ناجي الخوري
لم تعد المسألة المالية في لبنان مجرد نقاش حول الموازنة أو الضرائب أو كيفية إدارة الإنفاق العام. فمع دخول البلاد مرحلة دقيقة من إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعاودة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، بات السؤال الأوسع يتعلق بمصدر القرار نفسه: هل لا تزال الحكومة اللبنانية تمتلك هامشاً مستقلاً لرسم سياستها المالية، أم أن هذا الهامش بات محكوماً إلى حد كبير بشروط واشنطن، ولا سيما وزارة الخزانة الأميركية؟
المشهد الراهن يوحي بأن الإجابة ليست أبيض أو أسود. فمن الناحية الدستورية والمؤسساتية، تبقى الموازنة والسياسة الضريبية والإنفاق العام من صلاحيات الدولة اللبنانية. لكن من الناحية العملية، تقلصت مساحة المناورة إلى حد كبير نتيجة الانهيار المالي، وانعدام القدرة على الاقتراض، وحاجة لبنان إلى التمويل الخارجي، وفي مقدمه أي برنامج محتمل مع صندوق النقد الدولي.
ولعل أبرز ما يكشف هذا الواقع أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال لقائه رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر في واشنطن في 28 أيلول، لم يكتفِ بالحديث عن الملفات المالية اللبنانية، بل ربط بين الإصلاح المالي واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي وبين إجراءات تستهدف شبكات التمويل المرتبطة بإيران وحزب الله.
هنا تحديداً تبدأ السياسة المالية بالتحول إلى جزء من منظومة أوسع، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع السياسة الخارجية والأمن المالي والعقوبات.
فصندوق النقد بوابة، وواشنطن لاعب مؤثر
المشكلة ليست أن الولايات المتحدة تفرض رسمياً موازنة لبنان أو تحدد قيمة الضرائب. لا توجد آلية قانونية تسمح بذلك. لكن النفوذ الأميركي يعمل من خلال أدوات أخرى: النظام المالي الدولي، العقوبات، المؤسسات المالية الدولية، القدرة على توفير الدعم الخارجي، والتأثير في البيئة التي يتحرك ضمنها صندوق النقد والدول المانحة.
في المقابل، فإن صندوق النقد لا يعمل كذراع لوزارة الخزانة الأميركية، بل لديه مؤسساته ومهمته وقواعده الخاصة. والدليل أن مطالبه تجاه لبنان تشمل إصلاحات مالية ومصرفية مرتبطة مباشرة باستدامة الدين والمالية العامة وحماية المودعين وإعادة بناء القطاع المصرفي.
ففي أحدث تقييم له في 18 أيلول، شدد الصندوق على ضرورة اعتماد إطار مالي متوسط الأجل، والحفاظ على الانضباط المالي، وإعادة صياغة قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع بما ينسجم مع المعايير الدولية والاستدامة المالية. كما أشار إلى أن موازنة 2027 تستهدف وضعاً متوازناً، مع تعزيز الالتزام الضريبي.
لكن المشكلة اللبنانية تكمن في أن الإصلاحات المالية لم تعد منفصلة عن سؤال التمويل الخارجي. فلبنان يحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وإعادة هيكلة مصارفه، ومعالجة الخسائر المالية، واستعادة القدرة على الاقتراض والاستثمار. وكل ذلك يحتاج إلى بيئة دولية مؤاتية.
يبقى قانون الفجوة المالية النقطة الأكثر حساسية. فوفق المعطيات الحالية، هناك فجوة مالية تقارب 70 مليار دولار، فيما لا يزال النقاش قائماً حول كيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.
هنا تتقاطع المصالح اللبنانية مع شروط المؤسسات الدولية. فصندوق النقد يريد قانوناً يراعي تسلسل تحمّل الخسائر، ويؤكد أن المودعين لا ينبغي أن يتحملوا الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، وأن تكون آلية السداد متوافقة مع قدرة القطاع المصرفي واستدامة الدين العام.
أما الحكومة، فهي أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد: أي قانون لتوزيع الخسائر ستكون له كلفة اجتماعية وسياسية، وأي محاولة لحماية المودعين بالكامل ستضع عبئاً أكبر على الدولة والمالية العامة، فيما تحميل المصارف والمساهمين الجزء الأكبر من الخسائر يصطدم بمصالح مالية وقانونية واسعة.
عليه، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا تريد الحكومة؟ بل أيضاً: ما هو الحد الذي تستطيع الحكومة الوصول إليه من دون خسارة دعم صندوق النقد والمجتمع الدولي؟
المسألة لا تتوقف عند قانون الفجوة. صندوق النقد ضغط أيضاً باتجاه ضبط الإنفاق، تعزيز الإيرادات، توسيع القاعدة الضريبية، وعدم اتخاذ زيادات جديدة في الرواتب والتقديمات من دون مصادر تمويل واضحة.
في تقريره الأخير، أشار إلى أن زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12% التي أقرها مجلس الوزراء بهدف تمويل زيادات الأجور والتقاعد لم تدخل حيز التنفيذ بعد، وحذّر من الضغوط التي تفرضها كلفة الأجور والتقاعد، داعياً إلى عدم إقرار زيادات إضافية من دون إجراءات مقابلة على مستوى الإيرادات.
هنا تظهر المفارقة اللبنانية: الحكومة مطالبة من جهة بزيادة الإنفاق الاجتماعي وإعادة الإعمار، ومن جهة أخرى بتقليص العجز وتحقيق الاستدامة المالية. والمشكلة أن الاقتصاد لا يزال هشاً، فيما القدرة الضريبية للمواطنين والمؤسسات محدودة.
ولكن من يملك القرار؟
عملياً، لا يمكن القول إن وزارة الخزانة الأميركية هي التي تضع الموازنة اللبنانية. لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن هامش القرار المالي اللبناني أصبح مرتبطاً بشبكة من الشروط الدولية التي تلعب واشنطن داخلها دوراً بالغ التأثير.
الأخطر أن لبنان قد ينتقل من مرحلة كان فيها السياسيون يقررون الإنفاق ثم يبحثون عن مصادر تمويله، إلى مرحلة يصبح فيها التمويل الخارجي هو الذي يحدد سقف القرار السياسي والمالي.
هذه ليست بالضرورة مؤامرة على القرار اللبناني، بل نتيجة مباشرة لمسار الانهيار الذي أفقد الدولة جزءاً كبيراً من قدرتها على تمويل نفسها. فالدولة التي لا تستطيع الاقتراض، ولا تستطيع إعادة بناء قطاعها المصرفي منفردة، ولا تملك احتياطياً مالياً كافياً لتمويل حاجاتها، تصبح حكماً أكثر اعتماداً على الخارج.
المطلوب إذاً ليس مواجهة صندوق النقد أو واشنطن بشعارات السيادة المالية، ولا التسليم الكامل بأي شروط خارجية، بل استعادة القدرة اللبنانية على التفاوض، التي تبدأ من استراتيجية مالية لبنانية واضحة: تحديد الخسائر بشفافية، حماية صغار المودعين، إعادة هيكلة المصارف، إصلاح المالية العامة، توسيع الاقتصاد المنتج، مكافحة التهرب الضريبي، وإقرار إطار مالي متوسط الأجل يحدد بوضوح أين تنفق الدولة أموالها ومن يدفع كلفة الإنقاذ.
عندها فقط يصبح السؤال: “من يرسم سياسة لبنان المالية؟” قابلاً لإجابة مختلفة.
أما اليوم، فالحقيقة الأكثر دقة هي أن الحكومة اللبنانية لا تزال تملك القلم، لكنها لم تعد تملك وحدها دفتر الشروط. وتزداد خطورة المشهد كلما تحولت الحاجة إلى التمويل الخارجي من وسيلة للخروج من الأزمة إلى عامل يحدد مسبقاً حدود القرار الاقتصادي والسياسي في بيروت.








