أخبار اقتصادية

لبنان بين “الهدوء الهش” والانكماش الاقتصادي: بلد معلّق على حافة الاستقرار

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت


يعيش لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها التطورات الأمنية مع الانهيار الاقتصادي، في مشهد لا يبدو فيه أن البلاد تتجه نحو حرب شاملة، ولا نحو سلام مستقر. بل أقرب إلى حالة طويلة من “الهدوء الهش” الذي يمنع الانفجار الكبير لكنه لا يفتح باب التعافي.

في الجنوب، يستمر التوتر الأمني بوتيرة متقطعة، مع غارات واستهدافات محدودة تطال مناطق متفرقة تحت ذريعة منع التمركز العسكري. هذا النمط من العمليات لا يندرج ضمن حرب مفتوحة، لكنه يكفي لإبقاء المنطقة في حالة قلق دائم، ويمنع أي عودة طبيعية ومستقرة للسكان. وفي المقابل، يظل الخط الأزرق ساحة احتكاك يومي غير معلن، ما يعكس أن قواعد الاشتباك ما زالت قائمة لكن مضبوطة على إيقاع منخفض الشدة.

سياسياً، يتحرك لبنان ضمن هامش ضيق جداً. فالدولة لا تملك قدرة على فرض معادلة أمنية مستقلة، بينما تتأثر مباشرة بمسار التفاهمات الإقليمية، خصوصاً بين واشنطن وطهران. هذا المسار، وإن بدا أنه يفتح نافذة لخفض التصعيد، إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الضمانات النهائية، ما يجعل الوضع اللبناني رهينة أي تعثر أو تقدم في تلك المفاوضات.

في موازاة ذلك، يواجه البلد أزمة إنسانية واقتصادية متفاقمة. فالنزوح الداخلي الكبير، وتضرر البنية التحتية في مناطق عدة، يضيفان عبئاً ثقيلاً على دولة منهكة أساساً منذ انهيارها المالي. الأضرار في السكن والكهرباء والمياه والقطاعات الصحية لا تقتصر على كونها نتائج حرب موضعية، بل تتحول إلى عامل تعطيل طويل الأمد للنشاط الاقتصادي.

اقتصادياً، يتجه لبنان نحو انكماش إضافي، مع تقديرات دولية تشير إلى تراجع جديد في الناتج المحلي خلال العام الحالي. هذا الانكماش ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكمات: انهيار النظام المصرفي، تراجع الاستثمار، غياب الثقة، واستمرار المخاطر الأمنية. ومع كل تصعيد ميداني، ولو محدود، تتراجع الثقة أكثر، ويزداد الضغط على العملة المحلية، ويتقلص النشاط السياحي والتجاري.

اللافت أن الاقتصاد اللبناني أصبح شديد الحساسية للأحداث الأمنية. فمجرد تصاعد التوتر في الجنوب أو الحديث عن توسع العمليات العسكرية ينعكس فوراً على حركة الرساميل، وعلى قرارات المستثمرين، وحتى على مزاج الأسواق الداخلية. وبذلك، يتحول الأمن إلى عامل اقتصادي مباشر، لا مجرد ملف سياسي أو عسكري.

أما في الأيام المقبلة، فتبدو السيناريوهات مفتوحة على استمرارية الوضع الحالي أكثر من أي تغيير جذري. فالأرجح هو استمرار نمط الضربات المحدودة والتوتر المضبوط، بانتظار اتضاح اتجاهات التفاوض الإقليمي. وفي المقابل، يبقى خطر التصعيد المفاجئ قائماً، وإن كان أقل احتمالاً في المدى القريب، لكنه يظل مرتبطاً بأي انهيار في قواعد التفاهم غير المعلن.

في المحصلة، يقف لبنان عند نقطة توازن دقيقة: لا حرب شاملة تعيد رسم المشهد، ولا سلام مستقر يسمح بالإنقاذ الاقتصادي. بل واقع معلق، حيث الأمن غير مستقر، والاقتصاد غير قادر على التعافي، والسياسة تنتظر الخارج أكثر مما تنتج حلولاً في الداخل.

هذا التعليق الطويل بين الانفجار والتهدئة هو ما يحدد اليوم شكل لبنان المقبل، ويجعل أي تحسن اقتصادي أو سياسي مرهوناً بتغيرات إقليمية أكبر من قدرته على التحكم بها.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *