عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
ليست مشكلة لبنان اليوم في عدد السيارات على الطرقات فحسب، بل في حجم الوقت الضائع من حياة الناس، وفي الشعور المتنامي بأن كل يوم يمرّ يستهلك المزيد من طاقتهم النفسية والاقتصادية. فالأرقام الصادرة حديثاً عن مؤشري الازدحام المروري وبيئة العمل تكشف صورة مقلقة لبلد يعيش حالة اختناق شاملة، حيث تتداخل أزمة البنى التحتية مع التدهور الاقتصادي وانعدام الثقة بالمستقبل.
فبحسب مؤشر الازدحام المروري لعام 2026 الصادر عن “نامبيو”، حلّت بيروت في المرتبة 280 عالمياً والعاشرة على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسجلة 188.6 نقطة. ورغم التحسن الطفيف مقارنة بعام 2025، فإن هذا التحسن لا يغيّر من واقع أن العاصمة اللبنانية لا تزال من بين المدن الأكثر معاناة من الازدحام في المنطقة.
ويبلغ متوسط وقت التنقل اليومي للمواطن اللبناني نحو 39 دقيقة في اتجاه واحد، أي ما يقارب ساعة وربع الساعة يومياً بين الذهاب والإياب. لكن المشكلة لا تكمن في الزمن وحده، بل في ما يرافقه من استنزاف نفسي وخسائر اقتصادية وتلوث بيئي. فمؤشر الاستياء المرتبط بالتنقل بلغ 1413 نقطة، وهو رقم مرتفع يعكس حجم الضغط الذي يشعر به المواطن أثناء انتقاله اليومي.
أما مؤشر عدم الكفاءة المرورية الذي سجل 219.8 نقطة، فيكشف بوضوح غياب البدائل الحقيقية للنقل العام واعتماد اللبنانيين شبه الكامل على السيارات الخاصة. والنتيجة مزيد من الاختناقات المرورية، ومزيد من استهلاك الوقود، ومزيد من التكاليف التي يتحملها المواطن في بلد تتراجع فيه القدرة الشرائية بشكل مستمر.
وإذا كانت الطرقات تعكس أزمة البنية التحتية، فإن أماكن العمل تعكس أزمة الإنسان اللبناني نفسه.
فالتقرير العالمي لحالة مكان العمل لعام 2026 الصادر عن مؤسسة غالوب يرسم صورة أكثر قتامة. لبنان جاء في المرتبة ما قبل الأخيرة بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث مشاركة الموظفين في أعمالهم، إذ لم تتجاوز نسبة الموظفين المنخرطين فعلياً في وظائفهم 5 في المئة فقط.
هذا الرقم لا يعكس مجرد ضعف إنتاجية، بل يعكس فقداناً للحافز والثقة والقدرة على رؤية مستقبل مهني واضح. فعندما يشعر الموظف أن جهده لا يغير واقعه المعيشي، يصبح العمل مجرد وسيلة للبقاء لا أكثر.
والأخطر أن لبنان احتل المرتبة الأخيرة إقليمياً في مؤشر تقييم الحياة، حيث لم يعتبر سوى 5 في المئة من الموظفين أنهم يعيشون حياة مزدهرة. أما البقية فيتوزعون بين من يكافح يومياً لتأمين متطلبات العيش ومن يشعر بأن مستقبله يتجه نحو مزيد من التراجع.
وتظهر الأرقام أيضاً أن 64 في المئة من العاملين اللبنانيين يعيشون حالة توتر يومي، وهي من أعلى النسب في المنطقة، فيما يعاني 35 في المئة منهم من الغضب اليومي و23 في المئة من الحزن المستمر. وهذه المؤشرات لا تتعلق فقط بالوضع الوظيفي، بل تعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً أوسع يضغط على الأفراد من كل الجهات.
وعند الربط بين التقريرين تتضح الصورة الكاملة: مواطن يقضي وقتاً طويلاً في التنقل داخل مدينة مزدحمة، يصل إلى عمل لا يشعر فيه بالانتماء أو الأمان الوظيفي، ثم يعود إلى منزل يواجه فيه تحديات المعيشة والقلق من المستقبل. إنها حلقة متصلة من الضغوط اليومية التي تفسر إلى حد كبير ارتفاع مستويات التوتر والإحباط في المجتمع اللبناني.
المفارقة أن هذه المؤشرات لا تقيس فقط الواقع الحالي، بل تحمل إنذاراً للمستقبل. فاستمرار ضعف البنية التحتية للنقل، وتراجع جودة بيئة العمل، وتآكل الثقة الاقتصادية، كلها عوامل تدفع الكفاءات إلى الهجرة وتحد من قدرة الاقتصاد على التعافي.
إن أزمة لبنان لم تعد أزمة مالية أو سياسية فقط، بل أصبحت أزمة وقت مهدور وطاقات مهدورة وأحلام مؤجلة. فالبلد الذي يخسر ساعات مواطنيه على الطرقات ويخسر حماستهم داخل أماكن العمل، يواجه تحدياً يتجاوز الأرقام والإحصاءات ليصل إلى جوهر التنمية البشرية نفسها.
وعندما يصبح الوصول إلى العمل معاناة، والعمل نفسه مصدر قلق، والمستقبل موضع شك، فإن المشكلة لا تعود في مؤشرات الازدحام أو نسب الرضا الوظيفي، بل في نموذج حياة كامل بات عاجزاً عن منح اللبنانيين الحد الأدنى من الاستقرار والثقة بالغد.







