في الموانئ المصرية، لا تقتصر تكلفة استيراد البضائع على ثمن الشحنة ورسوم النقل والجمارك، إذ يتحول كل يوم إضافي تقضيه الحاويات في انتظار الإفراج إلى أعباء مالية جديدة يتحملها المستوردون والمصانع، وتنتقل إلى أسعار المنتجات.
وتستعد مصر لاتخاذ خطوة جديدة في مسار التحول الإلكتروني للمعاملات الجمركية، مع اقتراب تطبيق متطلبات التوقيع والختم الإلكترونيين على بعض الإجراءات عبر منصة “نافذة”، اعتبارًا من الخميس 29 تشرين الأول 2026.
وتأتي الخطوة بينما تسعى الحكومة إلى تقليص متوسط زمن الإفراج الجمركي إلى يومين عمل، بعدما انخفض من نحو 16 يومًا في حزيران 2024 إلى 5.8 يوم، وفق أحدث المستويات التي عرضتها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وتعني هذه الأرقام أن مصر نجحت، بحسب البيانات الحكومية، في تقليص زمن الإفراج بنسبة تقارب 63.8%، لكن الوصول إلى المستهدف الجديد يتطلب اختصار نحو 3.8 يوم إضافية من دورة الإفراج الحالية.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للشركات والمستهلكين: هل يؤدي التخلص التدريجي من المستندات الورقية وتسريع الإجراءات إلى خفض فعلي في تكلفة الاستيراد والتصنيع، أم تستمر أعباء التخزين والشحن والتأخير عند مستويات مرتفعة؟
ما الذي سيتغير في الجمارك المصرية؟
كشفت مصادر حكومية أن مصلحة الجمارك المصرية تستعد لوقف قبول المستندات الورقية اعتبارًا من 29 تشرين الأول، استنادًا إلى قرار قالت إنها اطلعت عليه، بعد دراسة استمرت نحو عام وموافقة مجلس الوزراء.
وبحسب التقرير، تتضمن الخطوة اشتراط وجود ختم إلكتروني مرتبط بالرقم الضريبي للشركة، وتوقيع إلكتروني صادر عن المستخدم الرئيسي المفوض بالتعامل عبر منصة “نافذة”، البوابة القومية الموحدة للتجارة الخارجية.
وفي الوقت نفسه، أكد تنبيه صادر عن منصة “نافذة”، نقلته وسائل إعلام محلية، أن التوقيع والختم الإلكترونيين سيصبحان إلزاميين عند إنشاء تفويض جديد من صاحب الشأن، وكذلك عند اعتماد التفويض والموافقة عليه من مكتب التخليص الجمركي.
ودعت المنصة الشركات ومكاتب التخليص إلى التأكد من جاهزية أدوات التوقيع والختم الإلكترونيين قبل بدء التطبيق، لتجنب تعطيل الإجراءات أو تأخير الإفراج عن الشحنات.
غير أن نطاق وقف التعامل بالمستندات الورقية بصورة شاملة لا يزال يحتاج إلى توضيح رسمي تفصيلي، إذ لم يُنشر حتى الآن نص القرار الذي يحدد المستندات المشمولة والاستثناءات وآليات التعامل مع الحالات التي تتطلب تقديم أصول ورقية.
وتستهدف الإجراءات الجديدة الحد من تكرار تقديم المستندات، وتقليص الاعتماد على المعاملات اليدوية، وتحسين تبادل البيانات بين الجمارك والجهات الرقابية والمستوردين والمخلصين الجمركيين.
5.8 يوم للإفراج الجمركي.. كيف تغيرت الأرقام؟
تكشف البيانات الحكومية حجم التحسن الذي شهدته دورة الإفراج الجمركي خلال العامين الماضيين.
فقد أعلن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد، خلال مشاركته في منتدى الأعمال المصري الفرنسي بباريس في أيلول 2026، انخفاض متوسط زمن الإفراج من 16 يومًا إلى نحو 5.8 يوم حتى حزيران 2026.
وكانت الحكومة قد أعلنت الوصول إلى مستوى 5.8 أيام خلال حزيران 2025، واستمرت في الاستشهاد بهذا المستوى خلال العام الجاري، مع العمل على تحقيق انخفاض إضافي.
ويعني الانتقال من 16 يومًا إلى 5.8 يوم اختصار نحو 10.2 يوم من فترة انتظار الشحنات في دورة الإفراج، بانخفاض حسابي يبلغ 63.75%.
ولا تتعلق أهمية هذا الانخفاض بالوقت وحده، إذ يرتبط طول مدة الإفراج بزيادة أعباء التخزين ورسوم أرضيات الموانئ وغرامات التأخير، فضلًا عن تكلفة الأموال المجمدة في البضائع حتى وصولها إلى المستورد أو المصنع.
