لم يعد صندوق النقد الدولي يتعامل مع حرب إيران باعتبارها مجرد صدمة نفطية، بل كاختبار واسع للنظام الاقتصادي العالمي ولمؤسساته أيضا، كما يظهر البيان الختامي لاجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، برئاسة وزير المالية السعودي محمد الجدعان.
وصف الأعضاء الحرب بأنها “صدمة عالمية كبرى” سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وحدتها واتساعها الجغرافي، لكن اللجنة أكدت أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل القائمة بالفعل تجعلها تهديدا جديا للاقتصاد العالمي، حتى مع الجهود المبذولة للحفاظ على تدفقات الطاقة عبر إعادة توجيه مسارات النقل.
وشدد البيان على أن أثر الصدمة غير متكافئ بين الدول، وأن الفقراء والفئات الأكثر هشاشة هم الأكثر تضررا.
بهذه الصياغة، يضع الصندوق الحرب في قلب جدول أعماله لا على هامشه، فالمشكلة، من وجهة نظره، لا تقتصر على ارتفاع أسعار النفط، بل تمتد إلى احتمال بقاء الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة، وتعطل إمدادات مدخلات إنتاج أساسية، وتفاقم المخاطر على أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، والحسابات الخارجية.
وفي كلمتها التمهيدية لاجتماعات الربيع، وصفت المديرة العامة كريستالينا غورغييفا ما حدث بأنه “صدمة عرض كبيرة وعالمية وغير متماثلة”، وقالت إن الدول القادرة على تصدير النفط والغاز من دون اضطراب ستكون الأقل تأثرا، بينما تتحمل الدول التي تعطلت صادراتها أو تعتمد على واردات الطاقة العبء الأكبر.
كما لفتت إلى أن برنت قفز من 72 دولارا للبرميل عشية الأعمال القتالية إلى ذروة بلغت 120 دولارا، قبل أن يتراجع لاحقا مع بقائه أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
من الاحتواء إلى التكيّف
الرد الذي يقترحه الصندوق ليس حزمة واحدة للجميع، بل مزيج من السياسات “الآنية والقابلة للتكيف والمرتكزة إلى أطر موثوقة”، ويشدد البيان الختامي على أن الأولوية الآن هي تعزيز الاستقرارين الاقتصادي الكلي والمالي مع الحفاظ على نمو قوي وواسع القاعدة، ولهذا أكد الأعضاء تمسك البنوك المركزية باستقرار الأسعار، واعتبروا أن استقلاليتها والتواصل الواضح من جانبها ضروريان لتثبيت توقعات التضخم.
في المقابل، دعا البيان إلى سياسة مالية منضبطة ومسنودة بأطر متوسطة الأجل موثوقة تضمن استدامة الدين، مع السماح، عندما يتوفر الحيز المالي، بإجراءات مؤقتة وموجهة لحماية الفئات الأكثر ضعفا من أثر الصدمة الجديدة.
لكن الرسالة الأبرز في اجتماعات الربيع كانت أن العالم لم يعد يملك رفاهية الاستجابة التقليدية وحدها، فالبيان دعا أيضا إلى مواصلة مراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك المخاطر النظامية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، بالتوازي مع الاستفادة من مزايا الابتكار المالي والتكنولوجي.
كما ربط بين مواجهة الصدمة الحالية وبين تسريع الإصلاحات الهيكلية التي تسمح باستثمارات يقودها القطاع الخاص، وترفع الإنتاجية، وتعزز أمن الطاقة، وتحسن آفاق النمو في الأجل المتوسط.
هنا يظهر بوضوح أن الصندوق لا يرى الحرب حدثا معزولا، بل صدمة تأتي في عالم يمر أصلا بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا والديموغرافيا والمخاطر المناخية.
فاتورة على الأضعف
في قلب هذه المقاربة يقف ملف الدول منخفضة الدخل والهشة، وهو ملف منحه البيان مساحة كبيرة، فقد جدد الأعضاء التزامهم بدعم البلدان التي تواجه ضغوطا متزايدة في التمويل والديون، عبر سياسات اقتصادية كلية سليمة، وتعبئة أفضل للموارد المحلية، وتحسين الحوكمة.
كما شددوا على ضرورة تحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك تحت “الإطار المشترك”، والبناء على التقدم المحرز في “المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية”، بما يضمن أن تتم إعادة الهيكلة بصورة أكثر قابلية للتنبؤ وفي الوقت المناسب وبشكل منظم ومنسق. كما دعا البيان إلى شفافية أكبر في الديون من جميع الأطراف، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.
ذهبت غورغييفا أبعد من ذلك في تقدير الكلفة المحتملة للحرب على التمويل الخارجي، إذ قالت إن الطلب القريب الأجل على دعم ميزان المدفوعات من صندوق النقد قد يرتفع إلى ما بين 20 مليار دولار و50 مليار دولار، على أن يكون الحد الأدنى لهذا النطاق هو المرجح إذا صمد وقف إطلاق النار.
وأضافت أن الصندوق “ممول جيدا” للتعامل مع هذه الصدمة، وأن هذا الطلب كان سيكون أعلى لولا التحسن الذي حققته كثير من اقتصادات الأسواق الناشئة في إدارة سياساتها خلال العقود الماضية.
الدرعية في المشهد
بينما كان الصندوق يناقش إدارة الصدمة، كان يناقش أيضا شكل المؤسسة نفسها، فقد أقر الاجتماع ما يعرف بـ”المبادئ الدرعية التوجيهية” لإصلاحات الحصص والحوكمة، واعتبرها “إنجازا جماعيا مهما” ومحطة رئيسية في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.
المبادئ تعيد التأكيد على أن الصندوق يجب أن يبقى مؤسسة قوية قائمة على الحصص وممولة بما يكفي وفي قلب شبكة الأمان المالي العالمية، لكنها تدفع أيضا نحو إصلاحات تدريجية وشفافة وشاملة تعزز شرعيته وتمثيله وفعاليته، مع حماية حصة الدول الأفقر في أي تعديلات مقبلة على توزيع الحصص. بهذا المعنى، لم تفرض حرب الشرق الأوسط على الصندوق فقط إعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية، بل سرعت أيضا نقاشا مؤسسيا أوسع حول من يملك الصوت والتمثيل والنفوذ داخل المؤسسة في المرحلة المقبلة.
في المجمل، تكشف اجتماعات الربيع أن صندوق النقد الدولي لم يخرج فقط برسالة تحذير من الحرب، بل بخارطة عمل أوسع: احتواء صدمة الطاقة والتضخم، حماية الدول الأضعف، تحسين إدارة الديون، وتعزيز شرعية المؤسسة نفسها. وهذا ما يجعل حرب الشرق الأوسط، في نظر الصندوق، أكثر من أزمة إقليمية. إنها لحظة تعيد اختبار قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، وقدرة صندوق النقد نفسه على التكيف.



