تتحرك البنوك المركزية الكبرى حول العالم، بصورة متزامنة إلى حد كبير، نحو تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة.
ووفقا لتقرير نشره موقع “أكسيوس”، تعكس الخطوة ضغوطًا اقتصادية عالمية مشتركة تواجه أكبر الاقتصادات المتقدمة، وتدفع باتجاه مرحلة جديدة من ارتفاع تكلفة الاقتراض وتشديد شروط الائتمان.
وشهدت الأيام الأخيرة تحركات متقاربة من بنك اليابان، والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، بينما يضيف التوسع العالمي في استثمارات الذكاء الاصطناعي وارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي مزيدًا من الطلب على رأس المال. وتشير هذه التطورات إلى أن تشديد السياسة النقدية لم يعد ظاهرة مرتبطة باقتصاد بعينه، وإنما أصبح جزءًا من استجابة أوسع لضغوط تتجاوز الحدود الوطنية.
تحركات متزامنة
ورفع بنك اليابان سعر الفائدة المستهدف إلى 1.25% من 1%، ليصل سعر الفائدة الياباني إلى أعلى مستوى له منذ 31 عامًا، رغم بقائه منخفضًا مقارنة بالمستويات السائدة في اقتصادات كبرى أخرى.
ويأتي تحرك بنك اليابان بعد رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة الأربعاء، وبعد تحرك البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي، في سلسلة من القرارات التي تعكس، بدرجات مختلفة، ضغوطًا اقتصادية مشتركة تواجه الاقتصادات المتقدمة.
ويشكل ارتفاع أسعار الطاقة تحديًا إضافيًا للبنوك المركزية، إذ يضيف إلى الضغوط التضخمية في وقت تحاول فيه السلطات النقدية موازنة الحاجة إلى كبح الأسعار مع تجنب إلحاق ضرر كبير بالنشاط الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، يشهد العالم توسعًا كبيرًا في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع ارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي. وتعني هذه التطورات أن الطلب على رأس المال قد يظل مرتفعًا، وهو ما قد يجعل أسعار الفائدة الأعلى ضرورية لتحقيق توازن بين العرض والطلب على رأس المال.
تحركات ليست عشوائية
ورغم أن كل بنك مركزي يتخذ قراراته بناءً على ظروف الاقتصاد المحلي والتفويض الممنوح له، فإن تحرك البنوك المركزية الكبرى في الاتجاه نفسه يوفر، وفق هذا المنظور، قدرًا من الأمان والاستقرار للنظام المالي العالمي.
وتتمثل إحدى أهم فوائد التحرك المتقارب في الحد من التقلبات الحادة في أسعار العملات، وكذلك الحد من التدفقات غير المنظمة لرؤوس الأموال التي قد تحدث عندما يتجه بنك مركزي إلى تشديد سياسته النقدية بينما يتحرك بنك مركزي آخر في الاتجاه المعاكس.
فعندما تتحرك الاقتصادات الكبرى بصورة متقاربة، تصبح احتمالات حدوث تحولات مفاجئة في تدفقات رؤوس الأموال أو اضطرابات كبيرة في أسواق العملات أقل حدة نسبيًا. لكن هذا لا يعني أن البنوك المركزية تنسق قراراتها بصورة مباشرة أو أنها تتبع سياسة نقدية موحدة. فلكل بنك مركزي حساباته الخاصة. ومع ذلك، فإن كبار مسؤولي البنوك المركزية يعقدون اجتماعات ومناقشات دورية حول التطورات الاقتصادية العالمية.
وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، قال خلال مؤتمره الصحفي الأربعاء أن معظم الاقتصادات المتقدمة تواجه ضغوطًا على الأسعار. وأضاف أن قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية لا يؤثر في الاقتصاد الأمريكي وحده، وإنما يمتد تأثيره إلى بقية العالم. وأوضح وورش أن البنوك المركزية الأجنبية تواجه بدورها ارتفاعًا في الأسعار، وعندما تختار رفع أسعار الفائدة، فإنها تساهم في كبح التضخم داخل اقتصاداتها.
تشديد ائتماني يتجاوز الحدود
ومع تحرك بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي في اتجاه أكثر تشددًا، تبدو السياسة النقدية العالمية أمام مرحلة تتداخل فيها العوامل المحلية مع الضغوط الدولية بصورة متزايدة. فارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط التضخمية، والإنفاق الحكومي المرتفع، إلى جانب موجة الاستثمار الضخمة في الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل ترفع أهمية تكلفة رأس المال في الاقتصاد العالمي.
وتنبع أهمية التطورات من أنها تشير إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من تشديد الائتمان وارتفاع تكلفة رأس المال، في ظل تحرك البنوك المركزية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى أوروبا واليابان، نحو أسعار فائدة أعلى لمواجهة ضغوط التضخم. ومع تحرك الاقتصادات الكبرى في الاتجاه نفسه، قد تمتد تداعيات هذه السياسة إلى أسواق العملات والسندات والأسهم وتدفقات رؤوس الأموال وتكلفة تمويل الحكومات والشركات، ما يجعل التطور يتجاوز كونه سلسلة قرارات منفصلة بشأن أسعار الفائدة إلى تحول أوسع في البيئة المالية العالمية.



