أخبار اقتصادية

وظائف بلا رواتب ولا تعيين.. لماذا تلجأ الشركات للوظائف الوهمية؟

في الوقت الذي يقضي فيه الباحثون عن عمل ساعات طويلة في تصفح إعلانات التوظيف وإعداد السير الذاتية والاستعداد للمقابلات، قد تكون بعض الوظائف التي يتقدمون إليها غير متاحة من الأساس، أو أن الشركات التي أعلنت عنها لا تنوي تعيين موظفين لشغلها.

هذه الظاهرة، التي تعرف باسم «الوظائف الوهمية» (Ghost Jobs)، تثير جدلا متزايدا في أسواق العمل، بعدما تحولت إعلانات التوظيف لدى بعض الشركات من وسيلة للبحث عن موظفين جدد إلى أداة لتحقيق أهداف أخرى، مثل جمع السير الذاتية، أو إعطاء انطباع بأن الشركة تتوسع وتنمو، أو إرسال رسائل غير مباشرة إلى الموظفين الحاليين بشأن إمكانية استبدالهم.

ولا تعني كل وظيفة يظل إعلانها منشورا لفترة طويلة أنها وهمية، فقد تتغير خطط الشركة، أو تتوقف إجراءات التوظيف، أو يُنسى حذف الإعلان بعد شغل الوظيفة. لكن استطلاعات ودراسات حديثة تكشف أن بعض الشركات تتعمد بالفعل نشر فرص لا تخطط لتعيين أحد فيها، ما يطرح تساؤلات حول مصداقية إعلانات التوظيف وحقيقة النشاط في سوق العمل.

ما هي الوظائف الوهيمة؟

يعرّف تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي الوظائف الوهمية بأنها إعلانات توظيف عبر الإنترنت لوظائف غير موجودة فعليا، أو وظائف لا يخطط أصحاب العمل لشغلها في الوقت الراهن.

ورغم أن هذه الممارسة ليست جديدة، إذ تعود تقارير إعلامية عن مخاوف الباحثين من هذه الإعلانات إلى عام 2003، فإن الاهتمام بها تزايد خلال السنوات الأخيرة، مع انتشار منصات التوظيف الإلكترونية وصعوبة حصول كثير من المتقدمين على ردود من الشركات.

وتشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن دوافع الشركات متعددة، فقد ترغب في تقييم قاعدة المرشحين المحتملين وجمع السير الذاتية لاستخدامها في عمليات توظيف مستقبلية، أو إظهار المؤسسة بمظهر الشركة التي تنمو وتتوسع، بما قد يجذب مستثمرين محتملين.

وقد تستخدم بعض الشركات هذه الإعلانات لإيصال رسالة إلى موظفيها بأن أعباء العمل ستتوزع مستقبلا على عدد أكبر من العاملين، بينما قد يكون الهدف في حالات أخرى إشعارهم بأنهم قابلون للاستبدال. كما قد تنشر الشركة إعلانا لإظهار قدرتها على استقطاب كفاءات متنوعة، رغم أنها تخطط بالفعل لتعيين مرشح من داخل المؤسسة، أو بحثا عن مواهب استثنائية دون وجود شاغر فوري.

ولا تتوقف الممارسة عند نشر الإعلان، ففي بعض الحالات، قد تجري الشركة مقابلات مع متقدمين دون أن تكون لديها نية حقيقية لتعيين أي منهم.

هل تنتشر ظاهرة الوظائف الوهيمة بين عدد كبير من الشركات؟

تكشف دراسة نشرها موقع ResumeBuilder في أيار 2024، وشملت 1641 مديرا مسؤولا عن التوظيف، عن حجم لافت للظاهرة بين الشركات المشاركة في الاستطلاع.

فقد أفاد 40% من مديري التوظيف بأن شركاتهم نشرت إعلانات وظائف وهمية خلال العام السابق، بينما قال 30% إن شركاتهم لديها إعلانات من هذا النوع نشطة وقت إجراء الدراسة.

واللافت أن 79% من الشركات التي نشرت وظائف وهمية خلال العام السابق كانت لا تزال تحتفظ بإعلانات نشطة منها وقت الاستطلاع.

أما دوافع النشر، فجاء في مقدمتها إظهار الشركة بمظهر المنفتح على استقطاب الكفاءات الخارجية، بنسبة 67%، وإعطاء انطباع بأنها في حالة نمو وتوسع، بنسبة 66%.

وقال 63% إن هذه الإعلانات تستهدف إيهام الموظفين بأن أعباء العمل ستنخفض مع تعيين أشخاص جدد، بينما أشار 62% إلى أنها قد تجعل العاملين يشعرون بأنهم قابلون للاستبدال. كما ذكر 59% أن الهدف هو جمع السير الذاتية والاحتفاظ بها لاستخدامها في المستقبل.

وكشفت الدراسة عن تفاوت كبير في عدد الإعلانات التي نشرتها الشركات؛ إذ اكتفت 26% من الشركات بإعلان واحد إلى 3 إعلانات، بينما نشرت 19% منها 5 إعلانات، و19% أخرى 10 إعلانات. ووصل العدد إلى 50 إعلانا لدى 11% من الشركات، و25 إعلانا لدى 10%، في حين نشرت 13% منها 75 إعلانا وهميا أو أكثر.

ولم تقتصر هذه الإعلانات على مستوى وظيفي بعينه؛ فقد شملت وظائف المبتدئين بنسبة 63%، والمستوى المتوسط بنسبة 68%، والمستوى المتقدم بنسبة 53%، والمناصب التنفيذية بنسبة 45%.

هل تجري الشركات مقابلات عمل دون فرصة حقيقية؟

تظهر نتائج الدراسة أن بعض المتقدمين لا يكتشفون حقيقة الإعلان بمجرد التقدم إليه، بل قد يصلون إلى مراحل متقدمة من عملية التوظيف.

فمن بين المشاركين، قال 39% إن الشركات تتواصل دائما مع المتقدمين لهذه الوظائف، بينما ذكر 45% أنها تفعل ذلك أحيانا، و12% نادرا، مقابل 5% لا يتواصلون معهم مطلقا.

والأكثر إثارة أن 85% من الشركات التي تتواصل مع المتقدمين لهذه الإعلانات قالت إن المرشحين يخضعون لمقابلات عمل، رغم عدم وجود نية فعلية للتعيين في بعض الحالات.

كما أظهرت النتائج أن 66% من مسؤولي التوظيف قالوا إن الموظفين أو المستثمرين أو المتقدمين للوظائف اكتشفوا أن شركاتهم تنشر إعلانات وهمية، رغم عدم رغبة هذه الشركات في معرفة الآخرين بالأمر.

وفي ما يتعلق بالموقف الأخلاقي، رأى 43% من المشاركين أن نشر هذه الإعلانات مقبول تماما، و27% أنه مقبول على الأرجح، بينما اعتبره 20% غير مقبول على الأرجح، و10% غير مقبول على الإطلاق.

لكن هذه النتائج تعكس آراء مديري التوظيف المشاركين، ولا تمثل حكماً أخلاقياً أو قياساً شاملاً لجميع الشركات.

ماذا تكسب الشركات من هذه الظاهرة؟

رصدت دراسة ResumeBuilder أيضا ما وصفه المشاركون بتأثير إيجابي لهذه الإعلانات على شركاتهم، إذ قال 68% إن لها تأثيرا إيجابيا على الإيرادات، و65% على الروح المعنوية للموظفين، و77% على الإنتاجية.

لكن هذه النسب تعبر عن تقييم المشاركين لتأثير الممارسة داخل شركاتهم، ولا تثبت وحدها أن إعلانات الوظائف الوهمية تسببت فعلياً في زيادة الإيرادات أو الإنتاجية.

وفي المقابل، يتحمل الباحثون عن عمل تكلفة مباشرة تتمثل في الوقت والجهد المبذولين في إعداد الطلبات والاستعداد للمقابلات، فضلاً عن الإحباط الناتج عن غياب الردود وتراجع الثقة في إعلانات التوظيف.

وتتضح المشكلة أكثر مع طول بقاء الإعلانات منشورة، إذ أفادت 31% من الشركات في دراسة ResumeBuilder بأنها تبقي الإعلانات الوهمية نشطة لمدة شهر، و19% لمدة 3 أشهر، و7% لمدة 6 أشهر، و9% لمدة عام أو أكثر.

كما أظهرت الدراسة انتشار هذه الإعلانات على منصات متعددة، إذ نُشر 72% منها على المواقع الإلكترونية للشركات، و70% على LinkedIn، و58% على ZipRecruiter، و49% على Indeed، و48% على Glassdoor.

هل تشوه الوظائف الوهمية أرقام سوق العمل؟

رغم اتساع النقاش حول الظاهرة، لا توجد إحصاءات رسمية تحدد عدد الوظائف الوهمية في الولايات المتحدة، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس.

ويعتمد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي على مسح فرص العمل وتدفقات العمالة (JOLTS) لقياس الوظائف الشاغرة والتعيينات وحالات ترك العمل. ولا يحتسب المسح الوظيفة شاغرة إلا إذا كان هناك عمل محدد متاح، ويمكن البدء فيه خلال 30 يوما، وكان صاحب العمل يسعى بنشاط إلى تعيين شخص من خارج المؤسسة.

