عقد في السرايا احتفال توقيع عقود مشاريع ومذكرات تفاهم برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، بعنوان “طرابلس: شراكات استراتيجية، مستقبل استثماري وتنمية مستدامة”، بتنظيم من المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومصلحة استثمار مرفأ طرابلس، والمؤسسة العامة للسكك الحديد والنقل المشترك
حضر الاحتفال نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، وزراء الثقافة غسان سلامة،الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، والطاقة والمياه جوزف صدي، الشؤون الاجتماعية حنين السيد، التربية والتعليم العالي ريما كرامي، شؤون التنمية الادارية فادي مكي والامين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكيه ، وعدد من النواب وسفراء عرب وأجانب اضافة إلى شخصيات اقتصادية ومعنيين.
وكانت كلمة للرئيس سلام كلمة قال فيها: “أصحاب المعالي، أصحاب السعادة، السيدات والسادة، يسعدني أن نلتقي اليوم في السراي الكبير، في مناسبة تجمع مصلحة استثمار مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومصلحة السكك الحديد والنقل المشترك، حول مشاريع واتفاقيات تندرج في صلب رؤيتنا لمستقبل طرابلس والشمال وعكار، ولمستقبل الاقتصاد اللبناني كله. عندما زرت طرابلس، قلت إن المدينة، ومعها الشمال وعكار، عانت طويلا من الفرص الضائعة والمشاريع المتأخرة والوعود غير المنفذة. وقلت إن الوقت حان للانتقال من الوعود إلى العمل، ومن إدارة التراجع إلى بناء فرص جديدة للنمو والاستثمار. وما نجتمع من أجله اليوم هو خطوة عملية في هذا الاتجاه.شكلت طرابلس، بحكم موقعها وتاريخها، نقطة التقاء بين شرق المتوسط وعمقه البري، وكان مرفؤها صلة وصل بين البحر والداخل، فيما شكلت السكك الحديدية جزءا من هذه الصلة. صحيح أن الحروب والأزمات والإهمال عطلت كثيرا من هذه المقومات، لكن الجغرافيا لم تتغير”.
أضاف: “السؤال اليوم ليس إن كانت طرابلس قادرة على استعادة دورها، بل كيف نحول موقعها ومرفأها وطاقاتها البشرية ومنطقتها الاقتصادية ومطار القليعات وشبكات النقل إلى قوة اقتصادية فعلية. الجواب يبدأ من الشراكة والتكامل. فالمرفأ والمنطقة الاقتصادية والسكك الحديدية يجب أن تعمل كمنظومة واحدة، لا كمؤسسات منفصلة. المرفأ يفتح الطريق إلى الأسواق، والمنطقة الاقتصادية تحول التجارة إلى استثمار وإنتاج وقيمة مضافة، فيما تخفض السكك وشبكات النقل كلفة الحركة وتوسع نطاقها. وبدلا من أن نقدم للمستثمر ملفات متفرقة، علينا أن نقدم له فرصة استثمارية متكاملة، ضمن رؤية واضحة ومؤسسات منسقة. هذه الشراكة تشمل أيضا الهيئات المهنية والاقتصادية ومجتمع الأعمال، بما توفره من خبرات هندسية وقانونية واقتصادية ضرورية لنجاح المشاريع، ولتأمين بيئة استثمارية قائمة على الوضوح والثقة”.
تابع: “رؤيتنا هي بناء منظومة لوجستية تجمع البحر والبر والجو: مرفأ قادر على خدمة التجارة والاستيراد والتصدير، ومنطقة اقتصادية خاصة تستقطب الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، وسكك وطرق تربطها بالداخل والمعابر الحدودية، ومطار في القليعات يفتح نافذة إضافية للشمال وعكار على لبنان والعالم. وإذا نجحنا في ربط هذه العناصر ضمن منظومة فعالة، تستطيع طرابلس أن تعزز موقعها كمنفذ متوسطي للتجارة، وأن تكون جاهزة للاستفادة من أي تطور مستقبلي في حركة التجارة والممرات البرية نحو محيط لبنان والأسواق الإقليمية. لكن الغاية ليست إقامة بنى تحتية لمجرد إقامتها. الغاية هي خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد. فكل زيادة في حركة المرفأ، وكل استثمار في المنطقة الاقتصادية، وكل تحسن في شبكات النقل، يعني فرصا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وللخدمات اللوجستية والتقنية، وللمنتجين والمزارعين في الشمال وعكار. ويعني، قبل كل شيء، أن يجد الشباب فرصة لبناء مستقبلهم هنا، بدلا من أن يكون البحث عن فرصة في الخارج هو الخيار الوحيد أمامهم. هذا ليس مشروعا مناطقيا. هو ينطلق من طرابلس والشمال وعكار، لكنه يخدم لبنان كله. فالإنماء المتوازن لا يعني توزيع المشاريع وفق حسابات مناطقية، بل تمكين كل منطقة من الاستفادة من ميزاتها وربطها بالاقتصاد الوطني. حين نطور مرفأ طرابلس، ونعزز شبكات النقل، ونفعل المنطقة الاقتصادية، ونشغل مطار القليعات، فإننا نوسع خيارات المنتج والمصنع والمصدر في كل لبنان. فحين تنمو طرابلس، ينمو لبنان معها”.
وقال:”أيها السيدات والسادة، هذه ليست رؤية على الورق فحسب. في مرفأ طرابلس، عينا مجلس إدارة جديدا وبدأنا العمل على رؤية استراتيجية لتطويره، بالتوازي مع تحديث البنى والخدمات والرقمنة. وفي المنطقة الاقتصادية الخاصة، أعدنا تفعيل الهيئة ومجلس إدارتها، ووضعنا المشروع على مسار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبدأنا تطوير نظام التراخيص والشباك الواحد. وفي السكك الحديد، تم تلزيم الاستشارة لمراجعة وتحديث تصميم خط طرابلس–العبودية على الحدود اللبنانية السورية، في خطوة تنقل المشروع من الفكرة إلى الدراسة الحديثة التي تسمح بتحديد الجدوى والكلفة ومراحل التنفيذ. وفي القليعات، انتقل مشروع مطار الرئيس رينيه معوض إلى التنفيذ الفعلي، وتقدمت أعمال التأهيل استعدادا للتشغيل. كما أعدنا إطلاق مسار تفعيل معرض الرئيس الشهيد رشيد كرامي الدولي، ليستعيد دوره الاقتصادي والاستثماري والثقافي. أي أننا لا نتحدث عن رؤية نريد أن تبدأ، بل عن رؤية بدأت. والمعيار بالنسبة إلينا يبقى التنفيذ: مشاريع قابلة للتمويل، وإجراءات شفافة، وتراخيص واضحة، ومؤسسات تلتزم القانون والعقود والمواعيد. فالثقة لا تستعاد ببيان، بل تبنى بالتراكم: قرارا صحيحا بعد قرار، وإصلاحا بعد إصلاح، ومشروعا موثوقا بعد مشروع. ولا يمكن لهذه الرؤية أن تتحقق من دون الشراكة مع القطاع الخاص اللبناني، الذي حافظ، رغم كل الأزمات، على مؤسساته وفرص العمل وصلات لبنان بالأسواق والعالم”.
ختم:”دور الدولة ليس أن تحل محل القطاع الخاص أو تنافسه، بل أن تضع القواعد، وتطور البنى التحتية، وتضمن الشفافية والمنافسة، وتحمي الحقوق. أما الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، فتحتاج إلى قطاع خاص قادر على المبادرة والاستثمار. لقد كانت طرابلس، بحكم تاريخها وموقعها، بوابة رئيسية للبنان إلى محيطه. لكننا لا نريد أن نستعيد أمجاد الماضي فقط، بل أن نبني دور طرابلس في اقتصاد المستقبل. وما نوقعه اليوم خطوة جديدة: من المشاريع المنفصلة إلى منظومة متكاملة، ومن الخطط إلى التنفيذ، ومن الإمكانات إلى فرص حقيقية للنمو والعمل. فحين تنمو طرابلس، ينمو لبنان معها. هذا هو رهاننا على طرابلس، وهذا هو رهاننا على لبنان”.

رسامني
وألقى الوزير رسامني كلمة جاء فيها: “طرابلس أمام مرحلة جديدة.
لسنوات، كانت إمكانات هذه المدينة أكبر من الاهتمام الذي أعطي لها. واليوم، نحن أمام فرصة حقيقية لتغيير هذه المعادلة. فمرفأ طرابلس يملك ما لا يمكن إنشاؤه بقرار: الموقع. موقع استراتيجي على شرق البحر المتوسط، قريب من المشرق العربي والأسواق الإقليمية، ومياه تؤهله للتطور كمرفأ للمياه العميقة. أما ما يمكننا أن نصنعه، فهو البنية التحتية، والربط، والخدمات، والإدارة، والبيئة التي تجذب الاستثمار. وهذه مسؤوليتنا.
دولة الرئيس، بدعم فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وبقيادتكم للحكومة، نحن نريد أن ننتقل بمرفأ طرابلس من محطة محلية لمناولة البضائع إلى مركز لوجستي إقليمي على شرق البحر المتوسط. ولهذا، ما يحصل اليوم مهم. للمرة الأولى بهذا المستوى، تعمل المؤسسات المعنية في الشمال ضمن رؤية مشتركة: مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومؤسسة سكك الحديد والنقل المشترك، ومعها الوزارات المعنية. وهذا التعاون ليس نظريا”.
أضاف: “مرفأ طرابلس يساهم في تمويل تحديث دراسة خط سكة الحديد من المرفأ إلى الحدود السورية، كما يساهم في تمويل دراسة الإطار القانوني والتنظيمي ونظام التراخيص للمنطقة الاقتصادية الخاصة. وهذه بالنسبة إلينا شراكة فعلية، لا مجرد تنسيق بين مؤسسات. واللافت اليوم أن مؤسسة عامة تمول مشاريع تتجاوز نطاقها المباشر، لأنها تنظر إلى المصلحة الاقتصادية الأوسع، لا إلى حدودها الإدارية فقط. هذا نموذج نريد أن نراه أكثر في الدولة: مؤسسات تتشارك الموارد والمسؤولية عندما يكون الهدف واحدا”.
تابع:” الأهم من الرؤية هو التنفيذ ومرفأ طرابلس أمامه، خلال السنوات الثلاث المقبلة، نحو عشرين مشروعا تطويريًا. لن أدخل في تفاصيلها كلها، لكنني أريد أن أتوقف عند ما يبين حجم التحول الذي نتحدث عنه. هناك باحة حديثة للكشف الجمركي قيد الإنشاء، وفق أعلى المواصفات وهناك مناقصة قريبة لإنشاء مستودعات حديثة، من بينها مستودعات مبردة، بما يوسع نطاق الخدمات التي يستطيع المرفأ تقديمها ويعمل المرفأ على اعتماد Port Community System، لننتقل إلى مرفأ أكثر رقمنة وسرعة وشفافية في إجراءاته أما التحول الأكبر، فهو في قدرة المرفأ على مناولة الحاويات”.
أضاف:” توسعة المحطة الحالية سترفع طاقتها الاستيعابية القصوى من نحو 250 ألفا إلى نحو 800 ألف حاوية نمطية سنويا. وقد فضت العروض، ومرفأ طرابلس يتجه إلى إصدار قرار التلزيم خلال الأسابيع المقبلة. وبالتوازي، يحضر المرفأ للمرحلة التالية من توسعة محطات الحاويات، بما يرفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية، وفق الخطة التوجيهية، إلى أكثر من 1.8 مليون حاوية نمطية من 250 ألفا اليوم إلى أكثر من 1.8 مليون. هذا ليس تعديلا في قدرة المرفأ. هذا تغيير في حجمه ودوره.
وهو أيضا رسالة إلى السوق لأن القدرة الإضافية تعني مجالا لخطوط ملاحية جديدة، ولمشغلين جدد، ولرؤوس أموال جديدة، ولخدمات لوجستية وصناعية تنشأ حول حركة المرفأ. لكن زيادة القدرة داخل المرفأ لا تكفي إذا توقفت البضاعة عند بوابته.
وهنا تأتي سكة الحديد. الأولوية التي نعمل عليها هي ربط مرفأ طرابلس بالحدود السورية عبر العبودية، ومنها باتجاه حمص والشبكة الحديدية السورية. وقد اتفقنا مع وزير النقل السوري الدكتور يعرب بدر على تشكيل فريق فني لبناني–سوري مشترك. ويبدأ العمل بمراجعة الدراسات الموجودة وتحديثها، ودراسة المسارات والاحتياجات الفنية وحركة النقل المتوقعة، قبل الانتقال إلى متطلبات التنفيذ والتمويل والهدف أبعد من الحدود اللبنانية–السورية”.
تابع :”إذا استطعنا ربط مرفأ طرابلس بالشبكة السورية، ومنها بشبكات النقل باتجاه العراق والأردن والخليج وتركيا، فإننا نفتح أمام المرفأ سوقا أكبر بكثير من السوق اللبنانية وهنا تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد. البحر من جهة، والعمق الإقليمي من جهة أخرى، وطرابلس بينهما.
السيدات والسادة، إلى المستثمرين الموجودين معنا اليوم، أريد أن أقول شيئا بسيطا: ضعوا طرابلس على راداركم.
ليس لأننا نطلب منكم أن تراهنوا على وعود بل لأن أمامكم مشاريع فعلية وفرصا قابلة للقياس. هناك مرفأ يرفع قدرته الاستيعابية، هناك منطقة اقتصادية خاصة نعمل على استكمال الإطار الذي يسمح لها باستقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية، وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة، هناك مشروع ربط سككي يعاد تحريكه وهناك مطار القليعات الذي يضيف إلى الشمال قدرة أخرى في حركة الأشخاص والبضائع وهناك، قبل كل ذلك، موقع جغرافي لا يمكن نقله أو استنساخه. المطلوب الآن هو أن نستثمر في هذا الموقع قبل أن ترسم التحولات الاقتصادية في المنطقة مساراتها من دوننا”.
وقال:”هناك أيضا بعد آخر لهذا المشروع لا يقل أهمية. لفترة طويلة، كان السؤال عندما نتحدث عن طرابلس والشمال: ماذا يحتاج الشمال من الدولة؟ اليوم، يجب أن نضيف سؤالا آخر: ماذا يستطيع الشمال أن يضيف إلى اقتصاد الدولة؟
هذا التحول مهم. طرابلس ليست فقط مدينة تحتاج إلى التنمية، بل مدينة قادرة على إنتاجها.
ولهذا، لن نقيس نجاح المرفأ بعدد الحاويات وحده، بل بالاستثمارات التي يستقطبها، والأعمال التي يولدها، والأسواق التي يفتحها، وفرص العمل التي يخلقها.
هكذا يتحول المرفأ من مرفق للنقل إلى محرك للاقتصاد.
وأتوجه هنا بالشكر إلى دولة الرئيس على دعمه لهذا المسار، وإلى زملائي وزراء الاقتصاد والمالية والصناعة، وإلى كل الوزارات والمؤسسات التي تعمل معنا. كما أشكر مجلس إدارة مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومؤسسة سكك الحديد والنقل المشترك، والفرق الفنية والإدارية التي تعمل على نقل هذه المشاريع من الدراسة إلى التنفيذ”.
ختم: “هدفنا أن تستعيد طرابلس دورها، وأن نترجم إمكاناتها إلى استثمار ونمو وفرص لأن نجاح طرابلس هو نجاح للبنان كله وطرابلس لكل لبنان”.




