أخبار خاصة

الاقتصاد اللبناني بين انحسار التضخم واتساع العجز التجاري: تحسّنٌ هشّ في قلب اختلالات مزمنة

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

في قراءة اقتصادية أعدّتها وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الاعتماد اللبناني، استناداً إلى بيانات وإحصاءات دولية ومحلية، وفي مقدّمها تقديرات وكالة ستاندرد آند بورز وإحصاءات إدارة الجمارك اللبنانية، يدخل الاقتصاد اللبناني النصف الثاني من عام 2026 أمام مشهد يحمل مؤشرات تحسّن من جهة، واختلالات بنيوية لا تزال تضغط بقوة من جهة أخرى.

ففي الوقت الذي بدأ فيه التضخم بالانحسار، واستقر سعر الصرف نسبياً، وتراجعت تدريجياً نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، تكشف حركة التجارة الخارجية عن استمرار الخلل التقليدي في الاقتصاد اللبناني: واردات تتجاوز الصادرات بأضعاف، وعجز تجاري يتسع، واعتماد متواصل على تحويلات المغتربين والمدخرات الخاصة بالعملات الأجنبية لتمويل جزء أساسي من هذا الاختلال.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من كونها لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تجمع بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتطورات التجارة الخارجية، بما يسمح بقراءة المسافة الفاصلة بين الاستقرار الاقتصادي النسبي والتعافي الحقيقي.

وبحسب السيناريو الأساسي الذي أعدّته وكالة ستاندرد آند بورز، يتوقع أن ينخفض متوسط عجز الحساب الجاري إلى نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2026-2029، مقارنةً بنحو 22% خلال الفترة 2023-2025. إلا أن الوكالة تلفت إلى أن العجز سيبقى مرتفعاً، مع استمرار إمكانية تمويله من تحويلات المغتربين الوافدة إلى لبنان ومن مدخرات القطاع الخاص المقيم بالعملات الأجنبية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الاقتصاد اللبناني: تحسن المؤشر لا يعني بالضرورة معالجة السبب الذي أنتجه. فانخفاض عجز الحساب الجاري، وإن كان تطوراً إيجابياً، لا يكفي وحده للدلالة على تحول الاقتصاد من نموذج قائم على الاستهلاك والاستيراد إلى نموذج أكثر إنتاجية وقدرة على التصدير.

وتتأكد هذه الملاحظة عند الانتقال إلى أرقام التجارة الخارجية، التي أوردتها وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الاعتماد اللبناني استناداً إلى بيانات إدارة الجمارك اللبنانية. فقد ارتفع العجز التجاري خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 إلى نحو 8.65 مليار دولار، مقابل 7.87 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة تقارب 10%.

وجاء هذا الاتساع نتيجة انخفاض الصادرات اللبنانية بنسبة 14.14% إلى نحو 1.498 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع المستوردات بنسبة 5.62% إلى نحو 10.15 مليار دولار.

وهذه الأرقام، في حد ذاتها، تكفي للتنبيه إلى أن مشكلة الاقتصاد اللبناني لا تزال أعمق من مجرد أزمة نقدية أو تضخمية. فحتى مع استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم، يبقى الاقتصاد بحاجة إلى تغيير جوهري في بنيته الإنتاجية، بحيث يصبح قادراً على إنتاج المزيد والتصدير أكثر واستيراد ما يحتاجه ضمن قدرة حقيقية على توليد العملات الأجنبية.

أما في الجانب النقدي، فتبدو الصورة أكثر إيجابية. فقد انخفض متوسط التضخم السنوي من 221.3% عام 2023 إلى 45.2% عام 2024 ثم إلى 14.6% عام 2025، فيما تتوقع ستاندرد آند بورز تراجعه إلى 22% عام 2026، و14% عام 2027، و10% عام 2028، و8% عام 2029.

ولا شك في أن هذا الانخفاض يمثل تحولاً مهماً، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة. فهبوط معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، وإنما يعني تباطؤ وتيرة ارتفاعها. وبالتالي، فإن المواطن الذي دفع ثمناً باهظاً للانهيار النقدي لا يشعر بالضرورة بأن وضعه المعيشي تحسن لمجرد انتقال التضخم من مستويات ثلاثية إلى مستويات ثنائية.

وتربط ستاندرد آند بورز هذا الاتجاه، في جزء أساسي منه، بارتفاع نسبة الدولرة في الاقتصاد اللبناني واستقرار سعر الصرف، الأمر الذي يحد من انتقال تقلبات العملة إلى الأسعار.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع لبنان تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي مستدام؟

هنا تصبح أرقام الاستثمار والإنتاج أكثر أهمية من أرقام التضخم وحدها. فالسيناريو الأساسي لستاندرد آند بورز يتوقع نمواً حقيقياً للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2% في 2026 و2.5% في 2027، مع تحسن في الاستثمار الحقيقي، لكن نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي يُتوقع أن تتراجع تدريجياً من 23.1% عام 2025 إلى 18.1% عام 2029.

وهذا يعني أن الطريق أمام الاقتصاد اللبناني لا يزال طويلاً. فالاستقرار النقدي يمكن أن يوفر الأرضية اللازمة للتعافي، لكنه لا يصنع التعافي بمفرده. المطلوب هو استثمار هذا الاستقرار في إعادة بناء القطاعات الإنتاجية، ورفع القدرة التصديرية، واستعادة الثقة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة الفجوة المالية والودائع، وإصلاح المالية العامة.

أما الدين العام، فتشير التقديرات إلى تراجع نسبته من 131.9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 إلى 121.7% عام 2026، وصولاً إلى 96.2% عام 2029، فيما يُتوقع أن يتراجع صافي الدين العام من 105.7% إلى 78.7% خلال الفترة نفسها.

لكن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج لا يعني أن أزمة الدين أصبحت وراء لبنان. فالمشكلة ليست في الرقم وحده، وإنما في قدرة الدولة على تحقيق نمو مستدام وإيرادات كافية، وفي معالجة الخسائر المالية والمصرفية، والوصول إلى تسوية عادلة وقابلة للتنفيذ لأزمة الودائع.

من هنا، تبدو الصورة الاقتصادية للبنان أشبه بمرحلة استقرار هشّ أكثر منها مرحلة تعافٍ مكتمل.

فالتضخم ينخفض، وسعر الصرف مستقر نسبياً، والدين يتحرك في اتجاه أكثر إيجابية، والنمو الحقيقي قد يعود إلى تسجيل معدلات موجبة. لكن في المقابل، يتسع العجز التجاري، وتتراجع الصادرات، ويظل الاقتصاد معتمداً بدرجة كبيرة على التدفقات الخارجية.

وتكشف تفاصيل التجارة الخارجية عن عمق المشكلة. فقد تصدرت الصين قائمة الدول المصدرة إلى لبنان بقيمة نحو 1.28 مليار دولار، بينما تصدرت سويسرا قائمة الدول المستوردة من لبنان بقيمة نحو 228 مليون دولار.

كما تصدرت صادرات اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة والمصوغات قائمة الصادرات اللبنانية بقيمة نحو 397 مليون دولار، أي 26.54% من إجمالي الصادرات حتى حزيران 2026، في حين تصدرت المنتجات المعدنية قائمة المستوردات بقيمة 2.457 مليار دولار، أي 24.20% من إجمالي الواردات.

وهنا تبرز صورة الاقتصاد اللبناني بكل تناقضاتها: بلد صغير يمتلك طاقات كبيرة في الخدمات والسياحة والصناعة والزراعة والموارد البشرية، لكنه لا يزال يستورد أكثر بكثير مما يصدر، ويحتاج إلى تدفقات المغتربين والرساميل الخاصة لتمويل فجوة خارجية واسعة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان التضخم سينخفض من 22% إلى 14% أو 10%، ولا ما إذا كانت نسبة الدين ستنخفض إلى أقل من 100% من الناتج المحلي. السؤال الأهم هو: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من اقتصاد يعيش على الاستقرار النقدي والتحويلات إلى اقتصاد يعيش على الإنتاج والاستثمار والتصدير؟

فالاستقرار النقدي يمكن أن يكون بداية الطريق، لكنه ليس الطريق كله.

ولبنان اليوم أمام فرصة لإعادة بناء اقتصاده على أسس مختلفة: اقتصاد أكثر إنتاجاً، أقل اعتماداً على الاستيراد، وأكثر قدرة على التصدير، وأكثر جذباً للاستثمار، وأقل ارتهاناً للتدفقات الخارجية.

وهذه هي المسافة الحقيقية بين الاستقرار والتعافي. وهي أيضاً الاختبار الأصعب أمام السياسة الاقتصادية اللبنانية في السنوات المقبلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *