أخبار اقتصادية

لماذا يتهيأ العالم لعودة نادرة لظاهرة “إل نينيو الفائقة”؟

هناك ظاهرة مناخية دورية يمكن أن تثير فيضانات في قارة وجفافاً في أخرى، يبدو ظهورها أكثر ترجيحاً هذا العام.

إل نينيو” تحدث عادةً عندما يتفاعل الغلاف الجوي مع ارتفاع مستمر في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ فوق معدلاتها الطبيعية. وقد ارتفعت حرارة المياه سريعاً خلال الأشهر الأخيرة، كما تزايدت احتمالات تشكل الظاهرة بحلول نهاية تموز إلى 82%، وفق مركز التنبؤات المناخية الأميركي.

يمكن أن تكون ظاهرة “إل نينيو” الوشيكة قوية على نحو استثنائي؛ إذ تبلغ احتمالات تطورها إلى حدث قوي أو شديد القوة 67% مع اقتراب عام 2027، وهو ما يُعرف بشكل غير رسمي باسم “إل نينيو الفائق”.

رغم أن “إل نينيو” تنشأ في المحيط الهادئ، فإن آثارها تمتد عبر القارات، وتنعكس على أسواق المحاصيل والطاقة. وتأتي عودتها في توقيت حساس للاقتصاد العالمي، الذي يواجه بالفعل أزمة طاقة، ونقصاً في الأسمدة، وضغوطاً تضخمية بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

ما هي ظاهرة “إل نينيو”؟

رُصدت “إل نينيو” لأول مرة في القرن السابع عشر على يد صيادين من بيرو، بعدما لاحظوا ارتفاعاً غير معتاد في حرارة مياه المحيط الهادئ حول فترة عيد الميلاد خلال بعض السنوات، فأطلقوا على هذه الظاهرة الطبيعية اسم “إل نينيو دي نافيداد”، في إشارة إلى الطفل المسيح.

خلال “إل نينيو”، تضعف الرياح التجارية، التي تهب عادة من الشرق إلى الغرب دافعة المياه الدافئة في المحيط الهادئ نحو آسيا، أو حتى تعكس اتجاهها. ولم تتضح بعد أسباب هذا التحول، لكنه يدفع المياه الدافئة إلى الانجراف نحو الأميركتين، ما يرفع حرارة مساحات واسعة من وسط وشرق المحيط الهادئ. وتؤدي هذه الحرارة الزائدة إلى تغيير الغلاف الجوي فوق سطح البحر، فتتحول مسارات العواصف وتتبدل أنماط هطول الأمطار.

كم مرة تحدث “إل نينيو”؟

ليس هناك جدول زمني محدد لظهور “إل نينيو”، إذ تحدث عادةً كل عامين إلى 7 أعوام، مع اختلاف شدتها ومدتها. وكان آخر ظهور لها خلال 2023-2024.

تُعدّ “إل نينيو” جزءاً من دورة مناخية أوسع في المحيط الهادئ تُعرف باسم “تذبذب إل نينيو الجنوبي” (ENSO). وتتأرجح هذه الدورة بين “إل نينيو”، ونظيرتها الأبرد “لا نينيا”، ومرحلة محايدة تفصل بينهما. وخلال “لا نينيا”، تشتد الرياح التجارية من الشرق إلى الغرب دافعة المياه الدافئة غرباً، ما يجعل شرق المحيط الهادئ أبرد من المعتاد.

ويمنح الاتساع الهائل للمحيط الهادئ، الذي يغطي نحو ثلث سطح الكوكب، “تذبذب إل نينيو الجنوبي” تأثيراً واسعاً في الطقس العالمي. ورغم وجود أنماط مناخية مشابهة في المحيطين الأطلسي والهندي، فإنها لا تمتلك النطاق نفسه من التأثير. وعادة ما تبلغ “إل نينيو” و”لا نينيا” ذروتهما بين ديسمبر ويناير، مع أن آثارهما قد تستمر لأشهر.

