الانتخابات: ” يبدو أن أشعتي الفضائية التي تتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة”.
وأثارت النتائج قلق المستثمرين، ما دفع أسهم شركات مرتبطة بماسك إلى التراجع في التداولات اللاحقة. وانخفضت أسهم “تسلا” و”سبيس إكس”، بينما تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط مع استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس.
وأظهرت نتائج الانتخابات اتجاهاً أوسع يتجاوز ماسك نفسه، إذ صوت الناخبون في عدد من الولايات لصالح مرشحين ينتقدون نفوذ شركات التكنولوجيا، كما أيدوا إجراءات تحد من توسع مراكز البيانات التي تعد أساس الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي.
وقال السيناتور الديمقراطي المنتخب جيمس تالاريكو في خطاب الفوز إن النظام السياسي يجب ألا يسمح لأصحاب الثروات الضخمة بشراء الانتخابات، داعياً إلى إعادة صياغة النظام الاقتصادي بما يخدم شرائح أوسع من المجتمع.
ويرى الزميل البارز في صندوق “مارشال الألماني”، جيه سي لينتزنيش، أن نتائج تكساس عكست بوضوح رفضاً للنفوذ السياسي الذي اكتسبه ماسك داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب.
تكساس.. قلب إمبراطورية ماسك
تحولت ولاية تكساس خلال السنوات الأخيرة إلى المركز الرئيسي لعمليات ماسك الصناعية والتكنولوجية. وتدير “تسلا” أكبر مصانعها الأميركية قرب أوستن، فيما تطلق “سبيس إكس” صواريخها من قاعدة “ستاربيس” جنوب الولاية، بالتزامن مع خطط استثمارية إضافية في الذكاء الاصطناعي وصناعة أشباه الموصلات.
واعتمدت هذه المشاريع بشكل كبير على قرارات السلطات المحلية المتعلقة بالكهرباء والمياه والتصاريح البيئية والبنية التحتية والحوافز الضريبية.
وتعهدت الحاكمة الديمقراطية المنتخبة جينا هينوخوسا باتباع نهج أكثر تشدداً تجاه مراكز البيانات والحوافز المقدمة للشركات الكبرى. ودعت إلى وقف مؤقت لتطوير مراكز بيانات جديدة، وإلغاء بعض الإعفاءات الضريبية، وإلزام المطورين بتحمل التكلفة الكاملة لاستهلاك الكهرباء.
ورغم استمرار سيطرة الجمهوريين على المجلس التشريعي في الولاية، ما يحد من قدرة الإدارة الجديدة على تغيير القوانين جذرياً، فإن تشديد إجراءات التصاريح والحوافز قد يعقد خطط التوسع التي يعول عليها ماسك.
نتائج مخيبة لحلفاء ماسك
أنفقت لجنة “أميركا باك” المدعومة من ماسك نحو 87 مليون دولار في 44 سباقاً انتخابياً اتحادياً. وبحلول صباح الأربعاء، كان المرشحون الذين دعمتهم قد خسروا 29 سباقاً مقابل ثلاثة انتصارات فقط، فيما بقيت بعض النتائج غير محسومة.
وذهب أكثر من 80 مليون دولار، أي نحو 93% من إنفاق اللجنة، إلى سباقات انتهت بهزيمة الجمهوريين الذين ساندتهم.
وأضعفت هذه النتائج شبكة الحلفاء السياسيين لماسك داخل الكونغرس، ما يفتح الباب أمام لجان ديمقراطية للتحقيق في العقود الحكومية الممنوحة لشركاته وعلاقاته السابقة بإدارة ترامب ودوره في وزارة كفاءة الحكومة.
ومع ذلك، لا تزال قدرة الديمقراطيين على إحداث تغيير جذري محدودة، نظراً لاستمرار سيطرة ترامب على السلطة التنفيذية واحتفاظه بحق النقض الرئاسي، وهو ما يوفر مظلة حماية نسبية لشركات ماسك العاملة في قطاعات الدفاع والفضاء.
ولم تكن هذه أول مرة يفشل فيها الإنفاق السياسي لماسك في تحقيق أهدافه. فقد دعمت لجنة “أميركا باك” عدداً من المرشحين الخاسرين في انتخابات سابقة، كما أنفق أكثر من 20 مليون دولار دعماً لمرشح محافظ في ولاية ويسكونسن دون أن يحقق النتيجة المرجوة.
رفض متزايد لقطاع الذكاء الاصطناعي
امتد الإنفاق السياسي إلى شخصيات أخرى في قطاع التكنولوجيا. فقد ساهم رئيس “أوبن إيه آي” غريغ بروكمان وزوجته بنحو 25 مليون دولار لدعم جهود سياسية تسعى إلى التأثير في تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، بينما ضخ صندوق “أندريسن هورويتز” نحو 50 مليون دولار في المسار ذاته.
ورغم نجاح القطاع في تحقيق بعض الانتصارات السياسية المحدودة، فإن مقاومة المجتمعات المحلية لتوسع مراكز البيانات بدت أكثر صعوبة.
وفي ولاية أوهايو، فاز الديمقراطي شيرود براون بعد حملة ركزت على انتقاد التوسع في مراكز البيانات، فيما شهدت ولاية كارولاينا الجنوبية فوز مرشحة ديمقراطية دعمت فرض وقف مؤقت على إنشاء مراكز جديدة رغم إنفاق داعمي القطاع مبالغ كبيرة على الإعلانات الانتخابية.
وبحسب بيانات “AdImpact”، أنفقت الحملات الانتخابية والجماعات الداعمة نحو 173 مليون دولار على إعلانات مرتبطة بمراكز البيانات خلال انتخابات 2026، وجاء معظمها بطابع سلبي. كما صوت الناخبون على 41 إجراءً محلياً يتعلق بهذه المراكز، وأسفرت النتائج عن إقرار حظر أو قيود جديدة في ما لا يقل عن 10 مجتمعات محلية.
رهان بقيمة 5 تريليونات دولار
وتحمل هذه التطورات أهمية خاصة لصناعة الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة والحوسبة.
وقدرت “جي بي مورغان لإدارة الأصول” أن يصل حجم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030، منها قرابة تريليوني دولار ممولة عبر أسواق الدين ذات التصنيف الاستثماري.
ويعني ذلك أن أي تأخير في التصاريح أو زيادة في تكاليف الكهرباء والتمويل قد يضغط على عوائد المشاريع ويؤخر بدء تشغيلها، وهو ما يهدد أحد أكبر رهانات وادي السيليكون خلال العقد الحالي.
وبينما صوت الأميركيون على نحو بدا رفضاً لنفوذ المليارديرات وشركات التكنولوجيا، قد لا تقتصر تداعيات الانتخابات على المشهد السياسي فقط، بل قد تمتد إلى نموذج التمويل الذي يقف وراء طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية بأكملها.





