أعلنت السعودية وفرنسا عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في عدد من القطاعات خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، فيما توزعت التفاهمات والإعلانات الاقتصادية المصاحبة للزيارة على قطاعات الطاقة والتمويل والصناعة والذكاء الاصطناعي والنقل والترفيه.
وأظهرت تفاصيل الاتفاقيات والتفاهمات المعلنة تركيزاً لافتاً على التمويل، من خلال خطوط ائتمانية وحلول لتمويل مشروعات الكهرباء وشراء الطائرات، إلى جانب عقود في الطاقة واتفاقيات في التكنولوجيا والترفيه.
وجرى الإعلان عن الاتفاقيات ضمن أعمال “الطاولة المستديرة الفرنسي-السعودي للاستثمار” التي عُقدت في باريس بمشاركة مسؤولين حكوميين ورؤساء تنفيذيين وقادة أعمال من البلدين، بالتزامن مع زيارة ولي العهد.
خط ائتماني بـ5 مليارات دولار
من أبرز التفاهمات التمويلية، توقيع وزارة المالية السعودية بياناً مشتركاً مع “بي بي آي فرانس لضمان الصادرات” لاستكمال الترتيبات التشغيلية لإنشاء خط ائتماني بقيمة أولية تصل إلى 5 مليارات دولار.
وسيُستخدم الخط في تمويل وإعادة تمويل العقود القائمة والمستقبلية التي تنفذها الشركات الفرنسية في السعودية، مع تركيز على قطاعات البنية التحتية والتنمية العمرانية والنقل والرعاية الصحية.
ويأتي الاتفاق ضمن “خارطة الطريق للعقد المقبل” التي وقعتها السعودية وفرنسا في ديسمبر 2024، في إطار الربط بين مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وخطة “فرنسا 2030”.
وفي مسار تمويلي آخر، وقّع صندوق التنمية الوطني مذكرة تفاهم مع بنك الاستثمار الوطني الفرنسي “بي بي آي فرانس”، تستهدف بحث فرص التمويل والاستثمار المشترك وتبادل الخبرات في التمويل التنموي وتطوير القدرات المؤسسية والبشرية.
وتستهدف المذكرة تحويل مجالات التعاون إلى مشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ، إلى جانب فتح فرص أمام الشركات السعودية والفرنسية ودعم مشاركة القطاع الخاص في القطاعات ذات الأولوية.
تمويل يصل إلى 3 مليارات دولار لمشروعات الكهرباء
في قطاع الكهرباء، وقعت “السعودية للطاقة” اتفاقية تعاون مع “بي بي آي فرانس” لتمويل مشروعات تطوير الشبكة الكهربائية وتوسعتها وتوفير حلول تمويلية للمشتريات والمشروعات التي تنفذها الشركة.
وتستند الاتفاقية إلى مذكرة تفاهم وقعها الطرفان في نوفمبر 2025 وضعت إطاراً لتسهيل مالي بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار، لدعم برنامج مشتريات الشركة ومشروعات البنية التحتية الكهربائية، بما في ذلك المعدات المرتبطة باستقرار الشبكة ومشروعات ذات صلة بشركة “جي إي فيرنوفا” (GE Vernova).
وتتضمن آلية التعاون ترتيب التمويل بمشاركة “بي إن بي باريبا” (BNP Paribas) و”إتش إس بي سي” (HSBC) بصفتهما منسقين للعملية، مع العمل على توسيع قاعدة المقرضين الدوليين.
تمويل طائرات جديدة لـ”السعودية”
كما أبرم بنك التصدير والاستيراد السعودي مذكرة تفاهم ثلاثية مع مجموعة “السعودية” ومصرف “كريدي أغريكول” (Crédit Agricole CIB)، لترتيب حلول تمويلية لاستحواذ المجموعة على طائرات جديدة من “إيرباص”.
وبموجب التفاهم، يوفر بنك التصدير والاستيراد السعودي تغطية تأمينية لمخاطر الائتمان المرتبطة بالصفقة، بما يجمع بين التمويل المصرفي الدولي وأدوات ائتمان الصادرات السعودية.
“أرامكو” واتفاقيات بـ3.7 مليارات دولار
في الطاقة والصناعة، وقعت “أرامكو السعودية” اتفاقيات شراء مع شركتي “SLB” و”Vallourec” الفرنسيتين لتوريد مواد حفر آبار النفط والغاز والأنابيب الفولاذية المستخدمة في الحقول، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 3.7 مليارات دولار.
كما وقعت “أرامكو الرقمية” مذكرة تفاهم مع “داسو سيستيمز” (Dassault Systèmes) للتعاون في الذكاء الاصطناعي وتقنيات التوأم الافتراضي الرقمي، بما يشمل دراسة تطبيقات محتملة لهذه التقنيات في قطاع النفط والغاز.
1.6 مليار ريال لتطوير محطة حاويات جديدة
وقّعت شركة “محطة بوابة البحر الأحمر” (RSGT) ومجموعة “CMA CGM” الفرنسية اتفاقية لتطوير وتشغيل المحطة الرابعة في ميناء جدة الإسلامي باستثمارات تبلغ نحو 1.6 مليار ريال، بحسب الهيئة العامة للموانئ “موانئ”، وفق تقرير لوكالة الأنباء السعودية. ويستهدف المشروع إنشاء محطة متخصصة لمناولة الحاويات بطاقة استيعابية تصل إلى 2.6 مليون حاوية قياسية سنوياً، ضمن مساعي المملكة لرفع قدرات الموانئ وتعزيز ارتباطها بشبكات التجارة العالمية.
