لم يعد الوقوف في طوابير الانتظار مجرد مشهد يومي يعكس ازدحام المطاعم والمتاجر، بل تحول في بعض المدن الكبرى إلى نشاط اقتصادي قائم بذاته، يتيح لأشخاص تحقيق دخل مقابل قضاء ساعات طويلة في الانتظار نيابة عن آخرين لا يملكون الوقت أو الرغبة في خوض هذه التجربة.
وبينما يدفع بعض العملاء أموالا لتوفير وقتهم، تتجاوز الظاهرة حدود الاستعانة ببدلاء الانتظار، لتصل إلى شركات تستأجر أشخاصا للوقوف أمام متاجرها وصناعة طوابير توحي بوجود إقبال كبير على منتجاتها.
وفي مدينة نيويورك الأميركية، حيث تبدأ طوابير بعض متاجر الحلويات في التشكل منذ السادسة صباحا، أصبحت ثقافة الانتظار جزءا من اقتصاد الاستهلاك، وفرصة لظهور مهن وشركات متخصصة في بيع الوقت.
ولم تعد المسألة مرتبطة فقط بالحصول على منتج رائج، بل امتدت إلى حجز مقاعد المحاكم، وحضور الحفلات، ودخول المتاحف، وشراء المنتجات محدودة الإصدار، بل وحتى صناعة مشهد تسويقي يجذب مزيدا من العملاء.
وتكشف هذه الظاهرة عن جانب غير مألوف من الاقتصاد الحديث، حيث يتحول الوقت إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، ويصبح الانتظار نفسه خدمة مدفوعة الأجر.
25 دولارا مقابل ساعة انتظار
وفقاً لموقع «Eater» الأمريكي المتخصص في المطاعم والطعام، تعرف هذه المهنة باسم «Line Sitting»، وتعني تقاضي أجر مقابل الانتظار نيابة عن شخص آخر، سواء للحصول على تذاكر عروض، أو شراء منتجات رائجة، أو دخول متاجر التخفيضات، أو حجز طاولة في مطعم شهير.
ويعد مؤسس شركة «Same Ole Line Dudes» في نيويورك، روبرت صامويل، أحد أبرز العاملين في هذا المجال، بعدما حول تجربة شخصية إلى مشروع تجاري مستمر منذ نحو 15 عاما.
بدأت الفكرة عندما لاحظ صامويل الطلب المتزايد على المنتجات والتجارب التي تجذب أعدادا كبيرة من المستهلكين، وكانت تجربة شراء هاتف «آيفون» من أولى المهام التي دفعته إلى دخول هذا النشاط.
واليوم، تضم شركته نحو 35 شخصا يتلقون طلبات من مختلف أنحاء نيويورك، وأحيانا من خارجها، لتنفيذ أي مهمة تتطلب الوقوف في طابور.
وقال صامويل لموقع «Eater» إن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه المهنة أكثر انتشارا، مشيرا إلى أن «تيك توك» أسهم بصورة كبيرة في زيادة الاهتمام بها وجذب المزيد من العاملين والعملاء.
وتتقاضى شركته 25 دولارا مقابل ساعة الانتظار، بحد أدنى ساعتين، أي 50 دولارا للمهمة الواحدة، قبل إضافة رسوم الطلبات العاجلة التي تتراوح بين 15 و25 دولارا، أو الزيادات المرتبطة بالعطلات وسوء الأحوال الجوية والانتظار طوال الليل.
وكانت حلوى «كرونات» Cronuts، التي تجمع بين الكرواسون والدونات، من أكثر المنتجات طلبا خلال السنوات الأولى لنشاط الشركة. ويروي صامويل أن أحد العملاء استعان بستة أشخاص من فريقه لشراء 12 قطعة، بهدف إبهار وفد من رجال الأعمال اليابانيين الزائرين، خصوصا أن المتجر كان يفرض حدا أقصى للشراء لكل شخص.
آلاف العاملين في سوق الانتظار
لم تعد الخدمة مقتصرة على الشركات المتخصصة، بل تحولت إلى فرصة عمل للأفراد عبر المنصات الرقمية.