وتستهدف الحكومة تقليص متوسط زمن الإفراج إلى يومي عمل، ثم الوصول تدريجيًا إلى ساعات محدودة، عبر تبسيط الإجراءات والتوسع في الإفراج المسبق والربط الإلكتروني وإدارة المخاطر.
لكن تحقيق هذا المستهدف يتوقف على سرعة تنفيذ الإجراءات لدى جميع الجهات المشاركة في الإفراج، وليس مصلحة الجمارك وحدها.
ما تقديرات حكومية للوفورات؟
لا يمثل خفض زمن الإفراج الجمركي مجرد إجراء إداري، بل يرتبط بتكاليف اقتصادية كبيرة تتحملها الشركات نتيجة انتظار البضائع في الموانئ.
وخلال اجتماع حكومي في تشرين الثاني 2025، أعلن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية السابق حسن الخطيب أن تقليص متوسط زمن الإفراج إلى 5.8 أيام أسهم، وفق التقديرات الحكومية، في توفير نحو 1.5 مليار دولار، بما يعادل نحو 82.5 مليار جنيه عند احتساب سعر صرف افتراضي قدره 55 جنيهًا للدولار.
وأوضح الوزير حينها أن الوصول إلى يومي عمل يمكن أن يرفع الوفورات المقدرة إلى نحو 2.1 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 115.5 مليار جنيه بالسعر الافتراضي نفسه.
وكان الخطيب قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن تكلفة التأخير المرتبطة بتوقف العمل في المنافذ الجمركية قد تصل إلى نحو 150 مليون دولار في اليوم الواحد.
وتعكس هذه الأرقام حجم الأعباء الاقتصادية المحتملة لتعطل حركة التجارة، لكنها تظل تقديرات حكومية مرتبطة بمنهجية احتساب تكلفة التأخير والوفورات، ولا تعني أن كل يوم يجري اختصاره من مدة الإفراج يوفر المبلغ نفسه بصورة تلقائية.
ويحتاج تحديد الوفورات الفعلية لكل شركة إلى معرفة تكلفة تخزين الحاوية، ورسوم التأخير، وأعباء التمويل، وحجم المخزون، وطبيعة السلعة المستوردة.
كيف تخفض الإجراءات الجديدة تكلفة الاستيراد؟
تبدأ الوفورات المحتملة من تقليص المدة التي تقضيها البضائع داخل الموانئ، وما يرتبط بها من مصروفات تخزين ومناولة وتأخير.
فعندما تصل حاوية محملة بمواد خام إلى أحد الموانئ المصرية، يتحمل المستورد تكلفة النقل البحري والخدمات المينائية والتخليص الجمركي، وقد يواجه رسومًا إضافية إذا تجاوزت الشحنة فترات السماح المقررة.
وتختلف هذه الرسوم بحسب الميناء وشركة الشحن ونوع الحاوية والعقود المنظمة للعملية، كما قد ترتفع مع زيادة مدة الانتظار.
ومن هنا، فإن تقليص زمن الإفراج من 5.8 يوم إلى يومين يختصر متوسط فترة الانتظار بنحو 3.8 يوم، وهو ما يمكن أن يقلل بعض الأعباء المرتبطة بالمدة بالنسبة للشحنات التي كانت تتحمل تلك الرسوم.
لكن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة تراجع تكلفة الاستيراد بالنسبة نفسها؛ لأن تكلفة الشحنة تشمل عناصر أخرى لا تتغير مباشرة مع تقليص زمن الإفراج، مثل ثمن البضاعة والنقل البحري والتأمين والرسوم الجمركية والضرائب.
كما أن جزءًا من رسوم التأخير لا يبدأ احتسابه إلا بعد انتهاء فترات السماح، ما يجعل قيمة الوفر تختلف من شحنة إلى أخرى.
هل تدعم الخطوة المصانع وتخفض التكاليف؟
وقال عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، الدكتور كمال الدسوقي، أن تسريع الإفراج الجمركي يمثل أحد المطالب الأساسية للقطاع الصناعي.
وأوضح الدسوقي، لـ”العين الإخبارية” أن تقليص مدة بقاء البضائع في الموانئ يساعد على خفض مصروفات الأرضيات وغرامات التأخير، ويخفف الأعباء المالية التي يتحملها المنتجون والمستوردون.
وأشار إلى أن سرعة وصول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج إلى المصانع تساهم في انتظام خطوط التشغيل، وتقليل الحاجة إلى الاحتفاظ بمخزونات كبيرة تحسبًا لتأخر الشحنات.
ويرى الدسوقي أن خفض هذه التكاليف يمكن أن ينعكس على أسعار المنتجات النهائية، من خلال تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الأعباء التي تدخل في حساب تكلفة السلعة.
وتتوقف درجة انتقال هذه الوفورات إلى المستهلك على عدة عوامل، بينها حجم المنافسة في السوق، وتكاليف الإنتاج الأخرى، وأسعار الطاقة، وسعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية.
هل يمكن الحصول على قرار جمركي مسبق؟
بالتوازي مع التوسع في التحول الإلكتروني، كشفت مصادر حكومية عن تفاصيل خدمة اختيارية تتيح للمستوردين الحصول على حكم جمركي مسبق قبل وصول الشحنات.
وبحسب مصدر في مصلحة الجمارك نقلت عنه النشرة، تبلغ رسوم الخدمة 5 آلاف جنيه، بما يعادل نحو 91 دولارًا وفق سعر صرف تقريبي قدره 55 جنيهًا للدولار.
وتتيح الخدمة للمستورد الحصول على قرار مكتوب بشأن تصنيف السلعة وفق التعريفة الجمركية، والمعاملة المقررة لها، وقواعد المنشأ التي تنطبق عليها.
وأوضح المصدر أن إصدار القرار قد يستغرق مدة تصل إلى 60 يومًا، على أن يكون ملزمًا للمنافذ الجمركية خلال فترة صلاحيته، التي تبلغ عامًا بالنسبة للتصنيف الجمركي وثلاثة أعوام لقواعد المنشأ.
وتستند منظومة الأحكام المسبقة إلى قرار وزير المالية رقم 549 لسنة 2025، الذي نظم إجراءات طلب هذه الأحكام، قبل أن تصدر مصلحة الجمارك منشور إجراءات رقم 14 لسنة 2026 بشأن الدليل الاسترشادي لتطبيقها.
وتكتسب هذه الخدمة أهمية للمستوردين الذين يواجهون خلافات بشأن البند الجمركي أو منشأ السلعة، إذ يمكن أن تساعدهم على معرفة المعاملة الجمركية المتوقعة قبل الشحن، بدلًا من انتظار وصول البضاعة وظهور خلافات تؤخر الإفراج.
كما تتيح للشركات تقدير بعض التكاليف بصورة مبكرة، وتحسين التخطيط المالي والتعاقدي.
ماذا قال رئيس الجمارك المصرية؟
في أحدث تحرك رسمي، عقد رئيس مصلحة الجمارك المصرية، أحمد أموي، لقاءين مع ممثلي مجتمع الأعمال والخدمات اللوجستية في الإسكندرية، لمناقشة التحديات التي تواجه الإفراج عن البضائع.
وشملت الاجتماعات أعضاء جمعية رجال أعمال الإسكندرية، برئاسة مدحت القاضي، وشعبة خدمات النقل الدولي واللوجستيات بالغرفة التجارية بالإسكندرية، برئاسة خالد صبري.
وأوضح أموي أن المصلحة تواصل التوسع في التحول الرقمي، وربط الجهات الرقابية عبر منصة “نافذة”، وتطبيق منظومة إدارة المخاطر الشاملة، إلى جانب تشكيل لجان مشتركة للفحص داخل الموانئ والساحات الجمركية.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات ساعدت بالفعل على خفض زمن الإفراج في بعض الحالات إلى يومين، وتقليل غرامات التأخير.
وأكد مدحت القاضي أهمية استمرار التواصل بين مصلحة الجمارك ومجتمع الأعمال للتعرف على التحديات التي تواجه الشركات والمصدرين والعمل على معالجتها.
كما شدد خالد صبري على ضرورة تطوير الإجراءات وتوحيدها، بما يساعد على تقليص الوقت والتكلفة وتحسين كفاءة الموانئ المصرية وقدرتها التنافسية.
وتوضح هذه التصريحات أن الوصول إلى الإفراج خلال يومين تحقق في بعض الحالات، لكنه لا يمثل حتى الآن متوسطًا عامًا لجميع الشحنات والمنافذ.
هل تنخفض أسعار السلع في مصر؟
تراهن الحكومة على أن ينعكس تقليص زمن الإفراج الجمركي على تكلفة التجارة الخارجية، بما يدعم تنافسية الصناعة ويخفف الأعباء على الشركات والمستهلكين.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساعد انخفاض تكاليف التخزين والتأخير في تقليل تكلفة مدخلات الإنتاج والسلع المستوردة، خصوصًا بالنسبة للقطاعات التي تعتمد على شحنات منتظمة من الخارج.
وقد تستفيد المصانع أيضًا من سرعة وصول المواد الخام، بما يقلل احتمالات تعطل خطوط الإنتاج نتيجة تأخر الشحنات.
لكن انعكاس هذه الوفورات على أسعار البيع ليس تلقائيًا، إذ يظل مرتبطًا بحجم التخفيض الفعلي في تكلفة الوحدة المنتجة، إلى جانب عوامل أخرى، بينها أسعار الصرف والطاقة والنقل ومستويات المنافسة.






