ناجي الخوري
لم يعد السؤال في بيروت اليوم ما إذا كان الخليج سيعود إلى لبنان، بل من سيكون أول من يحجز مقعده في الاقتصاد اللبناني الجديد. فزيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي الرفيع إلى بيروت، برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، وبمشاركة نحو 90 شخصية من رجال الأعمال والمستثمرين، لا تبدو مجرد مناسبة تجارية عابرة، بل تحمل في توقيتها وحجمها رسائل تتجاوز الاقتصاد إلى إعادة رسم النفوذ الاقتصادي الخليجي في لبنان.
فالإمارات تحاول الدخول إلى بيروت من الباب الأوسع: الاستثمار، القطاع الخاص، التكنولوجيا، اللوجستيات، الطاقة، السياحة، الزراعة والطيران. والأكثر دلالة كان الإعلان عن إنشاء مجلس أعمال لبناني ـ إماراتي والعمل على وضع خريطة استثمارية تستهدف قطاعات استراتيجية. كما شهد الملتقى الاقتصادي توقيع خمس مذكرات تفاهم، في مؤشر على محاولة الانتقال من مرحلة الكلام السياسي إلى مرحلة بناء المصالح الاقتصادية المباشرة.
لكن الإمارات لم تأتِ إلى سوق لبناني خالٍ من المنافسة الخليجية.
لكن السعودية كانت قد بدأت بالفعل خطواتها لاستعادة موقعها الاقتصادي في لبنان. ففي حزيران الماضي، استأنفت المملكة استقبال الصادرات اللبنانية إلى أسواقها بعد سنوات من التوقف، وربطت الخطوة بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لتعزيز الرقابة على المنافذ واستعادة الثقة. كما باشرت بيروت والرياض العمل على تسهيل حركة الصادرات وإزالة العقبات الإجرائية أمام المنتجات اللبنانية.
هنا تبدأ المعادلة الأكثر إثارة: الإمارات تتحرك باتجاه الاستثمار في لبنان، والسعودية تتحرك باتجاه إعادة فتح السوق أمام لبنان وتعزيز التجارة معه.
هل نحن أمام تنافس اقتصادي خليجي جديد على لبنان؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: نعم، ولكن ليس بالضرورة بمعنى الصراع أو المواجهة. فالمنافسة الإماراتية ـ السعودية في لبنان يمكن أن تكون أقرب إلى سباق على الفرص والنفوذ الاقتصادي في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، خصوصاً أن لبنان يدخل مرحلة ستحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمار البنية التحتية وتحريك القطاعات الإنتاجية وإعادة هيكلة اقتصاده ومصارفه.
اللافت أن الإمارات تبدو راغبة في لعب دور المستثمر المبادر. فوزير التجارة الخارجية الإماراتي أعلن أن التجارة غير النفطية بين البلدين بلغت 4.2 مليارات دولار عام 2025، بزيادة 35.6% سنوياً، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس إمكانات كبيرة لتطوير الشراكة. كما أبدى الوفد اهتماماً بقطاعات تمتد من اللوجستيات والأمن الغذائي والطاقة المتجددة إلى الذكاء الاصطناعي والسياحة والطيران.
نوع جديد من الحضور مختلف عن المساعدات التقليدية. المستثمر الإماراتي لا يبحث فقط عن لبنان المستقر سياسياً، بل عن لبنان الذي يمكن أن يكون منصة أعمال.
في المقابل، تمتلك السعودية أوراقاً مختلفة وأكثر عمقاً في الاقتصاد اللبناني: السوق السعودي أمام المنتجات اللبنانية، الاستثمارات الخليجية التاريخية، السياحة، التحويلات، العلاقات التجارية، إضافة إلى القدرة على التأثير في حركة رؤوس الأموال الخليجية نحو لبنان.
هكذا، قد يصبح لبنان أمام فرصة نادرة: بدلاً من أن يكون ساحة تنافس سياسي خليجي، يتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي إيجابي بين عاصمتين خليجيتين.
لكن الخطر يكمن في أن تفشل بيروت في قراءة اللحظة. فالمستثمر الإماراتي والسعودي لا ينتظران بيانات سياسية جديدة، بل يريدان إصلاحات ملموسة: بيئة قانونية مستقرة، قضاء فاعل، قطاع مصرفي قابل للحياة، شفافية في الصفقات العامة، بنية تحتية قابلة للاستثمار، نظام ضريبي واضح، وضمانات لتحويل الأموال وحماية الملكية.
تحد يصبح أكثر إلحاحاً بعدما حذر البنك الدولي من أن التعافي الاقتصادي اللبناني الهش تعرض لانتكاسة جديدة بسبب تجدد الصراع، مؤكداً أن إصلاح القطاع المصرفي والإدارة المالية سيكونان أساسيين لاستعادة الثقة وحشد التمويل للتعافي وإعادة الإعمار.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين أبوظبي والرياض على لبنان، بل بين لبنان القديم ولبنان الذي يبحث عنه المستثمر الخليجي.
فإذا نجحت بيروت في تقديم نفسها كسوق مفتوحة وآمنة وشفافة، فقد تتحول المنافسة الإماراتية ـ السعودية إلى رافعة استثمارية هائلة، وربما تلتحق بها قطر والكويت وسائر الصناديق والمؤسسات الخليجية.
أما إذا بقيت الإصلاحات معلقة، واستمر الغموض السياسي والمالي، فإن رأس المال الخليجي سيبقى في موقع المراقب، مهما ارتفع عدد الوفود ومذكرات التفاهم.
مشهد لا يستحق اذن أن يُقرأ كحرب نفوذ بالمعنى التقليدي، بل كـسباق خليجي على لبنان الاقتصادي المقبل، حيث السؤال الذي يجب أن يقلق بيروت ليس: هل تتنافس الإمارات والسعودية على لبنان؟
بل: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تجعل هذا التنافس لمصلحة اقتصادها، قبل أن يقرر المستثمرون أن الفرصة اللبنانية ما زالت أكبر من قدرة الدولة على حمايتها؟







