عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
تحذيرات من ضعف شفافية النفقات المموّلة من الخارج، وشكوك حول واقعية الإيرادات الضريبية المتوقعة، تضع المالية العامة أمام اختبار صعب، فيما تبقى الأسر والشركات في مواجهة تداعيات أي اختلال جديد.
لم تعد الموازنة العامة في لبنان مجرّد حسابات تحدّد ما تتوقع الدولة تحصيله وما تنوي إنفاقه، بل أصبحت مرآة لمدى قدرتها على إدارة المال العام بشفافية، واستعادة الثقة، وحماية الاقتصاد من أعباء إضافية قد تتجاوز قدرته على الاحتمال.
وفي هذا السياق، تبرز ملاحظات صندوق النقد الدولي بشأن ضرورة تسجيل النفقات المموّلة من الخارج بصورة شاملة في الموازنة، بالتزامن مع تساؤلات حول قدرة الاقتصاد اللبناني على تحقيق الإيرادات الضريبية المقدّرة للسنة المقبلة، في ظل التراجع المتوقع في النشاط الاقتصادي.
وتكمن خطورة المسألتين في تزامنهما: غموض محتمل في صورة الإنفاق من جهة، وتوقعات إيرادات قد لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي من جهة أخرى.
أموال خارج الصورة الكاملة
يشكّل التمويل الخارجي، سواء أكان منحاً أم قروضاً ميسّرة، مورداً مهماً لبلد يعاني أزمة مالية عميقة، ويحتاج إلى تمويل مشروعات البنية التحتية والخدمات العامة وإعادة تأهيل مؤسساته.
لكن أهمية هذه الأموال لا تعفي الدولة من واجب الإفصاح عن مصادرها وقيمتها والجهات التي تديرها وأوجه إنفاقها والنتائج التي تحققها. فالمشكلة لا تقتصر على معرفة حجم التمويل الذي تحصل عليه الدولة، بل تشمل أيضاً تحديد كيفية تسجيله ومراقبته، وما إذا كانت النفقات الناتجة منه تظهر ضمن صورة مالية متكاملة.
وقد تُدار بعض المشاريع مباشرة من الجهات المانحة أو عبر وحدات تنفيذية، ما يفسّر اختلاف طريقة تسجيل نفقاتها عن النفقات التي تمرّ عبر الخزينة. غير أن ذلك لا يلغي ضرورة إخضاعها للإفصاح والتدقيق والرقابة.
ومن هنا، فإن أي نقص في البيانات المالية يحدّ من قدرة مجلس النواب والهيئات الرقابية والرأي العام على تتبّع الأموال والتحقق من سلامة استخدامها. ولا يعني هذا بالضرورة وجود فساد أو تعمّد للإخفاء، لكنه يخلق ثغرات تضعف المساءلة وتزيد مخاطر الهدر.
المطلوب، بالتالي، نشر بيانات موحّدة توضح التمويلات الخارجية، والمبالغ المقبوضة والمصروفة، والجهات المنفّذة، ونسب إنجاز المشاريع، مع تحديد كيفية انعكاسها في الحسابات العامة.
إيرادات مرتفعة واقتصاد متراجع
في المقابل، تثير زيادة الإيرادات الضريبية المقدّرة تساؤلات حول مدى واقعيتها، خصوصاً إذا لم يترافق هذا التوجه مع نمو اقتصادي يوسّع القاعدة الضريبية.
فالإيرادات لا تتحقق بمجرد إدراجها في الموازنة، بل ترتبط بمستويات الاستهلاك والاستيراد والأرباح والأجور والاستثمار، فضلاً عن قدرة الإدارة على مكافحة التهرب وتحسين التحصيل.
وإذا تباطأ النشاط الاقتصادي، فقد تتراجع أرباح الشركات ومبيعاتها، وينخفض الاستهلاك، وتتقلص فرص الاستثمار والتوظيف، بما ينعكس على قدرة الدولة على تحصيل ما تتوقعه من ضرائب.
ولا يعني ذلك أن زيادة الإيرادات مستحيلة، إذ يمكن تحقيقها من خلال تحسين الامتثال الضريبي وتوسيع القاعدة ومكافحة التهرب. لكن الفارق كبير بين زيادة الحصيلة نتيجة تحسّن الإدارة، وبين تحقيقها عبر فرض أعباء إضافية على المكلفين الملتزمين.
الأسر والشركات في مواجهة الأعباء
تنعكس السياسة الضريبية مباشرة على حياة المواطنين. فالضرائب غير المباشرة، ولا سيما المرتبطة بالاستهلاك، قد تثقل كاهل أصحاب الدخل المحدود بصورة أكبر نسبة إلى دخولهم، في وقت تتحمل فيه الأسر اللبنانية أعباء التعليم والاستشفاء والكهرباء والنقل.
أما الشركات، وخصوصاً الصغيرة والمتوسطة، فتواجه ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية وعدم اليقين الاقتصادي. وقد تدفعها الأعباء الإضافية إلى رفع الأسعار أو تقليص الاستثمار والتوظيف، فيما قد تجد بعض المؤسسات صعوبة في الاستمرار.
وهكذا، يمكن أن تتحول الزيادة الضريبية غير المدروسة إلى عامل يضعف النشاط الاقتصادي الذي تحتاج الدولة نفسها إلى تنشيطه لتوسيع إيراداتها.
الشفافية أولاً
إن معالجة هذا الخلل تتطلب كشفاً شاملاً عن التمويلات الخارجية والنفقات المرتبطة بها، ونشر تقارير دورية تقارن الإيرادات المقدّرة بالمحصّلة فعلياً، وتوضح أسباب الفروقات، إلى جانب تعزيز الرقابة على تنفيذ الموازنة.
كما ينبغي أن تقوم السياسة الضريبية على توسيع قاعدة المكلفين ومكافحة التهرب وتحسين التحصيل، لا على تحميل الأسر والشركات الملتزمة أعباء متزايدة من دون ضمان تحسّن الخدمات العامة.
فلا يمكن مطالبة المواطنين بمزيد من الضرائب من دون إظهار أين تُنفق الأموال، ولا يمكن بناء الثقة مع المؤسسات الدولية من دون حسابات شاملة وقابلة للتدقيق.
الموازنة الناجحة ليست تلك التي تُظهر إيرادات أكبر على الورق، بل تلك التي تكشف حقيقة الموارد والنفقات، وتحصّل الضرائب بعدالة، وتنفق المال العام بكفاءة. أما حين تتسع فجوة الثقة بين الأرقام المعلنة والواقع الاقتصادي، فإن المواطن يبقى الحلقة الأضعف، وهو أول من يدفع ثمن الاختلال المالي.








