ذكر تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي إن إغلاق مضيق هرمز يعيد العالم إلى عصر كانت فيه الممرات البحرية الاستراتيجية ساحات للصراع والنفوذ.
وفقا للتحليل، أعادت الحرب الأمريكية على إيران في عام 2026 فتح ملف بالغ الخطورة في النظام الدولي: من يضمن أمن الممرات البحرية التي تعتمد عليها التجارة العالمية؟
فإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية لم يعد مجرد نتيجة جانبية لحرب إقليمية، بل كشف هشاشة نظام عالمي اعتاد أن يتعامل مع حرية الملاحة باعتبارها أمرا مفروغا منه.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من السلع المتداولة عالمياً تُنقل بحراً، وهو ما يجعل أي تعطيل للممرات والمضائق الاستراتيجية قادراً على إحداث صدمات اقتصادية تتجاوز حدود الدول المتحاربة.ويطرح ذلك سؤالاً أوسع: هل يتجه العالم إلى مرحلة تصبح فيها الممرات البحرية مجدداً أدوات للابتزاز السياسي والعسكري؟
الوضع تاريخيا
وأوضح التحليل أنه تاريخياً، لم تكن هذه الممرات محايدة أو مفتوحة بصورة تلقائية. فمضائق البوسفور والدردنيل، التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، ظلت لقرون محوراً للتنافس بين القوى الأوروبية وروسيا والدولة العثمانية.
ومنذ سيطرة العثمانيين على القسطنطينية عام 1453، امتلكت إسطنبول نفوذاً استراتيجياً على طريق بحري بالغ الأهمية، الأمر الذي جعل السيطرة عليه هدفاً متكرراً للحروب والمساومات الدولية، وصولاً إلى حرب القرم في القرن التاسع عشر.
وفي شمال أوروبا، قدم مضيق أوريسند نموذجاً مختلفاً. فقد كان الممر الذي يربط بحر البلطيق ببحر الشمال خاضعاً للسيطرة الدنماركية، وفرضت كوبنهاغن رسوماً على السفن العابرة تراوحت بين 1 و2% من قيمة حمولاتها.
وبمرور الوقت، تحولت هذه الرسوم إلى مصدر مالي بالغ الأهمية للملك الدنماركي، بما منحه استقلالاً مالياً عن مؤسسات الدولة، وأتاح له اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية كبرى.
خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عملت بريطانيا والولايات المتحدة على فرض قدر من حرية الملاحة في الممرات البحرية الرئيسية. وكانت الاتفاقيات الدولية، ثم لاحقاً قانون البحار، جزءاً من بناء منظومة جعلت المرور التجاري أكثر استقراراً وأقل عرضة للابتزاز العسكري.
لكن هذه المنظومة لم تكن نتيجة طبيعية للتاريخ، بل كانت بحاجة إلى قوة تحميها. ومع تراجع استعداد الولايات المتحدة للقيام بهذا الدور أو استخدامه بصورة مستقرة، قد تظهر نتيجة مختلفة تماماً عما يتوقعه أنصار الانكفاء الأمريكي: ليس عالماً أكثر سلاماً واستقلالاً، بل عالماً تتنافس فيه الدول والجماعات المسلحة على السيطرة على “مخنقات” الاقتصاد العالمي.

مخاطر محتملة
وتبرز هنا مقارنة مثيرة للقلق مع مضيق هرمز والدور الذي يؤديه الحرس الثوري الإيراني في تعطيل حركة المرور في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، والذي يعد انتهاكا للأعراف والقوانين الدولية.
كما أن مليشيات الحوثي، على سبيل المثال، تهدد الملاحة عبر باب المندب، بينما يمكن أن تتحول مناطق أخرى، مثل مضيقي أوريسند والبوسفور والدردنيل أو خليج فنلندا، إلى أوراق ضغط استراتيجية في أي مواجهة مستقبلية.
واعتبر التحليل أن أزمة هرمز تكشف أن الجغرافيا البحرية لم تفقد أهميتها رغم تطور التكنولوجيا العسكرية. فالسفن التجارية لا تزال بحاجة إلى ممرات محددة، والطاقة والغذاء والمواد الخام لا تزال تتحرك عبر البحار، وهو ما يؤكد ضرورة وجود اتفاقيات تضمن أمن الممرات البحرية.