ووفقاً لموقع «Eater»، يتراوح الأجر المعتاد للعاملين في الوقوف بالطوابير عبر منصة «TaskRabbit» بين 28 و90 دولارا في الساعة على مستوى الولايات المتحدة، بينما يتصدر السوق الأميركي مدينة نيويورك بأكثر من 4900 شخص يعرضون هذه الخدمة.
وفي مدن كبرى أخرى، مثل لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وشيكاغو، يوجد بضع مئات من الأشخاص في كل مدينة مستعدين لتنفيذ مهام الانتظار.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع النشاط بوصفه أحد أشكال العمل المستقل، وإن كان لا يزال سوقا غير تقليدي تتفاوت فيه الأسعار وفقا للموقع وطبيعة المهمة ومدتها.
وفي العاصمة الأميركية واشنطن، تقدم شركة «Skip the Line» نموذجا آخر، بعدما أسستها جينيفر غوف عام 2017، إثر ملاحظتها طابورا طويلا أمام حانة مؤقتة مستوحاة من مسلسل «صراع العروش».
وبدأت غوف المشروع كتجربة لمعرفة ما إذا كان المستهلكون مستعدين لدفع أموال لشخص ينتظر نيابة عنهم، قبل أن يتحول إلى شركة تضم فريقا ينفذ مهام تشمل حجوزات المطاعم وحفلات توقيع الكتب وشراء المنتجات محدودة الإصدار والحصول على تذاكر الحفلات الموسيقية والمتاحف.
وفي واشنطن، تمتد الطلبات إلى الوقوف أمام الكونغرس لحضور جلسات الاستماع، أو أمام المحكمة العليا للحصول على المقاعد المحدودة المخصصة للجمهور.
ووفقا لموقع «KLTV 7»، تتراوح تكلفة الخدمة لدى الشركة بين 30 و40 دولارا في الساعة، مع ارتفاع السعر عندما تتطلب المهمة الانتظار طوال الليل أو في ظروف جوية قاسية.
نمو الطلب
تؤكد مؤشرات منصات الخدمات تنامي الطلب على هذه المهنة، إذ سجلت «TaskRabbit» زيادة بنسبة 18% في حجوزات خدمات الوقوف بالطوابير على مستوى الولايات المتحدة بين عامي 2023 و2024، وفقا لما أورده موقع «KLTV 7».
وتدعم هذا الاتجاه دراسة حديثة أشار إليها الموقع، أظهرت أن 85% من المستهلكين الأمريكيين يضطرون إلى الوقوف في طوابير عدة مرات شهريا على الأقل، فيما وصف 65% منهم التجربة بأنها تثير مشاعر سلبية، تشمل الملل ونفاد الصبر والإحباط.
وفي تقدير آخر نشرته «Axios»، بلغ متوسط أجر خدمات الانتظار عبر المنصات نحو 27 دولارا للساعة، ما يعكس القيمة الاقتصادية التي بات المستهلكون مستعدين لدفعها مقابل توفير وقتهم.
ورغم عدم توافر تقدير موثوق للقيمة الإجمالية لسوق الانتظار بالنيابة، فإن هذه المؤشرات تكشف عن نشاط تجاري متنامٍ، تتوزع عوائده بين الشركات المتخصصة ومقدمي الخدمات المستقلين.
ومن بين العاملين في القطاع ريك بيل، الذي يتولى مهام الانتظار لصالح «Skip the Line». وفي إحدى المهام التي رصدها موقع «KLTV 7»، وصل إلى نصب واشنطن التذكاري عند الساعة 6:20 صباحا، للحصول على التذاكر المجانية التي توزع يوميا في التاسعة صباحا.
وكان التحدي أن مئات الأشخاص قد يتجمعون للحصول على 200 تذكرة فقط، ما يجعل الوصول المبكر عاملا حاسما.
وذكر بيل أن أطول مهمة انتظار تولّاها استغرقت 138 ساعة، وكانت مرتبطة بقضية بارزة أمام المحكمة العليا.
كيف يصبح الطابور إعلانا تجاريا؟
لكن التطور الأكثر إثارة في اقتصاد الطوابير لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين يدفعون لتوفير وقتهم، وإنما باستخدام الطوابير نفسها أداة تسويقية لصناعة الانطباع بوجود طلب جماهيري كبير.
وفقا لوكالة فرانس برس، كشف صامويل أن بعض الشركات استعانت بموظفيه للوقوف أمام منشآتها والتظاهر بأنهم زبائن، بهدف تشجيع الآخرين على الانضمام إلى الطوابير.
وقال للوكالة إنه لا يستطيع الكشف عن أسماء تلك الشركات، لكنه أكد أن بعضها وظف أشخاصاً للوقوف أمام مقاره وإظهارها كما لو كانت تستقبل أعدادا كبيرة من العملاء.
وتفتح هذه الممارسة بابا مختلفا أمام اقتصاد الانتظار؛ فبدلا من أن يكون الطابور نتيجة طبيعية لزيادة الطلب، يصبح وسيلة لصناعة صورة عن شعبية المنتج أو المكان، بما قد يدفع المارة إلى الاعتقاد بأن هناك إقبالا استثنائيا يستحق التجربة.
وفي عصر تنتشر فيه الصور ومقاطع الفيديو بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، يتحول الطابور إلى إعلان غير مباشر، يمنح المكان حضورا بصريا قد يتجاوز تأثير الحملات الإعلانية التقليدية.
وفقا لوكالة فرانس برس، لم يعد الانتظار في نيويورك مجرد وسيلة للحصول على وجبة أو دخول متجر، بل أصبح لدى بعض الأشخاص تجربة اجتماعية تستحق المشاركة.
وتصطف أعداد كبيرة أمام مطاعم شهيرة، من بينها «L’industrie Pizzeria»، للحصول على منتجات تحولت إلى ظواهر رائجة عبر الإنترنت.
ولا تقتصر الظاهرة على الطعام؛ ففي العام الماضي، انتظر أشخاص طوال الليل للحصول على تذاكر مجانية لمسرحية شارك فيها لوبيتا نيونغو وبيتر دينكلاج في سنترال بارك.
كما جذبت كعكات «Dot Cakes» اهتماما واسعا، وهي حلوى صغيرة مغطاة بطبقة من السكر الملون، يبلغ سعر القطعة الواحدة منها 11 دولارا.
وتروي وكالة فرانس برس أن إيزابيلا داونز انتظرت 40 دقيقة أمام أحد متاجر الأطعمة في مانهاتن للحصول عليها، موضحة أن ما جذبها لم يكن المنتج وحده، وإنما المشاركة في تجربة رائجة وممتعة.
وتكشف هذه التجربة عن تحول الطوابير إلى مساحة للتفاعل الاجتماعي، حيث يصبح الانتظار جزءا من قيمة المنتج نفسه، وليس مجرد عقبة أمام الحصول عليه.
250 دولارا لشراء الحلوى
وتظهر الأسعار حجم المبالغ التي يمكن أن يدفعها العملاء للوصول إلى المنتجات الرائجة.
فوفقا لموقع «Eater»، أصبحت كعكات «Dot Cakes» من أكثر المنتجات طلبا لدى شركة «Same Ole Line Dudes»، حتى إن إحدى العميلات استعانت بخمسة أشخاص للانتظار، بعدما أرادت شراء قطعتين من كل نكهة.
ومع بلوغ سعر القطعة 11 دولارا، وتكلفة انتظار لا تقل عن 50 دولارا لكل شخص، تصل تكلفة الانتظار وحدها إلى 250 دولارا، قبل احتساب ثمن الحلوى.
وتشمل قائمة المطاعم الأكثر طلبا لدى الشركة «Via Carota» و«Lucali» و«Emilio’s Ballato»، رغم أن بعض المطاعم لا ترحب بوجود أشخاص يعملون لصالح العملاء لتسجيل أسمائهم في قوائم الانتظار.
كما تتطلب هذه المهام اعتبارات لوجستية، خصوصاً عندما تكون المنتجات الغذائية معرضة للذوبان أو التلف، إذ يحرص فريق صامويل على تنسيق توقيت استلام المشتريات مع العملاء.
من يملك الوقت ومن يشتريه؟
ولا تتوقف الظاهرة عند الحسابات التجارية، بل تثير تساؤلات حول العدالة الاجتماعية، وما إذا كان تحويل الانتظار إلى خدمة مدفوعة يعزز كفاءة استخدام الوقت أم يخلق فجوة بين من يستطيعون شراء راحتهم ومن يضطرون إلى الانتظار.
وفي مقال رأي نشرته شبكة «CNN»، رأت الأخصائية النفسية في ماساتشوستس، الدكتورة ماغي مولكوين، أن الانتظار قد يحمل قيمة نفسية واجتماعية، مشيرة إلى أهمية «تأجيل الإشباع»، وأن بعض التجارب تزداد قيمتها بسبب الوقت الذي يسبق الحصول عليها.
لكنها حذرت من تحويل الانتظار إلى سلعة تخلق تمييزا بين الأشخاص، معتبرة أن المجتمع قد ينتهي إلى انقسام بين من يملكون القدرة على الدفع لتجنب الانتظار ومن لا يملكونها.
ومن منظور اقتصادي، تناولت ورقة بحثية منشورة عبر منصة «INFORMS PubsOnline»، التابعة لمعهد بحوث العمليات وعلوم الإدارة الأمريكي، تأثير هذه المهنة على إيرادات مقدمي الخدمات ورفاهية العملاء.
وخلصت الدراسة إلى أن السماح بالانتظار بالنيابة وبيع الأولوية يمكن أن يحققا إيرادات إضافية، لكن بآليتين مختلفتين، إذ يعتمد بيع الأولوية على التمييز السعري، بينما يساهم الانتظار بالنيابة في توسيع قاعدة الطلب وجذب عملاء لم يكونوا لينضموا إلى الطابور لولا وجود هذا الخيار.
وترى الدراسة أن الانتظار بالنيابة قد يحقق منفعة متبادلة للعملاء ومقدمي الخدمات، لكنه لا يفيد الجميع بالضرورة، لأن زيادة الطلب قد تؤدي إلى ازدحام إضافي يضر بالمنتظرين الآخرين.
وتشير إلى مفارقة اقتصادية لافتة، تتمثل في إمكانية تحقيق مقدم الخدمة إيرادات أكبر من السماح بالانتظار بالنيابة مقارنة ببيع الأولوية مباشرة، رغم أن الأموال تذهب إلى شركة خارجية.
كما يرى مدير الأبحاث بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، روبرتو كاساتي، أن الطوابير في نيويورك باتت تشكل طقسا اجتماعيا قابلا للتصوير والمشاركة عبر إنستغرام، بينما يربط الأستاذ بكلية سارة لورانس، صامويل أبرامز، بينها وبين المكانة الاجتماعية والذوق والقدرة على التحمل.
لكن لهذه الظاهرة تكاليفها أيضا، ففي عام 2024، دخلت سلسلة متاجر الخبز «Apollo» في نزاع قضائي مع مالك أحد المباني بعدما تسببت طوابير الزبائن في إغلاق مداخل مستأجرين آخرين.
يكشف اقتصاد الطوابير عن سوق تتجاوز بيع الوقت إلى تسويق المنتجات وصناعة الشعبية وإعادة توزيع فرص الوصول إلى الخدمات.
ففي عالم أصبح فيه الوقت موردا اقتصاديا ثمينا، لم يعد السؤال فقط عن المدة التي يقضيها المستهلك في الانتظار، بل عن المبلغ الذي يمكن أن يدفعه لتجنب ذلك، أو الذي قد تدفعه الشركات لصناعة طابور يجعل الآخرين يرغبون في الانضمام إليه.





