10 سنوات مضت على «بريكست»، ويبدو أن مشاعر الندم أصبحت سمة رئيسية للمزاج العام اليوم في بريطانيا لدرجة بلوغها حد ظاهرة تُعرف بـ«بريغريت Bregret»، وتعني قناعة غالبية أفراد الشعب بأن «بريكست» المصدر الرئيسي لأزمة اقتصادية ومعيشية ذات أبعاد هيكلية.
وكما كان “بريكست” توجهاً ذي منفعة سياسية بحتة منذ عام 2016 دون حساب لتداعيات القرار الأكثر حساسية في تاريخ بريطانيا على مقدرات بريطانيا وشعبها، تسعى الحكومة البريطانية في الوقت الراهن برئاسة آندي بيرنهام إلى ترميم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في قمة مرتقبة بين لندن وبروكسل في 20 تشرين الثاني 2026، من منطلق إعادة النظر في إرث “بريكست”، وتصحيح ما يعتبره كثيرون “خطأً تاريخياً”، عبر إعادة صياغة العلاقات على أسس أكثر تعاوناً وبراغماتية.
فاتورة اقتصادية مثقلة بالأعباء
تسبب “بريكست” في إحباط اقتصادي نتيجة تراجع مستويات المعيشة وضعف النمو والإنتاجية مقارنة بدول أخرى كبرى مثل الولايات المتحدة وكندا.
تشير تقديرات رسمية إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أصبح أقل بنحو 6% إلى 8% مما كان سيبلغه لو لم يحدث “بريكست”، مع توقعات بانخفاض الإنتاجية بنحو 4% على المدى الطويل، إلى جانب معوقات تجارية أثرت في أصحاب الأعمال.
وقال بنك الاستثمار البريطاني “بانمور ليبروم”، إن الاقتصاد البريطاني أصغر بنحو 2.5% عما كان سيصبح عليه لو بقيت البلاد داخل الاتحاد، مع تأثيرات امتدت إلى الاستثمار وتقييم الأصول البريطانية.
إلى جانب ذلك، أضرَّت العوائق الجمركية والتنظيمية المستمرة مع الاتحاد الأوروبي بالمصدرين وسلاسل التوريد والاستثمارات؛ وهو ما تزامن مع انخفاض استثمارات الشركات نتيجة حالة عدم اليقين؛ مما أضعف الابتكار والقدرة الإنتاجية ونمو الأجور مستقبلاً، كما أورد تقرير لـ”مركز المستقبل للدراسات المتقدمة”.
وعلى صعيد الأسر، أسهم الخروج في رفع أسعار المستهلكين بنسبة تقارب 0.7%، وتراجع التوظيف بنحو 2%؛ ما جعل الناخب البريطاني العادي يلمس التراجع الاقتصادي يومياً في أسعار السلع الأساسية وصعوبة الاستيراد.
ذريعة الهجرة
كان ملف الهجرة “الحصان الرابح” لمعسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016؛ لكنه بعد مرور 10 سنوات تحول من أداة لتبرير الانفصال إلى عامل يعزز الرغبة في التقارب مع الاتحاد.
وعلى الرغم من انخفاض صافي الهجرة إلى 171 ألف شخص في كانون الأول 2025، مقارنة بنحو 331 ألفاً عام 2024؛ فإن ذلك لم يبدد الانطباع السائد لدى قطاع واسع من البريطانيين بأن الانفصال لم يحقق وعده الأساسي باستعادة السيطرة على الحدود؛ ونتيجة لذلك، فقدت حجة “العزلة وحماية الحدود” جانباً كبيراً من قيمتها السياسية التي تمتعت بها خلال حملة “بريكست”.