ما هي ظاهرة “إل نينيو الفائقة”؟

يُحدد “إل نينيو” عبر رصد درجات الحرارة في المحيط الهادئ، غالباً في منطقة تُعرف باسم “نينيو 3.4”. وتعتمد الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) عتبة محددة لتصنيف الظاهرة، تتمثل في تجاوز درجة حرارة سطح البحر متوسطها طويل الأجل بما لا يقل عن 0.5 درجة مئوية (0.9 درجة فهرنهايت)، خلال 5 فترات متداخلة ومتتالية، تمتد كل منها 3 أشهر. أما “إل نينيو” القوي، فيستلزم فارقاً حرارياً لا يقل عن 1.5 درجة مئوية، بينما يتطلب “إل نينيو” شديد القوة بلوغ الفارق درجتين مئويتين على الأقل.

“إل نينيو الفائق” ليس مصطلحاً رسمياً تستخدمه جهات التنبؤ الجوي، مثل الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية. لكنه شاع هذا العام مع تزايد المؤشرات على احتمال تشكل “إل نينيو” قوي جداً.

وتبقى ظواهر “إل نينيو” شديدة القوة نادرة، إذ لم يُسجل منها سوى بضع حالات منذ عام 1950، كان آخرها في 2015-2016. ومع ازدياد قوة “إل نينيو”، ترتفع احتمالات وقوع ظواهر جوية شديدة، لكنها لا تصبح حتمية.

كيف يتأثر الطقس بظاهرة “إل نينيو”؟

غالباً ما تدفع الحرارة التي تطلقها “إل نينيو” تدريجياً من المحيط الهادئ إلى الغلاف الجوي درجات الحرارة العالمية نحو مستويات قياسية جديدة. ويتوقع العلماء أن يكون 2027 أحد أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، متجاوزاً 2024، الذي سجل ارتفاعاً قدره 1.5 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل العصر الصناعي، وفق الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي.

ولا تؤثر “إل نينيو” في جميع المناطق بالطريقة نفسها؛ إذ تظهر آثارها عادة أولاً في المناطق الاستوائية، قبل أن تمتد إلى أستراليا وآسيا والأميركتين وأفريقيا.

وعادةً ما تصبح أستراليا وجنوب شرق آسيا وشمال الولايات المتحدة وكندا أكثر حرارة وجفافاً، ما يزيد تعرضها للجفاف وحرائق الغابات. وقد تشهد الهند اضطرابات في أمطار الرياح الموسمية، بينما تواجه مناطق جنوب الولايات المتحدة وتشيلي والأرجنتين وأجزاء من شرق أفريقيا غالباً ظروفاً أكثر رطوبة ومخاطر أعلى للفيضانات.

في أعوام “إل نينيو”، يميل موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي إلى الهدوء، إذ يؤدي اشتداد قص الرياح، وهو تغير مفاجئ في سرعة الرياح أو اتجاهها، إلى إضعاف العواصف الناشئة. ومع ذلك، قد تظل الأعاصير التي تتشكل شديدة التدمير، لكن انخفاض وتيرتها قد يحد من الأضرار التي تلحق بالمجتمعات والبنية التحتية، ويقلص تعطل أصول النفط والغاز في خليج المكسيك.

عادة ما يشهد المحيط الأطلسي نحو 14 عاصفة مسماة بين يونيو ونوفمبر، وتُمنح العواصف أسماء عندما تبلغ سرعة رياحها 39 ميلاً (63 كيلومتراً) في الساعة. وتتوقع الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي أن يتراوح العدد هذه المرة بين 8 و14 عاصفة فقط، ويرجع ذلك جزئياً إلى “إل نينيو”.

في المقابل، يميل نشاط الأعاصير المدارية في المحيط الهادئ إلى الزيادة خلال أعوام “إل نينيو”، إذ توفر المياه الأكثر دفئاً وقوداً أكبر لهذه العواصف الاستوائية، ما يعني أن آسيا قد تواجه مخاطر متزايدة من أضرار الأعاصير.

لماذا تُعد التغيرات الناتجة عن “إل نينيو” مهمة؟

تُعدّ “إل نينيو” واحدة من أكثر الإشارات المناخية متابعة في العالم، إذ تقدم مؤشرات بشأن العواصف ومخاطر الجفاف وغلال المحاصيل والطلب على الطاقة قبل أشهر من حدوثها.