وبالتالي، فإن الوظائف الوهمية لا يفترض أن تدخل في هذه الإحصاءات إذا قدم أصحاب العمل بيانات دقيقة؛ إذ إن مجرد نشر إعلان على الإنترنت لا يعني أن الوظيفة تُحتسب ضمن الشواغر الرسمية.

وتتوفر بيانات المسح منذ كانون الأول 2000، وقد سجلت الوظائف الشاغرة مستويات قياسية في عام 2022، قبل أن تتراجع إلى مستويات مشابهة لما كانت عليه في عامي 2018 و2019. ويرى تقرير الكونغرس أن تراجع فرص العمل الحقيقية قد يزيد مخاوف الباحثين من انتشار الإعلانات الوهمية.

وفي دراسة أكاديمية نشرت على منصة arXiv، جرى تحليل بيانات من موقع Glassdoor. وقدرت الدراسة أن ما يصل إلى 21% من إعلانات الوظائف قد تكون وهمية، مع انتشار أكبر للظاهرة في الشركات الكبيرة والقطاعات المتخصصة.

وربط الباحث ذلك بانخفاض تكلفة نشر إعلانات إضافية والاحتفاظ بقاعدة بيانات للمواهب، لكنه يظل تقديرا بحثيا لا إحصاء رسميا، كما أن نتائج الدراسة لا تعني أن خُمس الوظائف المعلنة في كل سوق عمل وهمية.

هل هناك قوانين لمواجهة الإعلانات المضللة؟

بدأت الظاهرة تثير اهتماما تشريعيا في الولايات المتحدة، إذ يشير تقرير الكونغرس إلى أن إعلانات الوظائف المضللة قد تندرج تحت قانون لجنة التجارة الفيدرالية، الذي يحظر الممارسات التجارية غير العادلة أو المضللة.

كما تضاعفت بلاغات الاحتيال المرتبطة بالتوظيف ووكالات العمل نحو 3 مرات بين عامي 2020 و2024، وفق قاعدة بيانات شبكة مراقبة المستهلك التابعة للجنة.

لكن التقرير يوضح أن إثبات تعمد الشركة نشر وظيفة لا تنوي شغلها ليس أمرا سهلا، إذ يصعب تحديد نية صاحب العمل، كما أن الضرر الناتج عن إهدار وقت المتقدمين أقل مباشرة وقابلية للقياس مقارنة بعمليات الاحتيال التي تستهدف سرقة الأموال أو الهوية.

وعلى المستوى التشريعي، لم تكن هناك مشروعات قوانين اتحادية تتناول الوظائف الوهمية بشكل صريح وقت إعداد التقرير، لكن مقترحات ظهرت في ثلاث ولايات على الأقل.

ففي نيوجيرسي، طُرح في حزيران 2024 مشروعان متطابقان يلزمان أصحاب العمل بالكشف عما إذا كان الإعلان يتعلق بشاغر فعلي، وتحديد إطار زمني تقديري لشغله، وإزالة الإعلان خلال أسبوعين من تعيين الموظف.

وفي كنتاكي، قُدم مشروع قانون في كانون الثاني 2025 يهدف إلى حظر الوظائف الوهمية وإلزام الشركات بتوضيح ما إذا كان الإعلان يتعلق بشاغر حالي أو متوقع مستقبلا. أما كاليفورنيا، فشهدت في آذار 2025 تقديم مشروع يلزم أصحاب العمل في القطاع الخاص بتوضيح ما إذا كان الإعلان يتعلق بوظيفة شاغرة فعلياً.

وخارج الولايات المتحدة، اتخذت مقاطعة أونتاريو الكندية خطوات تشريعية تلزم معظم أصحاب العمل بالكشف عن حقيقة الشاغر الوظيفي، إلى جانب تقديم معلومات لاحقة للمرشحين الذين خضعوا للمقابلات، وكان مقرراً دخول هذه التدابير حيز التنفيذ خلال عام 2026.

وهكذا، لم تعد المشكلة مقتصرة على إعلان لا ينتهي بتعيين، بل أصبحت قضية تتعلق بالشفافية والثقة في سوق العمل. فبينما تحتاج الشركات إلى الاحتفاظ بقاعدة من المواهب تحسبا لفرص مستقبلية، يحتاج الباحثون عن عمل إلى معرفة ما إذا كانت الوظيفة التي يخصصون لها وقتهم وجهدهم متاحة بالفعل، أم أنها مجرد إعلان آخر بلا فرصة حقيقية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *