قبل أقل من عقدين، لم يكن شرق المتوسط حاضرًا على خريطة الطاقة العالمية، لكن سلسلة من الاكتشافات البحرية الكبرى في مصر وإسرائيل وقبرص غيّرت المعادلة، لتتحول المنطقة إلى أحد أهم أحواض الغاز الناشئة عالميًا، باحتياطيات تُقدّر بنحو 122 تريليون قدم مكعب، وتصبح محورًا لتحالفات إقليمية وصراعات بحرية ومشروعات تستهدف تعزيز أمن الطاقة الأوروبي.
بداية التحول
بدأت خريطة الغاز في شرق المتوسط تتغير عام 2009 مع اكتشاف حقل “تمار” قبالة السواحل الإسرائيلية، ثم حقل “ليفياثان” في 2010، تلاه حقل “أفروديت” في المياه القبرصية، قبل أن يشكل اكتشاف حقل “ظُهر” في مصر عام 2015 نقطة تحول رئيسية، بعدما وصف بأنه أكبر اكتشاف للغاز في البحر المتوسط.
ويضم شرق المتوسط عشرات الاكتشافات البحرية، إلا أن الإنتاج التجاري يتركز في عدد محدود من الحقول، أبرزها “ظُهر” في مصر باحتياطيات تقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، و”ليفياثان” في إسرائيل بنحو 23 تريليون قدم مكعب، و”تمار” بنحو 10 تريليونات قدم مكعب، و”أفروديت” في قبرص بنحو 5.6 تريليون قدم مكعب، فيما تتقدم اكتشافات مثل “كرونوس” و”كاليبسو” نحو مراحل التطوير، بما يعزز فرص زيادة إنتاج المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ومع دخول هذه الحقول مرحلة الإنتاج التجاري، ارتفع إنتاج الغاز في المنطقة بصورة ملحوظة، فيما لا تزال الحقول القبرصية في مراحل التطوير، ما يعزز التوقعات بزيادة إنتاج شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة، وفق تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادر في سبتمبر/أيلول 2025.
وحسب تقرير إدارة معلومات الطاقة، تتصدر مصر إنتاج الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، بمتوسط إنتاج يقارب تريليوني قدم مكعب سنويًا خلال الفترة 2015-2024، كما أنها أكبر مستهلك للغاز في المنطقة بمتوسط يقارب تريليوني قدم مكعب سنويًا أيضًا.
في حين تعد إسرائيل ثاني أكبر منتج بمتوسط إنتاج يبلغ نحو 528 مليار قدم مكعب سنويًا خلال الفترة نفسها، مع نمو ملحوظ في الاستهلاك المحلي منذ بدء تطوير حقولها البحرية.
أما في قبرص ولبنان، فلا يوجد إنتاج تجاري للغاز حتى الآن، رغم امتلاكهما اكتشافات بحرية لا تزال في مرحلة التطوير.
ورغم أن مصر وإسرائيل تستحوذان على الإنتاج التجاري الحالي في شرق المتوسط، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تغيرًا في خريطة الإمدادات مع بدء تطوير عدد من الحقول القبرصية، بالتوازي مع توسعة حقل ليفياثان، واستمرار برامج الاستكشاف في مصر وإسرائيل، ما يعزز مكانة المنطقة كمصدر متنامٍ للغاز للأسواق الإقليمية والأوروبية.
سباق شركات الطاقة العالمية على ثروات شرق المتوسط
لم يقتصر السباق على ثروات الغاز في شرق المتوسط على الدول، بل امتد إلى كبرى شركات الطاقة العالمية، التي تقود عمليات الاستكشاف والتطوير في معظم الحقول البحرية بالمنطقة.
وتتصدر إيني الإيطالية المشهد بعد اكتشافها حقل “ظُهر” في مصر وتطويرها عددًا من الحقول القبرصية، فيما تدير شيفرون الأميركية حقول “ليفياثان” و”تمار” في إسرائيل، إضافة إلى مشاركتها في تطوير حقل “أفروديت” القبرصي.
كما تواصل bp توسعة استثماراتها في مصر في حين تشغل إنرجيان حقول “كاريش” و”تانين” قبالة السواحل الإسرائيلية، كما تمتلك شركات مثل توتال إنرجيز وإكسون موبيل وقطر للطاقة امتيازات للتنقيب وتطوير الحقول البحرية، خصوصًا في قبرص.
مصر.. مركز البنية التحتية للغاز
تتمتع مصر بمكانة محورية داخل شرق المتوسط بفضل امتلاكها البنية التحتية الأكثر تطورًا في المنطقة، إذ تعد الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك محطتي إسالة للغاز الطبيعي في إدكو ودمياط، إلى جانب شبكة واسعة من خطوط الأنابيب والربط الإقليمي.
ويشير تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن هذه البنية التحتية جعلت مصر حتى منتصف عام 2025 الدولة الوحيدة في شرق المتوسط القادرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال، ما أتاح لإسرائيل تصدير جزء من إنتاجها عبر منشآت الإسالة المصرية، فيما تخطط قبرص للاستفادة منها عند بدء الإنتاج التجاري من حقولها البحرية.
وفي أيار الماضي، وقعت مصر مذكرة تفاهم لربط اكتشافات الغاز القبرصية بمنشآت الإسالة المصرية، بما يسرّع تطوير الحقول القبرصية ويخفض تكاليفها، وفي الوقت نفسه يعزز الاستفادة من البنية التحتية المصرية سواء أكان عبر إعادة التصدير أم استخدام الغاز في الصناعات المحلية.
كما عززت مصر دورها كمركز إقليمي للغاز عبر اتفاقيات طويلة الأجل لاستيراد الغاز من إسرائيل وإعادة توظيف بنيتها التحتية.
ففي عام 2025، وافقت إسرائيل على أكبر صفقة لتصدير الغاز في تاريخها، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز من حقل “ليفياثان” إلى مصر لمدة 15 عامًا وحتى عام 2040. وتدعم هذه الإمدادات احتياجات السوق المصرية، كما تتيح الاستفادة من منشآت الإسالة المصرية لإعادة تصدير جزء من الغاز إلى الأسواق الخارجية وفق ظروف السوق والطلب.
وفي المقابل، ارتفعت واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى 9.56 مليون طن خلال عام 2025، بزيادة 6.9 مليون طن عن العام السابق، وفق تقرير الاتحاد الدولي للغاز، في ظل تزايد احتياجات السوق المحلية.
وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى تراجع صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال خلال العام نفسه، بما يعكس اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب، رغم استمرار دور البلاد مركزًا إقليميًا لإسالة الغاز وإعادة تصديره.
شبكة الأنابيب.. كيف يصل غاز شرق المتوسط إلى الأسواق؟
لا تعتمد أهمية شرق المتوسط على احتياطياته الضخمة من الغاز فحسب، بل أيضًا على شبكة خطوط الأنابيب والبنية التحتية التي تربط الحقول البحرية بمراكز المعالجة والتصدير، ما عزز مكانة المنطقة على خريطة تجارة الطاقة.
ويُعد خط العريش-عسقلان (EMG) أحد أبرز مسارات نقل الغاز، إذ أُنشئ في الأصل لنقل الغاز المصري إلى إسرائيل، قبل أن يُعكس اتجاه تدفقه عام 2019 لنقل الغاز من الحقول الإسرائيلية إلى منشآت الإسالة المصرية، تمهيدًا لإعادة تصديره.
وقبل 26 عامًا، وُلد مشروع خط الغاز العربي لإنشاء ممر طاقة إقليمي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان، وبدأ تشغيل أجزاء منه لاحقًا، لكن الحروب والتوترات الجيوسياسية حالت دون تحوله إلى شبكة تشغيلية مستقرة، ليبقى أحد أبرز مشروعات الربط الطاقوي غير المكتملة في المنطقة.
وتخطط قبرص لإنشاء خط أنابيب بحري يربط حقلي أفروديت وكرونوس بمنشآت الإسالة المصرية، ما يتيح تصدير الغاز القبرصي إلى الأسواق الأوروبية.
وفي المقابل، لا يزال مشروع خط أنابيب EastMed الذي يستهدف نقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى أوروبا عبر اليونان، يواجه تحديات فنية ومالية وخلافات تتعلق بترسيم الحدود البحرية، ما دفع الأطراف المعنية إلى إعادة تقييم جدواه.
الغاز يعيد رسم التحالفات
لم تقتصر آثار اكتشافات الغاز على الاقتصاد بل امتدت إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في شرق المتوسط، مع تصاعد الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب، ولا سيما بين تركيا من جهة، واليونان وقبرص من جهة أخرى.
وفي المقابل، أفرزت اكتشافات الغاز موجة من اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية، كان أبرزها الاتفاق المصري القبرصي عام 2003 ثم الاتفاق المصري اليوناني عام 2020، إلى جانب تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019 ومقره القاهرة، بمشاركة مصر وإيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين، بما وفر إطارًا قانونيًا ساعد على تطوير الحقول وجذب الاستثمارات.
كما ساهم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، بوساطة أميركية، في إنهاء نزاع استمر سنوات، وفتح الباب أمام تطوير حقول جديدة، مع استمرار الإنتاج من حقل “كاريش”، لكن النزاعات الأخيرة في جنوب لبنان حالت دون استكمال العمل على مشاريع طموحة للنفط والغاز في دولة تعاني أزمة اقتصادية ومالية حادة، في حين لا يزال ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا معلقًا.
أوروبا تبحث عن بدائل
تعززت أهمية غاز شرق المتوسط لدى أوروبا بعد الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تحولت المنطقة من فرصة اقتصادية إلى خيار استراتيجي ضمن جهود تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
ويعكس ذلك ارتفاع واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال إلى 126.2 مليون طن عام 2025، بما يمثل 28.9% من إجمالي واردات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مقارنة بـ100.1 مليون طن في العام السابق، مدفوعة بالحاجة إلى تعويض الإمدادات الروسية بعد انتهاء اتفاق نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا، وفق تقرير الاتحاد الدولي للغاز.
وفي هذا السياق، يبرز شرق المتوسط بوصفه أحد أقرب مصادر الإمداد القادرة على دعم أمن الطاقة الأوروبي، مستفيدًا من البنية التحتية الإقليمية لنقل الغاز وإسالته، وفي مقدمتها المنشآت المصرية التي تربط إنتاج المنطقة بالأسواق العالمية.
وبينما لا تزال أعمال الاستكشاف مستمرة في شرق المتوسط، لم تعد المنافسة في المنطقة تقتصر على اكتشاف حقول جديدة، بل أصبحت تمتد إلى تطوير البنية التحتية ومسارات التصدير واتفاقيات ترسيم الحدود واستقطاب الاستثمارات العالمية.
ومع دخول اكتشافات جديدة مرحلة التطوير خلال السنوات المقبلة، قد تشهد خريطة الطاقة في شرق المتوسط تحولات جديدة تعيد رسم موازين النفوذ في واحدة من أكثر المناطق أهمية على خريطة الغاز العالمية.