ومن ثم، أصبح يُنظر إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي باعتباره أداة أكثر فاعلية لإدارة الحدود ومعالجة نقص العمالة. وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) في أيار الماضي، أن 66% من البريطانيين (بمن فيهم 57% من مؤيدي “بريكست”) مستعدون لتقبل ترتيبات تسمح بقدر من حرية التنقل مقابل تعزيز التجارة وتسهيل حركة الشباب. ويعكس ذلك تحولاً جوهرياً في الوعي السياسي؛ إذ لم تعد الهجرة تُطرح بوصفها قضية أيديولوجية أو سيادية بالدرجة الأولى، بل أصبحت ملفاً تفاوضياً تحكمه المصالح المتبادلة ومتطلبات التجارة والنمو واستقرار سوق العمل.
استفتاء جديد
تميل النخبة الشابة البريطانية للنظر إلى أوروبا كشريك طبيعي؛ إذ كشف استطلاع لمركز “مور إن كومون” خلال الفترة (12 إلى 15 حزيران 2026) أن 3 من بين كل 5 بريطانيين من “جيل زد” (الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً) يريدون استفتاءً جديداً، وأن 60% منهم سيصوتون لصالح العودة إلى الاتحاد الأوروبي.
كما تشير استطلاعات رأي نُشرت مطلع تشرين الأول 2026 إلى ارتفاع التأييد لعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي. فقد أظهر استطلاع لـ”يوغوف” أن نسبة التأييد تبلغ 52%، فيما يصل متوسط معظم الاستطلاعات إلى نحو 61% بعد استبعاد المترددين.
ويكشف ذلك عن أن التغير الديمغرافي الطبيعي قد قلب ميزان القوى لصالح معسكر العودة، خاصة أن هذا الجيل الجديد غالباً ما يحكم على القضية من منظور التكاليف العملية وليس الرمزية المرتبطة بالاستفتاء.
وتستند هذه الدعوات إلى ما يصفه مؤيدوها بضعف المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الانفصال، واستمرار التأثيرات السلبية على الصادرات البريطانية والشركات العاملة في الأسواق الأوروبية.
وتشير تحليلات إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أسهم في تقليص حجم التجارة والاستثمارات مقارنة بما كان يمكن تحقيقه لو بقيت المملكة المتحدة داخل السوق الأوروبية الموحدة، وفق “فايننشال تايمز”.
كما يرى اقتصاديون أن النمو الاقتصادي البريطاني خلال الأعوام الماضية جاء أضعف مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة المشابهة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة نتيجة ضعف الإنتاجية وتراجع الاستثمارات طويلة الأجل.
ولم يعد النقاش متركزاً على قضايا السيادة والهوية الوطنية كما حدث خلال حملة الاستفتاء، بل أصبح مرتبطاً بصورة أكبر بالأداء الاقتصادي والتنافسية، وفق مجلة “إيكونوميست”.
حذر أوروبي2. 10 سنوات على «بريكست».. بريطانيا تكتشف كلفة الانفصال وتبحث عن طريق العودة إلى أوروبا
ينظر القادة الأوروبيون إلى “ندم بريطانيا” (Bregret) باعتباره شهادة براءة واعترافاً متأخراً بالقيمة الهيكلية للاتحاد؛ حيث أثبتت التجربة البريطانية لبقية الأعضاء أن الخروج من التكتل مغامرة اقتصادية؛ مما أدى إلى وأد طموحات تفكيك الاتحاد من الداخل وخفوت نبرة الخروج في القارة.
ومنذ القمة البريطانية الأوروبية الأولى في أيار 2025، تحاول لندن توسيع مساحة العمل المشترك مع بروكسل، لكن انضمامها تعثر إلى برنامج التمويل الدفاعي الأوروبي، البالغة قيمته 150 مليار يورو.
لذلك، اتسم رد فعل بروكسل إزاء التحول في المزاج البريطاني الداعم لإعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي بالترحيب الحذر، لا بالحماسة غير المشروطة، فرفع العلم البريطاني مجدداً أمام مؤسسات الاتحاد في بروكسل، إذا حدث، قد يحتاج إلى سنوات قبل التوصل إلى صيغة سياسية وقانونية تتيح ذلك، وسط مناخ أوروبي معقد سياسياً وأمنياً.