تعتمد شركات المرافق على توقعات “تذبذب إل نينيو الجنوبي” لتقدير الطلب على التدفئة والتبريد. فارتفاع درجات الحرارة يزيد استهلاك الكهرباء لتشغيل أجهزة تكييف الهواء، ما قد يضغط على شبكات الكهرباء ويتسبب في انقطاع التيار. كما يؤدي انخفاض هطول الأمطار إلى تراجع إنتاج السدود الكهرومائية.

يراقب تجار السلع التهديدات المحتملة للمحاصيل وعمليات التعدين وإنتاج النفط والغاز ومسارات الشحن. ويمكن للجفاف أن يخفض منسوب المياه في قناة بنما، التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، ما يبطئ حركة الشحن عبر واحدة من أكثر نقاط الاختناق ازدحاماً في العالم.

وقد تحمل “إل نينيو” آثاراً إيجابية وسلبية معاً، غير أن الخسائر الاقتصادية العالمية فاقت تاريخياً المكاسب الإقليمية. ودرس علماء في كلية دارتموث التداعيات الممتدة 5 سنوات بعد ظواهر “إل نينيو”، وقدروا أن حدث 1997-1998 تسبب في فقدان 5.7 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي عالمياً.

كيف تؤثر “إل نينيو” على الإنتاج الغذائي؟

تستفيد بعض المحاصيل من “إل نينيو”، إذ إن زيادة هطول الأمطار في كاليفورنيا، مثلاً، تعزز إنتاج الأفوكادو واللوز. لكن كثيراً من المحاصيل الأساسية، بما فيها الأرز والقمح وزيت النخيل والقهوة والسكر، تُنتج في مناطق مرشحة لمواجهة ظروف أكثر جفافاً وحرارة.

إضافة إلى تأثيرها في اليابسة، يمكن لظاهرة “إل نينيو” أن تُربك مصايد الأسماك في المحيطات، إذ تحدّ المياه الدافئة المتدفقة شرقاً من صعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات إلى سطح البحر، ما يقلل العوالق النباتية التي تتغذى عليها الأسماك. وقد تبحث بعض الأنواع، مثل الأنشوجة قبالة ساحل بيرو، عن مياه أبرد وأعمق، ما يصعب صيدها، بينما قد تتحرك أنواع استوائية إلى مناطق تكون عادة شديدة البرودة عليها.

ويمكن أن يهدد تراجع المحاصيل، وانخفاض كميات الصيد، ونفوق الماشية بسبب الظروف الجوية القاسية، الأمن الغذائي العالمي ويدفع الأسعار إلى الارتفاع.

هل يؤثر تغير المناخ على ظاهرة “إل نينيو”؟

لا يزال العلماء يناقشون كيفية تأثير تغير المناخ في تواتر “إل نينيو” وشدتها. فقد توقعت نماذج سابقة أن تصبح هذه الظاهرة الطبيعية أكثر شيوعاً مع ارتفاع حرارة الكوكب. ومع ذلك، هيمنت ظروف “لا نينيا” على جزء كبير من القرن الحادي والعشرين، ما يكشف حجم ما لا يزال العلماء يجهلونه بشأن دورة “تذبذب إل نينيو الجنوبي”.

تثار أيضاً مخاوف من المبالغة في تقدير ظواهر “إل نينيو” والتقليل من تقدير “لا نينيا” مع ارتفاع حرارة المحيطات، نظراً إلى أنهما تُحددان عادة عبر قياس الدفء غير المعتاد مقارنة بالعقود السابقة.

ويتزايد الإجماع على أن عالماً أكثر حرارة قد يفاقم كثيراً من تأثيرات “إل نينيو”. فارتفاع درجات الحرارة قد يزيد حدة الجفاف في المناطق الجافة بالفعل، بينما يحمل الهواء الأكثر دفئاً رطوبة أكبر، ما قد يجعل الهطول أشد غزارة خلال العواصف.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *