أخبار اقتصادية

وول ستريت تدفع 25 ألف دولار يومياً لهذين المهاجرين!

تتدفق مليارات الدولارات من البنوك العالمية نحو الذكاء الاصطناعي، لكن المفارقة أن كثيراً منها لا يزال عاجزاً عن تحويل هذه الاستثمارات إلى أدوات عملية داخل بيئة العمل. في هذا الفراغ تحديداً، برز خبيران شابان، وهما مصرفيان سابقان، يحصلان على ما يصل إلى 25 ألف دولار يومياً، مقابل مهمة واحدة: تعليم وول ستريت كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي بفاعلية.

في إحدى الأمسيات بنيويورك، وقف فيليبي سينستيرا (30 عاماً) وديف وانغ (31 عاماً) أمام موظفي صندوق استثمار مغامر، مقدمين عرضاً عملياً يلخص جوهر المشكلة. استعرض وانغ كيف يمكن لنموذج “جيمني” من “غوغل” تحليل عروض الشركات الناشئة عبر الفيديو، من خلال مقارنة النصوص مع إشارات بصرية مثل لغة الجسد وتعابير الوجه لرصد “إشارات تحذيرية” محتملة، وهي تقنيات مستوحاة من أساليب التحليل السلوكي لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي.

ثم انتقل سينستيرا إلى تطبيقات أكثر صلة بالأسواق، موضحاً كيف يمكن استخدام “ChatGPT” و”Claude” لتحليل مكالمات الأرباح، واستخراج التصريحات الأكثر تأثيراً على السوق، وتحويلها إلى بيانات رقمية تستخدم في بناء توقعات مالية مستقبلية.

أساليب التعليم التي ابتكراها قادت إلى أتمتة جزء كبير من الأعمال التحليلية المرهقة التي كانت تستغرق ساعات طويلة.

تكلف الجلسة التدريبية الواحدة 25 ألف دولار، ورغم ذلك فإن جدول الشريكين ممتلئ لشهرين مقبلين.

قال سينستيرا: “الآن ينظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي كمصدر تفوق تنافسي، لكن قريباً سيصبح ضرورة لا غنى عنها”.

ضغوط التوظيف.. وعمليات تسريح في الخلفية

تأتي هذه الطفرة التدريبية في وقت تعيش فيه البنوك الكبرى حالة قلق من تسارع التحول الرقمي. فبينما تسعى المؤسسات لتوظيف مزيد من المختصين في الذكاء الاصطناعي، بدأت في المقابل تقليص الوظائف التقليدية.

يستعد بنك “ستاندرد تشارترد” لإلغاء آلاف الوظائف الداعمة خلال السنوات الأربع المقبلة، فيما خفضت “سيتي غروب” و”ويلز فارغو” و”بنك أوف أميركا” أكثر من 5 آلاف وظيفة خلال الربع الأول من 2026، رغم تحقيقها موسماً قياسياً من الأرباح.

في الوقت ذاته، لم يعد كبار التنفيذيين ينتظرون التقارير، بل باتوا يجربون أدوات الذكاء الاصطناعي بأنفسهم، ما يفرض ضغوطاً لتعميمها داخل المؤسسات. هنا تحديداً، يبيع سينستيرا ووانغ ما هو أكثر من التدريب: “الثقة والقدرة على التعامل مع هذه التقنيات”.

تأسست شركة الثنائي، “Wall Street Prompt”، في يوليو 2025، وقدمت خدماتها لشركات مثل “تي. رو برايس” و”سيتي غروب” و”بنك أوف أميركا”، وفق ما نقلته “بلومبرغ” عن مصادر مطلعة.

فجوة مهارية تعرقل التحول

لم يكن تبني الذكاء الاصطناعي في البنوك سلساً منذ البداية. ففي 2022، قيدت بنوك عالمية استخدام “ChatGPT” بسبب مخاوف أمنية. لكن المشهد تغير سريعاً، بعد أن أطلق “جي بي مورغان” أداة داخلية يستخدمها معظم موظفيه، كما يعمل “غولدمان ساكس” على تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي، بينما تشير “بنك أوف أميركا” إلى زيادة إنتاجية المطورين بنسبة تصل إلى 25%.

رغم ذلك، لا يزال التحدي الأكبر في “البشر لا التكنولوجيا”، وفق جيك بريدج، المدير في شركة توظيف تكنولوجي بريطانية، مشيراً إلى فجوة واسعة بين من يرفضون التغيير ومن يتبنون الذكاء الاصطناعي بعمق.

وتبرز آسيا وخاصة سنغافورة كأكثر المناطق تقدماً، حيث أصبح إتقان الذكاء الاصطناعي شرطاً أساسياً للعمل، مع اعتماد 64% من المؤسسات المالية عليه في وظائف رئيسية.

قصص فردية.. بين القلق والتكيف

في سنغافورة، أمضى موظف مصرفي يبلغ 55 عاماً لياليه في تعلم الذكاء الاصطناعي بعد فقدان وظيفته، قبل أن ينجح في العودة إلى العمل بوظيفة خلفية. وفي مثال آخر، يروي جاستن تانغ، محلل صناديق تحوط، كيف اختصر ساعات من العمل إلى 90 ثانية فقط بفضل تقنيات تعلمها من سينستيرا ووانغ.

قال تانغ: “كان الأمر أشبه بلحظة إدراك… ما كان يستغرق ساعات أصبح يتم خلال دقيقة ونصف”.

هل تختفي وظائف المحللين؟

يتفق خبراء على أن الوظائف لن تختفي بالكامل، لكن “الهرم الوظيفي” سيعاد تشكيله. فبحسب إيغور سيدورينكو، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات في الذكاء الاصطناعي، سيتمكن المحترفون المهرة باستخدام هذه الأدوات من إنجاز عمل يعادل 10 أو حتى 20 شخصاً، ما يقلص الحاجة إلى المحللين المبتدئين.

من أبناء مهاجرين إلى نجوم وول ستريت

يحمل مؤسسا “Wall Street Prompt” خلفيتين تتقاطعان عند الطموح والتكنولوجيا. انتقل سينستيرا من كولومبيا إلى الولايات المتحدة طفلاً، بينما ولد وانغ في نيويورك لأسرة صينية مهاجرة. كلاهما عمل في مؤسسات مرموقة مثل “سوفت بنك”، حيث طورا “دفاتر تشغيل” خاصة بالذكاء الاصطناعي.

بعد مغادرة “سوفت بنك”، أدرك وانغ أن الوقت الذي قضاه في تطوير استراتيجيات الذكاء الاصطناعي كان الأكثر ربحية في حياته المهنية، فقرر التفرغ له بالكامل. أما سينستيرا، فشارك في استثمارات بأكثر من 1.5 مليار دولار خلال عمله.

وفي صيف 2025، اجتمع الثنائي في سان فرانسيسكو، حيث تحول مشروعهما من فكرة لإنشاء شركة بيانات إلى منصة تدريب، بعد أن أدركا أن السوق لا يحتاج إلى أدوات إضافية، بل إلى معرفة كيفية استخدامها.

سوق مزدحمة.. لكن الطلب يتصاعد

رغم دخول منافسين جدد مثل “Multiverse” و”Rogo Technologies”، لا يزال الطلب قوياً. ويعمل الشريكان حالياً على إطلاق دورات مباشرة عبر الإنترنت للمحترفين، بسعر يصل إلى 1500 دولار للفرد.

قال سينستيرا: “ما يدفع الناس مقابلَه ليس مجرد أوامر أو قوالب… بل التحول نفسه. الجميع يدرك أن التغيير قادم، لكن القليل يعرف الاتجاه الصحيح”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *