ناجي الخوري
إذا أنفق الملياردير مليون دولار يومياً، فكم يحتاج من السنوات حتى ينفق ثروته بالكامل؟ السؤال الذي يبدو أقرب إلى لعبة حسابية يتحول، عند إسقاطه على لبنان، إلى مدخل لقراءة الفجوة بين الثروات الخاصة الهائلة والانهيار الاقتصادي الذي أصاب البلاد، وأعاد توزيع الأعباء والخسائر على اللبنانيين.
بحسب قائمة «فوربس» للمليارديرات لعام 2026، تضم القائمة ستة لبنانيين، بثروة إجمالية مقدّرة بنحو 13.9 مليار دولار، بزيادة 13% عن 12.3 مليار دولار في العام السابق.
اشارة الى أن الأرقام هنا تقديرات لصافي الثروات، وليست أرصدة نقدية متاحة للإنفاق الفوري، لكنها تسمح بإجراء مقارنة حسابية تكشف حجم هذه الثروات.
فصاحب المليار دولار يحتاج إلى نحو سنتين وتسعة أشهر لإنفاق ثروته بمعدل مليون دولار يومياً، فيما يحتاج صاحب ثروة تبلغ 3.8 مليارات دولار إلى أكثر من عشر سنوات. أما ثروة بقيمة 2.3 مليار دولار فتحتاج إلى نحو ست سنوات وثلاثة أشهر، وثروة بقيمة 1.5 مليار دولار إلى نحو أربع سنوات وشهر واحد، شرط الإنفاق المتواصل وعدم تحقيق أي عائد استثماري أو امتلاك التزامات مالية.
لكن ماذا لو جمعنا ثروات المليارديرات اللبنانيين الستة في حساب افتراضي واحد؟ عند إنفاق مليون دولار يومياً، فإن استنزاف 13.9 مليار دولار يحتاج إلى نحو 38 عاماً. أي إن إنفاق 365 مليون دولار سنوياً لا يكفي لإنهاء هذه الثروة المجمّعة إلا بعد ما يقارب أربعة عقود، إذا بقيت القيمة ثابتة ولم تدخل أي عوائد أو خسائر في الحساب.
هذه المفارقة تكشف أن المليون دولار، على ضخامته في الحياة اليومية، يبقى رقماً محدوداً أمام الثروات التي تُقاس بالمليارات. كما تبرز الفارق بين دخل الفرد، مهما ارتفع، وبين ملكية أصول قادرة على توليد دخل جديد.
المفارقة الأبرز أن هذه الثروات تُقدَّر في وقت لا يزال فيه لبنان يواجه تداعيات الانهيار المالي، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة الودائع المصرفية، وتدهور الخدمات العامة. لكن المقارنة تحتاج إلى دقة: فثروة رجل الأعمال لا تعني بالضرورة أموالاً مودعة في لبنان، ولا تعني أن كاملها قابل للتحويل إلى سيولة أو الاستثمار داخل الاقتصاد المحلي.
وتشير البيانات المنشورة عن المليارديرات اللبنانيين إلى ارتباط ثرواتهم بقطاعات متعددة، أبرزها الاتصالات والاستثمارات والعقارات والمجوهرات والإنشاءات، وهي قطاعات تتجاوز أنشطتها في حالات عدة حدود السوق اللبنانية.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الحقيقي: ما مقدار القيمة التي يمكن أن تعود بها هذه الثروات على لبنان من خلال الاستثمار المنتج، وتوسيع الأعمال، وخلق فرص العمل، وتحفيز الصادرات، وتمويل المشاريع؟ فالثروة الخاصة ليست بالضرورة عبئاً على الاقتصاد، بل يمكن أن تكون محركاً للنمو إذا اتجهت إلى مشاريع منتجة ضمن بيئة قانونية ومالية مستقرة.
في المقابل، لا يجوز اعتبار حجم الثروة وحده دليلاً على التهرب الضريبي أو الاستفادة غير المشروعة من الانهيار؛ فهذه مسائل تحتاج إلى بيانات وتدقيق مستقلين. لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا عن قدرة النظام الاقتصادي على جذب الاستثمارات، واستعادة الثقة، وتوفير فرص عادلة، وعن السياسات التي تجعل تراكم الثروة مترافقاً مع نمو الاقتصاد وتحسن مستوى المعيشة.
هكذا فان ستة مليارديرات لبنانيين بثروة مقدّرة بـ13.9 مليار دولار، يحتاج إنفاقها بمعدل مليون دولار يومياً إلى نحو 38 عاماً. غير أن القيمة الأهم لهذا الرقم ليست في عدد السنوات، بل في السؤال الذي يطرحه: كيف يمكن تحويل جزء من الثروات الخاصة إلى استثمارات وفرص عمل ونمو مستدام، في بلد يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ومؤسساته؟
فالمعيار الاقتصادي ليس كم سنة يحتاج الأثرياء لإنفاق أموالهم، بل كم قيمة اقتصادية يستطيعون خلقها قبل أن ينفقوا دولاراً واحداً منها.