ويتضمن المشروع تطوير أرصفة للمياه العميقة قادرة على استقبال سفن الحاويات العملاقة من الأجيال الحديثة، وتزويد المحطة بتقنيات تشغيل متقدمة و10 رافعات ساحلية جديدة، بما يرفع كفاءة المناولة والطاقة التشغيلية للميناء. وستُقام المحطة بمحاذاة مجمع محطات بوابة البحر الأحمر الحالي، ضمن مشروع مشترك بين “RSGT” و”CMA CGM”، بما يدعم قدرة ميناء جدة على استقطاب مزيد من الخطوط الملاحية والتعامل مع نمو حركة التجارة عبر البحر الأحمر.
7 مليارات لتطوير 3 مدن ترفيهية
وقّعت السعودية وفرنسا مذكرة تفاهم لاستثمار 6 مليارات يورو (7 مليارات دولار) لتطوير 3 مدن ترفيهية قرب باريس، بقيادة شركة القدية للاستثمار، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي.
ومن المقرر تطوير المدن الترفيهية قرب سيرجي-بونتواز، على بعد نحو 30 كيلومترًا شمال غرب باريس، فيما يُتوقع أن يوفر المشروع نحو 22 ألف وظيفة مباشرة، وفقًا لقصر الإليزيه.
مشروع ترفيهي بطابع ياباني
وتشمل الخطة تطوير مدينة ترفيهية مستوحاة من عالم سلسلة المانغا والرسوم المتحركة اليابانية الشهيرة “دراجون بول زد” Dragon Ball Z، بينما لم تُكشف بعد عوالم المدينتين الأخريين.
وقال مستشارون للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن فكرة المشروع تعود إلى لقاء جمع ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض في ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث اكتشف الجانبان اهتمامًا مشتركًا بالمانغا، وبخاصة “دراجون بول زد”.
ومن المقرر تنفيذ المشروع على مراحل، على أن يستغرق البناء عدة سنوات، دون تحديد موعد لافتتاح المدن الترفيهية.
وبموجب مذكرة التفاهم، ستستكشف شركة القدية للاستثمار تطوير وجهة جديدة متعددة الاستخدامات تركز على الترفيه في فرنسا، ضمن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وُقعت خلال زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإعلان بأنه “غير مسبوق”، وقال إن المشروع سيشكل “وجهة عالمية جديدة”، مضيفًا أن فرنسا لم تشهد مشروعًا بهذا الحجم منذ إنشاء ديزني لاند باريس.
ويأتي الاتفاق ضمن مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي أُعلنت خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، والتي اختُتمت أمس، في إطار مساعي الرياض وباريس لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
استثمارات فرنسية تتضاعف
تأتي الاتفاقيات في وقت يتسع الحضور الاستثماري الفرنسي في المملكة. وقال وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف إن رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر بلغ 16.3 مليار يورو في 2024، أي أكثر من ضعف مستواه خلال خمس سنوات، لتصبح فرنسا رابع أكبر مصدر للاستثمار المباشر في السعودية.
ويملك المستثمرون الفرنسيون أكثر من 650 ترخيصاً استثمارياً موزعة على 18 قطاعاً، فيما استقطب برنامج المقرات الإقليمية 39 شركة فرنسية تعمل في ثمانية قطاعات.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 12 مليار دولار في 2025، مرتفعاً بنحو 43.8% مقارنة بعام 2021، فيما بلغ إجمالي التجارة بينهما خلال الفترة من 2021 إلى 2025 نحو 53.7 مليار دولار، شكلت الصادرات السعودية 53.4% منه.
وقال آل سيف إن الفرص أمام الشركات الفرنسية تتركز في قطاعات الطاقة والخدمات المالية والبنية التحتية الرقمية والتصنيع المتقدم والنقل والخدمات اللوجستية والألعاب والسياحة.
وفي المقابل، قال وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان لوسكور إن الحضور الفرنسي في السعودية لم يعد يقتصر على بيع المنتجات والخدمات، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو الإنتاج المشترك والاستثمار طويل الأجل.
تعاون دفاعي
امتداداً للتعاون الدفاعي بين البلدين، اعتمدت السعودية وفرنسا إعلاناً لتعزيز التعاون الدفاعي، بما في ذلك في مجالي التسليح والتدريب، مع تأكيدهما تعزيز التنسيق المشترك بما يخدم مصالحهما ويسهم في دعم الأمن والاستقرار الدوليين.
كما شملت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة خلال الزيارة مجالات الدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والترفيه.
تمديد شراكة العلا حتى 2035
قرر البلدان كذلك تمديد الشراكة السعودية-الفرنسية بشأن “العُلا” حتى 2035، في إطار يشمل التعاون في الآثار والتراث والثقافة، ويمتد لشراكة أسهمت بالفعل في دخول شركات فرنسية إلى المشروعات السياحية والثقافية السعودية.
وساعدت الوكالة الفرنسية لتطوير العلا “AFALULA” في إبرام أكثر من 170 عقداً للشركات الفرنسية وحشد نحو 1.6 مليار يورو، وفق البيانات الواردة في ورقة الإحاطة الخاصة بالعلاقات الاستثمارية بين البلدين.
كما رحب الجانبان بمشاركة فرنسا في “إكسبو 2030 الرياض”، واتفقا على أن يكون الحدث محطة بارزة في العلاقات السعودية-الفرنسية، من خلال إشراك الجهات المعنية في البلدين.
وتأتي هذه التفاهمات ضمن توجه البلدين لتوسيع العلاقات الاقتصادية من التجارة والاستثمار التقليدي إلى التمويل والإنتاج المشترك والتكنولوجيا، بالتوازي مع زيادة حضور الشركات والاستثمارات في كلا السوقين.



