أطلقت أسواق السندات العالمية إشارات مقلقة بشأن موجة تضخم جديدة قد تضرب الاقتصاد الأميركي، ما ينذر بتداعيات أوسع على تكلفة الاقتراض ومعيشة المستهلكين، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
حذر خبراء من أن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة قد تضرب الاقتصاد الأميركي من زاويتين في آن واحد، مع استمرار الحرب في إيران وبقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما انعكس سريعاً على تحركات أسواق السندات.
وخلال الأيام الأخيرة، أقبل المستثمرون على بيع السندات الحكومية طويلة الأجل في الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات المتقدمة، مدفوعين بمخاوف من تسارع التضخم، ما أدى إلى ارتفاع العوائد، وعلى رأسها عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات الذي صعد بنحو 24 نقطة أساس خلال أسبوع واحد ليقترب من 4.6%.
يحمل هذا المؤشر تحديداً أهمية كبيرة، إذ يؤثر مباشرة على تكلفة الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، ما يعني أن أي ارتفاع فيه يترجم سريعاً إلى ضغوط مالية على الأفراد، علماً بأن تحديده يتم عبر السوق وليس بقرار مباشر من الاحتياطي الفيدرالي.
يرى نائب رئيس شركة “PGIM” وكبير اقتصادييها، داليب سينغ، أن ما يحدث يعكس تداخلاً معقداً بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة والديون العالمية. وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة “صدمة عرض مستمرة”، بدأت مع جائحة كورونا مروراً بالحرب في أوكرانيا وتقييد التجارة والهجرة، وصولاً إلى التصعيد الأخير مع إيران، ما يرسخ بيئة تضخم مرتفعة بشكل هيكلي، وفقاً لما ذكره لشبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ورغم تعيين كيفن وورش، المعروف بتوجهاته المحافظة، على رأس الاحتياطي الفيدرالي، فإن سينغ يستبعد في الوقت الحالي أي خفض للفائدة، معتبراً أن أولوية البنك المركزي يجب أن تظل الحفاظ على مصداقيته واستقلاليته في ظل الضغوط السياسية المتزايدة.
وفي تقييمه لأسواق السندات، ربط سينغ بين ارتفاع العوائد واستمرار العجز المالي الحكومي، إلى جانب تردد البنوك المركزية في تشديد السياسة النقدية بشكل كاف. وأضاف أن هذه العوامل تدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى لتعويض المخاطر، سواء المرتبطة بالتضخم أو الأوضاع المالية.
وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يدفع عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز مستوى 5%، وهو سيناريو يصفه بأنه محتمل على المدى القريب، في ظل ما يعرف بظاهرة “حراس السندات” الذين يعاقبون السياسات المالية التوسعية عبر البيع المكثف.
لكن في المقابل، يرجح سينغ أن تتدخل الحكومة الأميركية في حال سجلت العوائد ارتفاعات حادة ومستدامة، عبر أدوات مثل تقليص آجال استحقاق الدين أو إعادة شراء السندات أو حتى التنسيق مع الاحتياطي الفيدرالي للتدخل في السوق، وهي خطوات تندرج ضمن ما يعرف ب”القمع المالي”، أي إبقاء الفوائد منخفضة بشكل مصطنع لتخفيف عبء الدين.
على صعيد الطاقة، يؤكد سينغ أن التوترات مع إيران وصلت إلى مرحلة جمود استراتيجي، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على حسم الصراع عسكرياً دون تكلفة باهظة. فالتصعيد البري بالنسبة للولايات المتحدة يحمل مخاطر بشرية واقتصادية كبيرة، بينما تدرك إيران أن المبالغة في التصعيد قد تستدعي تدخلاً أميركياً أوسع.
ويرى أن أي اتفاق محتمل لإنهاء الأزمة سيتطلب وساطة طرف ثالث موثوق، مرجحاً أن تلعب الصين دوراً في هذا الإطار، في ظل انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن التوصل إلى تسوية قد يستغرق شهراً أو شهرين.
غير أن هذا الإطار الزمني يحمل كلفة اقتصادية مرتفعة، في ظل محدودية قدرة الإمدادات العالمية على تعويض النقص، إذ يشير إلى أن الزيادة المحتملة في الإنتاج الأميركي لن تتجاوز 250 ألف برميل يومياً، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم التعطل في الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وبناءً على ذلك، يتوقع استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط، مع بقاء خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل خلال الفترة المقبلة.
أما بالنسبة لقدرة إيران على تحمل الضغوط الاقتصادية، فيرى سينغ أن الأنظمة غير الديمقراطية تمتلك قدرة أكبر على الصمود مقارنة بالتوقعات الغربية، إذ تلجأ إلى آليات بديلة مثل المقايضة والعملات غير التقليدية والعملات الرقمية لتجاوز القيود.
وخلص إلى أن سياسة الضغط الاقتصادي وحدها قد لا تكون كافية لإجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة، ما يترك أسواق الطاقة والمال رهينة لمعادلة جيوسياسية معقدة، تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي بأسره.


