بدأت أزمة المناخ تفرض نفسها على واحدة من أشهر علامات المطبخ الفرنسي، بعدما أدى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع المراعي ونقص الأعلاف، ما دفع السلطات إلى تخفيف بعض قواعد إنتاج الأجبان التراثية.
بدأت أزمة المناخ تفرض نفسها على واحدة من أشهر علامات المطبخ الفرنسي، بعدما أدى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع المراعي ونقص الأعلاف، ما دفع السلطات إلى تخفيف بعض قواعد إنتاج الأجبان التراثية.
ويواجه منتجو أجبان «كونتيه» و«بوفور» و«أبوندانس» تحديًا غير معتاد للحفاظ على الإنتاج، في وقت تهدد فيه الظروف المناخية بتغيير الظروف الطبيعية التي منحت هذه الأجبان طابعها المميز لعقود طويلة.
وأعلنت السلطات الفرنسية عن التخفيف المؤقت للقواعد الإنتاجية الصارمة المفروضة على بعض أشهر أنواع الأجبان التراثية في البلاد في أعقاب موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة القياسية التي أدت إلى جفاف المراعي وتجريدها من الغطاء النباتي، مما وضع أنشطة منتجي الألبان التقليديين ومصادر رزقهم تحت تهديد مباشر.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، تأتي هذه الخطوات استجابة للأزمة التي طالت جبال جورا وجبال الألب الفرنسية، حيث حذّر المزارعون من أن المروج التي كانت تعج بالخضرة والنماء تحولت إلى أراضٍ صفراء جافة وقاحلة.
الأجبان المشمولة

وشمل الإجراء تخفيف الاشتراطات لجبن “كونتيه” (Comté)، وهو جبن صلب مصنوع من الحليب الخام في جبال جورا ويُعد الأكثر مبيعاً بين الأجبان التقليدية في فرنسا بإنتاج تجاوز 62,000 طن العام الماضي. كما امتد التسهيل ليشمل جبني “بوفور” (Beaufort) و”أبوندانس” (Abondance) اللذين يُنتجان من حليب الأبقار التي ترعى في مرتفعات الألب.
تحمل الأجبان الثلاثة علامة التسمية المحمية للمبدأ “AOP” (appellation d’origine protégée)، وهي تسمية رسمية تدل على جودة المنتج وأصالته وتفرض الالتزام بنظام غذائي محدد للحيوانات ومناطق رعي صارمة للحفاظ على الأساليب التقليدية. إلا أن أزمة الجفاف التي ضربت نحو 95% من أراضي فرنسا الرئيسية خلال شهر تموز الماضي أجبرت السلطات على فتح المجال أمام المنتجين لتزويد الأبقار بمكملات غذائية وأعلاف وحبوب إضافية جُلبت من مناطق أخرى لتعويض النقص الحاد في الكلوة.
من جانبه، أوضح المعهد الوطني للمنشأ والجودة (INAO)، وهو الهيئة الحكومية المعنية بإدارة وتطبيق قواعد المنتجات الغذائية التقليدية، في تصريحات لوكالة فرانس برس أنه يستعد لمنح استثناءات وتسهيلات مؤقتة لمصنّعي أنواع أخرى من الأجبان، بما في ذلك “ربلوشون” (Reblochon)، و”كانتال” (Cantal)، و”بلو دوفرن” (Bleu d’Auvergne)، و”فورم دامبير” (Fourme d’Ambert)، واصفاً موجة الجفاف الحالية بـ “التاريخية”.

أزمة الجفاف
وتأتي هذه التطورات في وقت تصبح فيه أزمات الجفاف أكثر تكراراً وشدة في أجزاء مختلفة من العالم، ولا سيما أوروبا التي تُعد أسرع قارات العالم تأثراً بالارتفاع الحراري الناجم عن أزمة المناخ.
وتشكل الأجبان الفرنسية مصدراً للفخر الوطني وركناً أساسياً في الهوية والثقافة والاقتصاد المحلي للمناطق الريفية.
وفي شهادته، قال هوبرت جينتي، وهو مزارع منتج لجبن “نوفشاتيل” (Neufchâtel) في منطقة ريشمونت بنورماندي: “لم يعد هناك أي عشب ليؤكل، لقد احترق تماماً ولم تعد له أي قيمة غذائية”. وأضاف أن إنتاج الأبقار للحليب تراجع بشكل ملحوظ، مما انعكس سلباً على عمليات تصنيع الجبن.
من جانبها، أكدت زوجته أنجيليك، التي تقوم بتصنيع هذا الجبن ذي الشكل القلبي يدوياً في المزرعة، أنها كانت تنتج عادة ما بين 600 إلى 700 قطعة جبن يومياً في مثل هذا الوقت من العام، لكن الرقم انخفض حالياً إلى حدود 400 إلى 450 قطعة فقط بسبب تدني محصول الحليب، مؤكدة أنها تواجه صعوبة بالغة في تلبية طلبات العملاء.
ولا تقتصر الأزمة على هذه المناطق فقط؛ فقد أوقفت نحو 70% من المنشآت المنتجة لجبن “سالير” (Salers) المشمول بتسمية AOP عمليات الإنتاج خلال فصل الصيف نتيجة الجفاف، وفقاً لما أوردته صحيفة “لا مونتاني” المحلية. كما طالب منتجو جبن “روكفور” (Roquefort) الشهير بإرخاء القواعد المتبعة في رعي الأغنام بعدما أصبحت غالبية المراعي مجرد مساحات محترقة.
وأظهرت بيانات الهيئة الإحصائية لوزارة الزراعة الفرنسية أن نمو المراعي الدائمة المقاس في 10 أغسطس/آب سجل انخفاضاً بنسبة الثلث مقارنة بالمتوسط المسجل بين عامي 1989 و2018، مشيرة إلى أن وضع الأعلاف شهد “تدهوراً حاداً” في غالبية المناطق. ومن المقرر أن تعقد وزيرة الزراعة، آني جينيفارد، محادثات أزمة مع السلطات المحلية خلال الأسبوع المقبل قبل الإعلان عن تدابير طوارئ لدعم القطاع الزراعي.

قطاعات أخرى
وطال تأثير الجفاف قطاعات زراعية أخرى؛ إذ حذر الاتحاد الفرنسي لمنتجي البطاطس (UNPT) من تراجع حاد متوقع بنسبة 23% في محصول هذا العام عقب تعرض البلاد لخمس موجات حر متتالية ونقص استثنائي في المياه.
وفي منطقة “أو دو فرانس” الشمالية، وهي المركز الرئيسي لإنتاج البطاطس، اشتكى المزارعون من أحجام البطاطس الصغيرة جداً، ما أثار قلق المصانع المحلية المعنية بإنتاج الرقائق والمقالي والبطاطس المهروسة. كما أعرب صناع العصير والمشروبات عن قلقهم بشأن محصول التفاح.





