تراجعت مخزونات الغاز في أوروبا إلى أدنى مستوى لها في هذا الوقت من العام منذ ما يقرب من عقدين، بعدما دفعت الحرب في الشرق الأوسط أسعار الغاز إلى الارتفاع وأعاقت إعادة تكوين المخزونات استعداداً لفصل الشتاء، ما يضع الحكومات أمام تحديات متزايدة مع اقتراب موسم التدفئة.
في العادة، تشتري شركات المرافق والمتداولون الغاز الطبيعي خلال أشهر الصيف، عندما تكون الأسعار أقل، ثم تُخزنه في الحقول المستنفدة والكهوف الملحية لاستخدامه خلال الشتاء. إلا أن بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة جعل هذه العملية غير مجدية اقتصادياً هذا العام. ونتيجة لذلك، لم تتجاوز نسبة امتلاء مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي 57.1% مطلع أغسطس، وهو أدنى مستوى يُسجل في هذا الوقت من العام منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2009.
ضغوط متزايدة على الحكومات الأوروبية
مع اقتراب موسم البرد الذي لم يتبقَّ على بدايته سوى نحو شهرين، تواجه الحكومات الأوروبية، ولا سيما ألمانيا، ضغوطاً متزايدة بشأن ما إذا كان ينبغي لها التدخل لتحفيز إعادة ملء مرافق التخزين في ظلّ ارتفاع التكلفة.
رغم استقرار أسعار الغاز يوم الإثنين، فإنها لا تزال أعلى بنحو 80% من مستوياتها قبل اندلاع الحرب، كما تتجاوز أسعار عقود الشتاء، ما يقلص الحافز الاقتصادي لتكوين المخزونات.
قالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في “مركز سياسة الطاقة العالمية” بجامعة كولومبيا، في منشور على منصة “لينكدإن”: “يبقى السؤال الآن: هل سنشهد تدخلاً في السوق؟ فما تزال مستويات التخزين منخفضة للغاية في بلجيكا وهولندا، وكذلك في لاتفيا وبلغاريا وألمانيا وسلوفاكيا”.
شح الإمدادات يفاقم أزمة المخزونات
عطّلت الحرب نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، في وقت تتسابق الدول الآسيوية على اقتناص الشحنات المتاحة لتعويض الإمدادات المفقودة، ما أدى إلى تحويل مسار المزيد منها بعيداً عن الآخرين.
نتيجة لذلك، تتراجع واردات القارة من الغاز الطبيعي المسال منذ أبريل، باستثناء إيطاليا التي واصلت زيادة مُشترياتها بفضل الحوافز المخصصة للتخزين ومتطلبات إعادة ملء المخزونات الأكثر صرامة.
وبلغت مخزونات الغاز الأوروبية، من حيث الحجم الفعلي، 645.4 تيراواط/ساعة مطلع أغسطس، وفق بيانات “غاز إنفراستركتشر يوروب” (Gas Infrastructure Europe). ويُعد ذلك أدنى مستوى يُسجل في هذا الوقت من العام منذ 2021، حين أدت تخفيضات روسيا لإمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى إشعال أسوأ أزمة طاقة شهدتها أوروبا منذ عقود.
ولا تزال وتيرة إعادة ملء مرافق التخزين ضعيفة، إذ تراجعت الكميات الصافية المضافة إلى المخزونات خلال يوليو بنسبة 21% مُقارنةً بالشهر نفسه من العام الماضي، ليكون أضعف شهر يوليو من حيث تكوين المخزونات منذ عام 2020.
الأسواق تترقب اختبار الشتاء
يُحذر محللون من تنامي المخاطر التي قد تواجهها أوروبا خلال فصل الشتاء إذا استمر شح إمدادات الغاز العالمية. ورغم أن حدوث نقص فعلي في الإمدادات لا يزال مستبعداً، فإن القارة قد تضطر إلى دفع أسعار أعلى بكثير لاستقطاب شحنات الغاز الطبيعي المسال.
يتوقع بنك “غولدمان ساكس” أن ترتفع الأسعار إلى 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة بحلول ديسمبر، أي ما يقارب ضعف مستوياتها الحالية، لتعود إلى المستويات التي شهدتها الأسواق في أعقاب أزمة الطاقة التاريخية.
تراجعت العقود الهولندية الآجلة لأقرب استحقاق، وهي المعيار الأوروبي لأسعار الغاز الطبيعي، إلى 58.64 يورو لكل ميغاواط/ساعة بحلول الساعة 11:57 صباحاً بتوقيت أمستردام. وكانت قد هبطت في وقت سابق بنسبة 6.3%، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن جولة جديدة من المحادثات مع إيران ستنطلق يوم الإثنين، ما عزز التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز.
قال آرنه لوهمان راسموسن، كبير المحللين لدى “غلوبال ريسك مانجمنت” (Global Risk Management): “لا تزال العوامل الأساسية للسوق تبعث على قلق بالغ من المنظور الأوروبي”. وأضاف: “بعد موجة الهبوط الأولية التي شهدتها الأسعار اليوم، أتوقع أن يتحول اهتمام الأسواق مجدداً إلى الأساسيات، بما في ذلك مستويات المخزونات”.




