أخبار خاصة

الفجوة المالية… العقدة التي تؤجل ولادة الإصلاح

ناجي الخوري

لم يعد السؤال في بيروت متى يُقر قانون إعادة هيكلة المصارف، بل متى تجرؤ السلطة السياسية على فتح “الصندوق الأسود” للأزمة المالية. ففي الكواليس، يتردد أن صندوق النقد الدولي حسم موقفه: لا معنى لأي إعادة هيكلة إذا بقيت الفجوة المالية من دون تعريف قانوني واضح، ومن دون تحديد صريح لمن سيتحمل كلفة الانهيار.

بحسب شخصية شاركت في اجتماعات مالية رفيعة المستوى، فوجئ الطرف اللبناني خلال النقاشات، بأن الاهتمام الدولي لم يعد منصباً على سرعة إقرار القوانين بقدر ما أصبح مركزاً على مضمونها، مشيرة الى ان ممثلي المؤسسات الدولية كانوا حازمين في التأكيد أن قانون الفجوة المالية لم يعد بنداً تقنياً قابلاً للتأجيل، بل تحول إلى “الاختبار الفاصل” لقياس جدية الدولة في تنفيذ الإصلاح.

وتكشف مصادر وزارية أن ملف الودائع، ولا سيما آلية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين، كان الأكثر إثارة للجدل، فكل سيناريو مطروح يفتح مواجهة مع جهة مختلفة، وكل تعديل يفرض أثماناً سياسية لا تبدو القوى النافذة مستعدة لتحملها بسهولة.

أما المفاجأة، وفق أوساط نيابية، فتمثلت في أن بعض المقترحات التي طُرحت خلال المشاورات الأخيرة قوبلت باعتراضات حادة من جهات مالية وقانونية، بعدما اعتبرت أنها قد تعرض لبنان لسلسلة نزاعات وتحكيمات ودعاوى قضائية في الخارج، إذا جاءت آليات توزيع الخسائر مخالفة للمعايير التي يطالب بها صندوق النقد أو مست بحقوق فئات معينة من أصحاب الرساميل والودائع.

وفي الكواليس الدبلوماسية، تتحدث مصادر مواكبة عن رسائل مباشرة وصلت إلى مسؤولين لبنانيين، مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً لتمويل خطة تعافٍ تقوم على ترحيل المشكلة أو إعادة تدويرها، مع اعتبار الدول المانحة أن السنوات الماضية شهدت إقرار قوانين إصلاحية بقي معظمها معلقاً أو فاقداً للأثر التنفيذي، ولذلك لن يكون هناك أي تغيير في الموقف الدولي ما لم تبدأ السلطة بمعالجة جوهر الأزمة المالية.

وتضيف المصادر أن ملف الفجوة المالية بات يحتل موقعاً متقدماً في كل اللقاءات مع الوفود الدولية، متقدماً أحياناً على ملفات أخرى كانت تُعتبر سابقاً أولوية، لأن تحديد حجم الخسائر وآلية توزيعها سيشكل الأساس القانوني لإعادة رسملة المصارف، وإعادة الثقة بالقطاع المالي، وفتح الباب أمام أي برنامج تمويلي مستقبلي.

لكن العقدة لا تبدو تقنية بقدر ما هي سياسية. فالاوساط النيابية تؤكد أن الخلاف الحقيقي يدور حول الجهة التي ستتحمل الحصة الأكبر من الخسائر. وهنا تبدأ خطوط الاشتباك داخل السلطة نفسها، إذ تتمسك بعض القوى بعدم تحميل الخزينة أعباء إضافية، بينما ترفض جهات أخرى أي مقاربة تؤدي إلى تحميل المودعين كلفة مباشرة، في وقت تحاول المصارف الحد من حجم مساهمتها في أي خطة نهائية.

وتشير جهات وزارية إلى أن هذا التباين يفسر بطء النقاشات، رغم الضغوط الخارجية المتزايدة، لأن أي اتفاق سيعني عملياً إعادة رسم العلاقة بين الدولة والقطاع المصرفي ومصرف لبنان، وهي معادلة لم يُحسم شكلها بعد.

من جهتهم يرى خبراء اقتصاديون أن السلطة لم تعد تملك هامش المناورة الذي تمتعت به في السنوات الماضية. فالمؤسسات الدولية انتقلت من مرحلة إعطاء الفرص إلى مرحلة قياس النتائج، وأصبحت تربط أي دعم مالي أو استثماري بإقرار حزمة متكاملة من الإصلاحات، تتصدرها معالجة الفجوة المالية بصورة شفافة وقابلة للتنفيذ.
عليه، تبدو الأسابيع المقبلة أشبه بعدٍّ تنازلي. فإما أن تنجح السلطة في إنتاج قانون ينسجم مع متطلبات صندوق النقد ويؤسس فعلياً لانطلاق إعادة هيكلة المصارف، وإما أن يبقى كل ما أُقر حتى الآن مجرد خطوات ناقصة، فيما يستمر الاقتصاد اللبناني في دفع ثمن التأجيل، ويزداد تعافي القطاع المالي ابتعاداً مع كل استحقاق مؤجل.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *