دعا إلى طاولة مستديرة تضم جميع المعنيين بالقطاع الصحي للتوصل إلى حلول متوازنة ومستدامة
جوزف فرح – سيدرز ريبورت
أكد رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة «أليج» للتأمين، محمد الهبري، أن قطاع التأمين في لبنان يؤدي دوراً أساسياً في حماية المواطنين وتأمين استمرارية التغطية الاستشفائية، مشيراً إلى أن شركات التأمين تسدد للمستشفيات ما يقارب نصف مليار دولار سنوياً.
وأوضح الهبري أن القطاع يواجه تحديات متراكمة منذ سنوات، بدءاً من الأزمة المالية والاقتصادية، مروراً بجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى التطورات الأمنية والاقتصادية الأخيرة وما رافقها من ارتفاع كبير في الكلفة.
وشدد على ضرورة تعزيز الملاءة المالية لشركات التأمين وإعادة رسملتها بصورة تدريجية ومدروسة، بالتوازي مع إطلاق حوار جدي بين مختلف الأطراف المعنية بالقطاع الصحي.
ودعا الهبري إلى عقد طاولة مستديرة تضم شركات التأمين والمستشفيات والأطباء وموردي المستلزمات الطبية والجهات الرسمية المعنية، بهدف مناقشة تطور الكلفة الاستشفائية ووضع آلية مستدامة تحقق التوازن بين حقوق المريض وقدرة المستشفيات على الاستمرار وقدرة شركات التأمين على توفير التغطية.
وفي ما يلي نص الحوار:
ما مدى قدرة قطاع التأمين على التحمل، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ العام 2019، والأحداث التي شهدها لبنان منذ انفجار مرفأ بيروت وصولاً إلى التطورات الأمنية الأخيرة في لبنان والمنطقة؟
منذ العام 2018، واجه قطاع التأمين سلسلة متواصلة من الأزمات والتحديات الاستثنائية. جاءت الأزمة المالية والمصرفية، ثم جائحة كورونا وما ترتب عليها من أعباء إضافية، وبعدها انفجار مرفأ بيروت وما خلّفه من أضرار وخسائر كبيرة تحمل قطاع التأمين مسؤولياته تجاهها وقام بتسديد التعويضات المستحقة وفقاً للعقود والتغطيات.
وفي الوقت نفسه، تعرضت شركات التأمين، شأنها شأن الأفراد والمؤسسات اللبنانية، لتداعيات الأزمة المصرفية وتجميد جزء كبير من أموالها وودائعها.
ورغم كل هذه الظروف، تمكّن القطاع من المحافظة على استمراريته والوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن لهم. وهذا أمر نفتخر به، لكنه لا يعني أن القطاع لم يتأثر بالأزمة.
اليوم نواجه تحدياً إضافياً يتمثل في التضخم والارتفاع الكبير في كلفة الاستشفاء والتصليح والخدمات المختلفة، بالتزامن مع تراجع شهية بعض معيدي التأمين تجاه السوق اللبنانية وارتفاع كلفة إعادة التأمين.
وتظهر نتائج الشركات أن بعض فروع التأمين، ولا سيما التأمين الصحي وتأمين السيارات، تتعرض لضغوط كبيرة على مستوى الربحية. لذلك، نحن أمام تحديات فعلية تتطلب معالجة جدية ومتوازنة.
أليس لديكم القدرة على تعويض هذه الخسائر من خلال تعديل الأسعار؟
المعادلة ليست بهذه البساطة. عندما ترتفع كلفة المستشفيات أو قطع غيار السيارات أو الخدمات الأخرى، تضطر شركات التأمين بطبيعة الحال إلى إعادة النظر في أسعارها.
لكننا ندرك في الوقت نفسه الظروف الاقتصادية التي يعيشها المواطن اللبناني، ولذلك نحاول قدر الإمكان الحد من انعكاس هذه الزيادات عليه.
نحن بالتأكيد لا نرغب في زيادة الأقساط لمجرد الزيادة، وإنما نضطر أحياناً إلى تعديلها نتيجة ارتفاع الكلفة الفعلية للمطالبات. المطلوب هو إيجاد توازن يسمح للشركة بالاستمرار في الوفاء بالتزاماتها، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرة المواطن على الحصول على التغطية التأمينية.
في ظل هذه الظروف، كيف تنظرون إلى مستقبل القطاع؟
القطاع أثبت قدرة كبيرة على الصمود والتكيف خلال السنوات الماضية، لكن استمرار الضغوط الحالية من دون معالجة شاملة قد يضعه أمام تحديات أكثر جدية.
نحن حريصون على العلاقة مع المستشفيات لأنها شريك أساسي في المنظومة الصحية، كما أننا حريصون على المؤمن لهم وعلى عدم تحميلهم أعباء مالية تفوق قدرتهم.
لكن في النهاية، يجب أن تبقى المعادلة قابلة للاستمرار. لا يمكن لشركة التأمين أن تتقاضى قسطاً مبنياً على مستوى معين من الكلفة ثم تجد نفسها أمام ارتفاع مستمر وغير متوقع في قيمة المطالبات.
لهذا السبب، نحن بحاجة إلى مقاربة مشتركة تحفظ استمرارية جميع الأطراف.
ما أهمية قطاع التأمين في المنظومة الصحية اللبنانية؟
قطاع التأمين يشكل إحدى شبكات الأمان الأساسية للمواطن اللبناني في موضوع الاستشفاء، خصوصاً في ظل الظروف الحالية.
شركات التأمين تدفع للمستشفيات سنوياً ما يقارب نصف مليار دولار، وهذا رقم يعكس حجم الدور الذي يقوم به القطاع في تمويل جزء مهم من الفاتورة الصحية.
لذلك فإن المحافظة على سلامة قطاع التأمين ليست مصلحة لشركات التأمين وحدها، بل هي مصلحة للمواطن وللمستشفيات وللقطاع الصحي ككل.
استدامة شركات التأمين والمستشفيات مترابطة، وأي ضعف جوهري يصيب أحد مكونات هذه المنظومة سينعكس حكماً على المكونات الأخرى.
هل يمكن أن تشكل عمليات الدمج بين شركات التأمين جزءاً من الحل؟
عمليات الدمج والاستحواذ هي من الخيارات الطبيعية الموجودة في قطاع التأمين عالمياً، وقد تكون مناسبة لبعض الشركات بحسب أوضاعها واستراتيجياتها.
لكن الأهم بالنسبة إلينا ليس تحديد عدد معين من الشركات العاملة في السوق، بل تعزيز متانة القطاع وملاءته المالية وقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن لهم.
الهدف يجب أن يكون وجود قطاع قوي ومستقر وقادر على مواجهة المخاطر والتحديات المستقبلية، سواء اختارت الشركات الاستمرار بصورة مستقلة أو الدخول في عمليات اندماج أو شراكات وفقاً لاستراتيجياتها وظروف السوق.
هل تتخوفون من أن يواجه قطاع التأمين مصيراً مشابهاً لما شهده القطاع المصرفي؟
الوضع مختلف. الأزمة المصرفية انعكست بالفعل على شركات التأمين، لأن جزءاً من أموال الشركات كان مودعاً في المصارف، وبالتالي تكبد القطاع خسائر نتيجة الأزمة المالية والمصرفية.
لكن شركات التأمين قامت بتسجيل هذه الخسائر والتعامل معها، واستمرت في ممارسة أعمالها والوفاء بالتزاماتها.
اليوم يجب التركيز على تعزيز رسملة الشركات وملاءتها المالية بما يتناسب مع حجم المخاطر التي تتحملها ومع المتطلبات الحديثة لصناعة التأمين.
هل تؤيدون توجه وزير الاقتصاد لرفع رساميل شركات التأمين؟
نحن نؤيد مبدأ إعادة رسملة شركات التأمين وتعزيز ملاءتها المالية، لأن وجود شركات تتمتع بقاعدة رأسمالية قوية يصب في مصلحة المؤمن لهم والقطاع ككل.
لكننا نرى في الوقت نفسه أن تطبيق أي متطلبات جديدة يجب أن يكون مدروساً وتدريجياً، وأن يتم بالتشاور بين الوزارة والجهات المعنية بالقطاع.
يمكن، على سبيل المثال، وضع خطة مرحلية لرفع الرساميل على مدى عدة سنوات، بما يمنح الشركات الوقت الكافي للتكيف مع المتطلبات الجديدة من دون إحداث اضطرابات غير ضرورية في السوق.
ونحن على ثقة بأن وزير الاقتصاد يدرك خصوصية القطاع والظروف التي مر بها، ولذلك نتطلع إلى استمرار الحوار والتعاون للوصول إلى الصيغة التي تعزز القطاع وتحمي استقراره.
تحدث وزير الاقتصاد عن استراتيجية جديدة لقطاع التأمين. كيف تنظرون إليها؟
نحن نرحب بأي استراتيجية تهدف إلى تطوير قطاع التأمين وتعزيز قدرته المالية والتنظيمية.
المهم بالنسبة إلينا أن يكون هناك حوار دائم بين الوزارة والقطاع، وأن تتم مناقشة الأفكار والإجراءات قبل تطبيقها، لأن التعاون بين الجهات الرقابية والشركات هو السبيل الأفضل للوصول إلى قرارات قابلة للتطبيق وتحقق الهدف المطلوب.
نحن مع الإصلاح ومع تقوية القطاع، ونرى أن التشاور بين جميع المعنيين يشكل جزءاً أساسياً من نجاح أي خطة إصلاحية.
بعض شركات التأمين تطالب بتوسيع نطاق التأمين الإلزامي، ولا سيما التأمين الصحي للقطاع الخاص. هل تؤيدون ذلك؟
من حيث المبدأ، يمكن للتأمين الإلزامي، إذا تمت دراسته وتنظيمه بطريقة صحيحة، أن يحقق فائدة اجتماعية واقتصادية مهمة.
هناك مجالات عديدة يمكن دراسة توسيع التأمين الإلزامي فيها، مثل الاستشفاء والسيارات وبعض الأخطار الكبرى كالحريق والكوارث الطبيعية.
توسيع قاعدة المؤمن لهم يمكن أن يساهم في توزيع المخاطر بصورة أفضل، كما يمكن للقطاع الخاص أن يخفف جزءاً من الأعباء التي تتحملها الدولة.
لكن أي خطوة من هذا النوع تحتاج إلى دراسة متكاملة تأخذ في الاعتبار قدرة المواطنين على تحمل الكلفة ونوعية التغطية المطلوبة وآليات الرقابة والتنفيذ.
ما رأيكم بطلب نقيب المستشفيات زيادة الأسعار بنسبة 25%؟
نحن نتفهم الضغوط التي تواجهها المستشفيات. لديهم ارتفاع في كلفة الطاقة والأجور والمستلزمات الطبية والتجهيزات وغيرها، وهذه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها.
لكن شركات التأمين تواجه بدورها ارتفاعاً كبيراً في الكلفة التشغيلية وكلفة المطالبات وإعادة التأمين.
لذلك، لا يمكن معالجة المشكلة من زاوية طرف واحد فقط. المطلوب أن ننظر إلى كامل المنظومة الصحية وأن نعرف بصورة دقيقة كيف تطورت الكلفة وأسباب هذه الزيادة.
لكن المستشفيات تقول إن ما تتقاضاه حالياً لا يزال أقل مما كانت تتقاضاه قبل الأزمة.
نحن لا ننكر أن المستشفيات والأطباء تحملوا بدورهم أعباء كبيرة خلال الأزمة، ولا نقول إن مطالبهم غير مبررة بمجرد طرحها.
لكن في المقابل، شهدنا ارتفاعاً كبيراً جداً في كلفة بعض الإجراءات الطبية مقارنة بما كانت عليه سابقاً.
على سبيل المثال، هناك عمليات وإجراءات طبية ارتفعت تكلفتها بشكل ملحوظ نتيجة تطور التقنيات المستخدمة وارتفاع أسعار المعدات والمستلزمات واعتماد تقنيات حديثة، بما فيها الجراحة الروبوتية في بعض الحالات
لذلك، المطلوب ليس تبادل الاتهامات، وإنما فهم مكونات الكلفة بشفافية وتحديد ما هو مبرر طبياً واقتصادياً، وما يمكن لجميع الأطراف تحمله.
ما هو الحل برأيكم؟
الحل هو الحوار والشفافية.
أدعو إلى عقد طاولة مستديرة تجمع جميع المعنيين: شركات التأمين، المستشفيات، الأطباء، موردي المستلزمات الطبية، وزارة الاقتصاد، وزارة الصحة والجهات المعنية بالدواء.
يجب أن نضع الأرقام على الطاولة ونناقشها بشفافية: كم تبلغ الكلفة الحقيقية؟ ما أسباب ارتفاعها؟ ما الذي تستطيع المستشفيات تحمله؟ ما الذي تستطيع شركات التأمين تحمله؟ وما الذي يمكن للمواطن تحمله؟
لا يمكن حل مشكلة بهذا الحجم من خلال نقل العبء من طرف إلى آخر.
هل سبق أن دعوتم إلى مثل هذا الحوار؟
نعم، سبق أن دعونا مراراً إلى حوار شامل بين جميع الأطراف، ونأمل أن تلقى هذه الدعوة تجاوباً جدياً.
وأعتقد أن من المفيد أن يكون النقاش واضحاً وشفافاً، وأن يعرض كل طرف الأرقام والمعطيات التي يستند إليها.
في النهاية، نحن نتحدث عن صحة الإنسان، وهي أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر. وبالتالي، لدينا جميعاً مسؤولية مشتركة للوصول إلى نموذج صحي قابل للاستمرار.
هناك من يقترح تحميل الزيادة في الكلفة مباشرة إلى المؤمن له. ما رأيكم؟
تحميل المؤمن له كامل الزيادة ليس حلاً مستداماً بحد ذاته، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
قد يتحمل المؤمن له جزءاً من الكلفة ضمن آليات واضحة ومدروسة، لكن الحل الحقيقي يجب أن يكون أشمل، وأن يقوم على توزيع عادل للأعباء وعلى ضبط الكلفة ورفع مستوى الشفافية.
لهذا السبب أعود وأشدد على أهمية الطاولة المستديرة. يجب ألا يكون النقاش بين شركات التأمين والمستشفيات فقط، وإنما بين جميع مكونات القطاع الصحي.
هل تؤثر التطورات في مضيق هرمز وباب المندب وسلاسل الإمداد على قطاع التأمين؟
بالتأكيد، فأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن ينعكس على كلفة السلع والمستلزمات المستوردة وعلى الشحن والنقل.
في قطاع السيارات، على سبيل المثال، يؤدي ارتفاع أسعار قطع الغيار وكلفة الشحن إلى زيادة كلفة المطالبات مقارنة بالتقديرات التي بني عليها تسعير الوثيقة.
والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على المستلزمات والمعدات الطبية المستوردة. لذلك فإن المتغيرات الإقليمية والعالمية تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على كلفة التأمين.
هل تراجع عدد المؤمن لهم نتيجة ارتفاع الأسعار؟
الظروف الاقتصادية وارتفاع الكلفة يضعان ضغوطاً كبيرة على القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا ينعكس بطبيعة الحال على سوق التأمين.
وفي المقابل، تواجه الشركات ارتفاعاً في قيمة المطالبات والكلفة التشغيلية وغيرها من الأعباء.
لذلك نرى أن المرحلة الحالية تتطلب المحافظة على التوازن بين متانة شركات التأمين وحماية المؤمن لهم واستمرارية المؤسسات الصحية.
كما نأمل ألا يتم تحميل القطاع أعباء ضريبية إضافية من شأنها أن تزيد الضغوط عليه أو تنعكس في نهاية المطاف على كلفة التأمين بالنسبة إلى المواطن.
ما نطالب به في النهاية ليس امتيازات لقطاع التأمين، بل توفير البيئة التي تسمح له بالاستمرار في أداء دوره والوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن لهم. قوة قطاع التأمين هي جزء أساسي من قوة واستدامة المنظومة الصحية والاقتصادية في لبنان








