أخبار اقتصادية

كيف خسر عملاق السلع الفاخرة 167 مليار دولار من قيمته؟

فقدت مجموعة “LVMH“، أكبر شركة للسلع الفاخرة في العالم، أكثر من 167 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ بداية العام، بعدما تراجعت شهية المستهلكين الصينيين لشراء الحقائب الفاخرة وبدأت استراتيجية رفع الأسعار التي قادت نمو المجموعة لسنوات تفقد فعاليتها.

وبعد ثلاث سنوات فقط من تجاوز القيمة السوقية للمجموعة حاجز 500 مليار دولار لتصبح أول شركة أوروبية تحقق هذا الإنجاز، باتت “إل في إم إتش” تقدر اليوم بأقل من نصف ذلك المستوى، في تراجع يضع رئيسها التنفيذي برنارد أرنو أمام تحد يتمثل في إعادة النظر في النموذج الذي صنع نجاحه خلال العقود الماضية.

ويقود أرنو، البالغ من العمر 77 عاماً، المجموعة منذ عام 1989، بينما تحتفظ عائلته عبر شركة “أغاش” بحصة تبلغ 49% من رأس المال وتسيطر على نحو 65% من حقوق التصويت، في وقت يعمل فيه أبناؤه الخمسة داخل الإمبراطورية الفاخرة، وفقاً لما ذكرته “رويترز”، واطلعت عليه “العربية Business”.

رهان مكلف على “لوي فيتون” والصين

اعتمدت أرباح المجموعة بصورة متزايدة على عدد محدود من المحركات الرئيسية رغم امتلاكها أكثر من 75 علامة تجارية تشمل “لوي فيتون” و”ديور” و”مويت آند شاندون” و”Hennessy” و”تاغ هوير”.

وجاء نحو ثلاثة أرباع الأرباح التشغيلية المتكررة العام الماضي من وحدة الأزياء والمنتجات الجلدية، فيما تشير تقديرات “UBS” إلى أن “لوي فيتون” وحدها تساهم بأكثر من نصف أرباح هذه الوحدة.

وازداد اعتماد المجموعة على آسيا خلال السنوات الماضية، إذ شكلت المنطقة باستثناء اليابان نحو 35% من إيرادات الوحدة في 2025 مقابل 18% فقط من الولايات المتحدة، بينما يقدر محللو UBS أن المستهلكين الصينيين يمثلون قرابة ثلث المبيعات.

سنوات الازدهار انتهت

استفادت المجموعة لسنوات من الطفرة الاستهلاكية في الصين ومن استعداد العملاء الأثرياء لتحمل زيادات متتالية في الأسعار.

وارتفعت أسعار السلع الفاخرة بنحو 54% بين نهاية 2019 وسبتمبر 2024 وفق تقديرات “HSBC”، ما ساهم في رفع إيرادات “LVMH” من 54 مليار يورو في 2019 إلى 86 مليار يورو في 2023، بينما ارتفع هامش الربح التشغيلي المتكرر إلى 26.5%.

لكن هذه المعادلة بدأت تتعثر مع تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع سوق العقارات وازدياد المخاوف المرتبطة بالوظائف، ما انعكس على ثقة المستهلكين.

وسجلت المجموعة في أواخر 2024 أول انخفاض ربع سنوي في المبيعات منذ جائحة كورونا، قبل أن تتراجع مبيعات وحدة الأزياء والمنتجات الجلدية بنسبة 1% خلال 2024 و5% خلال 2025.

تغير في أولويات الإنفاق

أظهرت المؤشرات أن المشكلة لا تتعلق فقط بضعف الإنفاق الاستهلاكي، بل أيضاً بتحول تفضيلات المشترين.

وقدرت شركة “باين” أن سوق السلع الشخصية الفاخرة في الصين انكمش بين 18% و20% خلال 2024، قبل أن يتراجع بين 3% و5% إضافية في 2025، فيما كانت المنتجات الجلدية من أكثر الفئات تضرراً.

وأظهر استطلاع أجرته “Oliver Wyman” في 2026 أن 37% من المستهلكين الصينيين الأثرياء يعتزمون زيادة الإنفاق على مستحضرات التجميل الفاخرة، مقابل 4% فقط للمنتجات الجلدية.

وفي المقابل، واصلت علامات مستحضرات التجميل الفاخرة تحقيق نمو قوي، إذ ارتفعت مبيعات وحدة Luxe التابعة ل”L’Oréal” في الصين بنحو 10% خلال أحدث ربع مالي معلن.

المجوهرات تتفوق على الحقائب

استفادت شركات أخرى من هذا التحول في سلوك المستهلكين.

وحققت وحدة المجوهرات لدى “ريشمون”، المالكة لعلامتي “كارتييه” و”فان كليف آند آربلز”، نمواً بلغ 14% بأسعار صرف ثابتة خلال العام المنتهي في مارس.

ويبدو أن المستهلكين باتوا ينظرون إلى المجوهرات كأصول تحتفظ بجزء من قيمتها بمرور الوقت، بينما أصبحت الحقائب الجلدية عالقة بين فئة مستحضرات التجميل الأرخص ثمناً والمجوهرات الأعلى قيمة.

أخطاء محلية زادت الضغوط

واجهت “لوي فيتون” أيضاً انتقادات في الصين بعد نزاع قانوني مع سلسلة المشروبات الصينية “Molly Tea” بشأن استخدام شعار يشبه زهرة.

ورغم حصول العلامة الفرنسية على حكم قضائي لصالحها، أثارت القضية ردود فعل سلبية على الإنترنت وفي وسائل الإعلام المحلية، حيث اعتبر البعض أن التصميم المستهدف مستوحى من عناصر تقليدية في الثقافة الصينية.

ويرى محللو “جيفريز” أن هذه الواقعة أثرت سلباً على أداء “لوي فيتون” في السوق الصينية.

هل تحتاج “لوي فيتون” إلى حقائب أرخص؟

اختارت LVMH حتى الآن الدفاع عن مكانتها عبر تحسين المتاجر وتجديد التصاميم وتطوير المنتجات بدلاً من خفض الأسعار بشكل كبير.

لكن بعض المنافسين اتخذوا مساراً مختلفاً.

وقدمت “شانيل” منتجات جلدية أقل سعراً من طرازاتها الكلاسيكية، فيما خفضت “غوتشي” أسعار عدد من خطوط الحقائب بنسب تراوح بين 20% و30% لجذب عملاء جدد.

وتشير تقديرات “بيرنشتاين” إلى أن إطلاق حقيبة “لوي فيتون” بسعر 1350 يورو قد يرفع أحجام المبيعات بما يعادل 5% من مبيعات المنتجات الجلدية الحالية، مع زيادة الإيرادات الإجمالية بنحو 440 مليون يورو رغم تراجع متوسط سعر البيع.

النمو لم يعد يُشترى بالاستحواذات

تواجه LVMH تحدياً إضافياً يتمثل في أن حجمها الضخم يجعل أي استحواذ في قطاع الرفاهية غير كاف لإحداث فرق جوهري في نمو المجموعة.

وأصبح الاستثمار في علامات محلية ناشئة أكثر جاذبية، على غرار استثمارات “كيرينغ” و”L’Oréal” في علامات صينية محلية، بهدف فهم أعمق لتغيرات الذوق الاستهلاكي في أكبر سوق للسلع الفاخرة بالعالم.

السؤال الأصعب لأرنو

خفض المستثمرون بالفعل توقعاتهم تجاه المجموعة، إذ تراجع مضاعف الربحية المستقبلي لسهم LVMH من نحو 24 مرة مطلع العام إلى حوالي 16 مرة حالياً، بالتزامن مع خفض تقديرات الأرباح.

ولا تزال علامات مثل “ديور” و”Loro Piana” تحقق أداءً قوياً، فيما تحتفظ “لوي فيتون” بمكانتها كواحدة من أقوى العلامات التجارية في العالم.

لكن إعادة بناء جاذبية العلامة في الصين، وتوسيع قاعدة العملاء، وتقليص الاعتماد على “لوي فيتون” كمحرك رئيسي للأرباح قد تستغرق سنوات.

وبالنسبة لبرنار أرنو، الذي أمضى قرابة 4 عقود في بناء آلة جعلت السلع الفاخرة أكبر حجماً وأعلى سعراً، فقد يكون التحدي الأصعب اليوم هو تحديد أي أجزاء من هذه الآلة تحتاج إلى التفكيك وإعادة البناء من جديد.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *