عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
من 2.834 مليون ليرة للصفيحة إلى السؤال الذي لا تجيب عنه الجداول: من يحدد ثمن كل ليرة يدفعها اللبناني عند المضخة؟
في لبنان، لا تحتاج الدولة إلى أن تفرض ضريبة جديدة كل صباح كي يشعر المواطن بثقلها. يكفي أن يذهب إلى محطة الوقود.
هناك، عند المضخة، تتحول حركة الأسعار العالمية إلى فاتورة لبنانية ثقيلة، ويتحول كل ارتفاع في سعر النفط أو الدولار أو كلفة النقل إلى اقتطاع جديد من جيب المواطن. وبينما تبدو صفيحة البنزين رقماً معلناً على لوحة المحطة، فإن ذلك الرقم يخفي وراءه سلسلة طويلة من الكلف والرسوم والهوامش والضرائب، بعضها معروف، وبعضها الآخر لا يظهر للمواطن بالتفصيل الذي يسمح له بأن يعيد احتساب السعر بنفسه.
في 22 أيلول 2026، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2,834,000 ليرة، والبنزين 98 أوكتان 2,852,000 ليرة، والمازوت 2,823,000 ليرة، والغاز 1,249,000 ليرة. وارتفعت الأسعار في ذلك الأسبوع 24 ألف ليرة للبنزين، و55 ألفاً للمازوت، و28 ألفاً للغاز.
الأرقام تصدر رسمياً، لكن السؤال ليس فقط: كم أصبح السعر؟
السؤال الأصعب هو: لماذا أصبح هذا هو السعر؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
ليست قصة برميل النفط
أول ما يجب تصحيحه في النقاش العام أن لبنان لا يسعّر البنزين ببساطة على أساس سعر برميل النفط الخام. لبنان يستورد المنتجات النفطية المكررة، ولذلك تعتمد آلية التسعير على أسعار المنتجات المكررة في الأسواق العالمية، ولا سيما المؤشرات المنشورة من مؤسسة «بلاتس».
وبحسب وزارة الطاقة والمياه، يشكل سعر المنتج المستورد وفق متوسط «بلاتس» الجزء الأكبر من كلفة السلعة، ويتجاوز 70 في المئة من كلفة المحروقات.
لكن هذا الرقم ليس نهاية الحساب، بل بدايته.
إلى سعر المنتج تضاف كلفة وصوله إلى لبنان: الشحن، التأمين، المصاريف المصرفية، والمصاريف المرتبطة بالاستيراد والتفريغ والتوزيع، ثم الرسوم والضرائب، وأجور النقل، وعمولات الموزعين وأصحاب المحطات، وأخيراً ضريبة القيمة المضافة.
أي أن الصفيحة ليست سلعة ذات سعر واحد، بل طبقات متراكمة فوق بعضها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الشفافية.
فليس كافياً أن يعرف المواطن أن «بلاتس» ارتفع أو انخفض. المطلوب أن يعرف كيف انتقل هذا التغيير من السوق العالمية إلى جيبه، وبأي توقيت، وبأي سعر صرف، وبعد إضافة أي كلفة وأي هامش.
الدولة تعرف… والمواطن لا يعرف بما يكفي
وزارة الطاقة لا تترك عملية الاستيراد بلا ضوابط. هناك إجراءات ومستندات وفحوص تتعلق بالكميات والنوعية والشحن والتفريغ والتخزين، ما يعني أن الدولة تملك، من حيث المبدأ، جزءاً كبيراً من البيانات اللازمة لإعادة تركيب الكلفة.
لكن امتلاك الدولة للمعلومة شيء، وإتاحتها للمواطن شيء آخر.
فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود معادلة سرية خلف الأبواب المغلقة، بل في أن المعادلة المنشورة لا تمنح المواطن دائماً كل التفاصيل التي تسمح له بأن يمسك آلة حاسبة ويصل إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها الوزارة.
وهذا فرق جوهري.
فالشفافية الحقيقية لا تعني نشر الرقم النهائي فقط، بل نشر بطاقة الكلفة كاملة.
كم كان سعر «بلاتس» في الفترة المعتمدة؟ ما متوسط الأيام المحتسب؟ كم بلغت الـPremium؟ كم دُفع فعلياً للشحن؟ كم بلغ التأمين؟ هل احتُسب تأمين مخاطر الحرب؟ كم بلغت المصاريف المصرفية؟ ما سعر الصرف المستخدم؟ وما الهامش الذي احتُسب للمستورد؟
هذه ليست أسراراً استراتيجية عندما يتعلق الأمر بسلعة يدفع ثمنها كل مواطن تقريباً.
هامش المستورد… والسؤال الذي يستحق جواباً
تظهر في التحليلات المنشورة حول آلية التسعير إشارة إلى هامش للمستورد يُحتسب بنسبة 5 في المئة من كلفة السلعة مع التأمين والشحن.
إذا كان هذا هو الأساس المعتمد، فالسؤال الطبيعي ليس اتهام المستوردين، ولا افتراض وجود مخالفة، بل طلب نشر المعادلة بوضوح، مع بيان الكلفة التي يُطبَّق عليها الهامش وكيفية احتسابها.
لأن النسبة وحدها لا تقول شيئاً إذا لم نعرف قاعدة الاحتساب.
والأمر نفسه ينطبق على كل بند آخر.
كلما كان الرقم النهائي كبيراً، يصبح الفارق بين «النسبة» و«القاعدة التي تطبق عليها النسبة» مالاً حقيقياً يخرج من جيب المواطن.
الدولة أيضاً شريك في الصفيحة
ومن أكثر الحقائق التي تستحق التوقف عندها أن الدولة ليست مجرد مراقب للسوق.
ففي شباط 2026 أُقر رسم إضافي قدره 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، في إطار تمويل زيادات رواتب القطاع العام.
وهذا الرسم ليس الضريبة الوحيدة.
ففي تفصيل منشور لسعر صفيحة البنزين 95 أوكتان في 18 أيلول 2026، بلغ سعر الصفيحة 2.810 مليون ليرة، فيما بلغت كلفة السلعة المستوردة نحو 1,987,700 ليرة، والرسوم والأعباء نحو 323,092 ليرة، وضريبة القيمة المضافة نحو 278,468 ليرة.
أي أن المواطن لا يدفع ثمن البنزين فقط. إنه يدفع أيضاً ثمن الدولة التي تقف فوق السلعة، وتحصّل من كل صفيحة رسوماً وضرائب مختلفة.
وهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل:
كم من ثمن الصفيحة هو ثمن البنزين فعلاً، وكم منه ثمن الدولة؟
والمحطة ليست المتهم الوحيد
في كل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات، تتجه أصابع الاتهام سريعاً إلى أصحاب المحطات.
لكن المحطة ليست وحدها التي تصنع السعر.
فلها عمولتها، نعم، كما للموزع والمستورد كلفهما وهوامشهما، لكن السعر النهائي نتيجة سلسلة كاملة تبدأ من السوق العالمية ولا تنتهي عند المضخة.
ولهذا فإن اختزال المشكلة في «جشع المحطات» أو «جشع التجار» يريح السلطة من السؤال الأصعب: ماذا يحدث بين سعر المنتج العالمي والسعر الذي يصل إلى المستهلك اللبناني؟
فإذا كانت كل حلقة في السلسلة مشروعة، فلتُكشف الأرقام.
وإذا كان كل شيء مضبوطاً بالقانون، فلا سبب لإخفاء التفاصيل.
أما أن يُطلب من المواطن أن يثق بالنتيجة من دون أن يرى الحساب، فهذه ليست شفافية، بل مطالبة بالثقة العمياء.
لماذا يبدو الارتفاع أسرع من الانخفاض؟
السؤال الأكثر حساسية هو ما يُعرف شعبياً بظاهرة «الصاروخ والريشة»: عندما يرتفع السعر العالمي، يرتفع السعر المحلي بسرعة، وعندما ينخفض، يبدو الانخفاض أبطأ.
وقد أظهرت تحليلات منشورة مقارنة بين حركة أسعار «بلاتس» وأسعار المحروقات في لبنان فروقات في سرعة انتقال الارتفاع والانخفاض.
لكن هذه الفروقات لا تكفي وحدها لإثبات وجود تلاعب.
فقد تدخل في الحسابات عوامل أخرى: متوسط الأسعار المعتمد، توقيت احتسابها، سعر الصرف، الشحن، التأمين، المخزون الموجود لدى المستوردين، والرسوم الثابتة أو شبه الثابتة.
ولهذا فإن الاتهام السهل ليس هو المطلوب.
المطلوب هو الحساب الصعب.
أي أن يُنشر، كل أسبوع، كشف واضح يشرح للمواطن لماذا ارتفعت الصفيحة أو انخفضت، وما الذي تغيّر في كل بند من بنودها.
الباب المغلق ليس دليلاً على فساد… لكنه ليس مبرراً أيضاً
ليس من الإنصاف القول إن كل غموض يعني فساداً.
لكن ليس من المقبول أيضاً أن يتحول غياب التفاصيل إلى حصانة دائمة أمام السؤال.
فالفساد يُثبت بالأدلة، لا بالشكوك. لكن الشفافية تُبنى قبل أن تظهر الشبهات، لا بعدها.
وعندما تكون المحروقات من أكثر السلع تأثيراً في النقل والإنتاج وأسعار الغذاء والخدمات، تصبح طريقة تسعيرها مسألة اقتصادية واجتماعية، وليست مجرد شأن إداري داخل وزارة.
المطلوب ليس معجزة.
مجرد جدول واحد، واضح وكامل، يمكنه أن ينهي نصف الجدل.
سعر «بلاتس».
الـPremium.
الشحن.
التأمين.
مخاطر الحرب.
المصاريف المصرفية.
التفريغ والتخزين.
هامش المستورد.
الرسوم والضرائب.
النقل.
عمولة الموزع والمحطة.
ضريبة القيمة المضافة.
ثم السعر النهائي.
عندها يستطيع المواطن أن يعرف إلى أين ذهبت كل ليرة دفعها.
وهنا فقط يصبح الحديث عن الشفافية جدياً.
فالمواطن اللبناني لا يطلب أن يحصل على البنزين مجاناً، ولا يطلب من الدولة أن تتحدى أسعار العالم.
إنه يطلب شيئاً أبسط بكثير: أن يعرف لماذا يدفع ما يدفعه.
لأن الصفيحة التي تكلفه ملايين الليرات ليست مجرد عشرين ليتراً من البنزين.
إنها عشرون ليتراً تحمل معها كلفة الاستيراد، وكلفة الدولة، وكلفة الضرائب، وكلفة السوق، وربما كلفة الغموض أيضاً.
ولذلك، قبل أن نسأل لماذا ارتفع سعر الصفيحة، يجب أن نسأل السؤال الذي لا يجوز أن يبقى خلف الأبواب:
من أخذ من جيب المواطن كل ليرة؟ ولماذا؟
لا تخفّضوا السعر إن كنتم لا تستطيعون…
لكن افتحوا الدفاتر.



