أخبار اقتصادية

دبي تعزز حضورها في اقتصاد طول العمر بإطلاق أول إطار تنظيمي متخصص للقطاع

في الوقت الذي تنظر فيه معظم الحكومات إلى الشيخوخة الصحية باعتبارها تحديًا يواجه أنظمة الرعاية الصحية، اختارت دبي مسارًا مختلفًا، إذ أعلنت في 9 حزيران 2026 تأسيس سلطة دبي للديمومة الصحية (Dubai Longevity Authority)، التابعة لدائرة الاقتصاد والسياحة، في خطوة تعكس رؤية أوسع تعتبر طول العمر الصحي قطاعًا اقتصاديًا واعدًا قادرًا على جذب الاستثمارات، وتحفيز الابتكار، وتعزيز مكانة الإمارة كوجهة عالمية للسياحة العلاجية.

وبهذه الخطوة، أصبحت دبي من أوائل المدن في العالم التي تعتمد إطارًا تنظيميًا متخصصًا لقطاع طول العمر والرفاهية الصحية والصحة المتقدمة، وهو القطاع المعروف اختصارًا بـ LWAH، ويضم الخدمات والتقنيات والحلول الطبية التي تهدف إلى إطالة سنوات الحياة الصحية، والوقاية من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، وتحسين جودة الحياة. ووفقًا لدائرة الاقتصاد والسياحة، تستهدف الهيئة الجديدة ترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي للحلول العلمية المعتمدة في مجال طول العمر، مع توفير منظومة تنظيمية واضحة تمنح الشركات العاملة في هذا القطاع بيئة مستقرة للنمو والتوسع والابتكار.

سوق بقيمة 27 مليار دولار

ويشهد هذا القطاع نموًا متسارعًا على مستوى العالم، إذ تُقدر قيمة سوق تقنيات وحلول طول العمر حاليًا بما يتراوح بين 27 مليار دولار و31 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى ما بين 46 مليار دولار و67 مليار دولار خلال العقد المقبل. أما إذا أُخذ في الاعتبار مفهوم اقتصاد طول العمر، وهو مصطلح أوسع يشمل جميع السلع والخدمات التي يستهلكها السكان الأكبر سنًا، بدءًا من الرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية، وصولًا إلى التأمين والسكن والخدمات المالية والسياحة واللياقة البدنية، فإن القيمة السوقية لهذا الاقتصاد تتجاوز 800 مليار دولار، بحسب بيانات Mordor Intelligence.

ولا تأتي سلطة دبي للديمومة الصحية من فراغ، بل تمثل امتدادًا لجهود بدأت قبل إصدار التشريع المنظم لها. ففي سبتمبر/ أيلول 2024، وقعت دائرة الاقتصاد والسياحة وهيئة الصحة بدبي مذكرة تفاهم تستهدف زيادة حصة الإمارة من سوق السياحة العلاجية العالمية، ضمن مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33 الرامية إلى مضاعفة حجم اقتصاد الإمارة وتعزيز تنافسيتها عالميًا. وتُضفي الهيئة الجديدة طابعًا مؤسسيًا وتنظيميًا على هذا التعاون، لكنها توسع نطاقه بصورة ملحوظة، بحيث لا يقتصر على السياحة العلاجية فحسب، وإنما يمتد ليشمل منظومة اقتصاد طول العمر بأكملها.

وتستند هذه الاستراتيجية أيضًا إلى قطاع صحي يشهد توسعًا مستمرًا في دبي. فبحسب هيئة الصحة بدبي، استقبلت الإمارة نحو 691 ألف سائح علاجي خلال عام 2023، أنفقوا أكثر من 280 مليون دولار، أي ما يعادل 1.03 مليار درهم، على الخدمات الصحية بصورة مباشرة، فيما بلغ الأثر الاقتصادي غير المباشر لهذه الزيارات نحو 626 مليون دولار، أو 2.3 مليار درهم. وبالتوازي مع ارتفاع الطلب، واصلت البنية التحتية الصحية نموها، إذ ارتفع عدد المنشآت الصحية المرخصة إلى 5,771 منشأة في عام 2025، بينما تجاوز عدد العاملين في القطاع الصحي الخاص 69,400 متخصص، ما يعكس اتساع الطاقة الاستيعابية للإمارة وقدرتها على تلبية الطلب المحلي والدولي المتزايد.

ويقول الشريك المؤسس والشريك العام في VentureSouq، سونيل جوخال، إن تأسيس الهيئة الجديدة “يعكس قناعة دبي بأن طول العمر ليس مجرد قضية صحية، بل يمثل قطاعًا اقتصاديًا جديدًا يمتلك القدرة على استقطاب رؤوس الأموال، والشركات، والكفاءات، وفي نهاية المطاف المستهلكين من مختلف أنحاء العالم”. ويرى أن هذا التوجه يضع الإمارة في موقع متقدم للاستفادة من أحد أسرع القطاعات الصحية نموًا على مستوى العالم، وتحويله إلى محرك جديد للتنويع الاقتصادي.

تنظيم قطاع طول العمر

إلى جانب إنشاء جهة تنظيمية جديدة، تمثل سلطة دبي للديمومة الصحية خطوة مفصلية نحو معالجة إحدى أبرز الثغرات التي واجهت قطاع طول العمر عالميًا خلال السنوات الماضية، وهي غياب إطار تنظيمي موحد يحدد المعايير والضوابط التي تحكم هذا المجال سريع النمو.

وأوضحت دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، في تصريحات لـفوربس الشرق الأوسط، أن اختصاصات الهيئة تمتد لتشمل جميع الأنشطة المرتبطة بقطاع طول العمر والرفاهية الصحية والشيخوخة الصحية، بداية من مراحل تطوير المنتجات والخدمات والحصول على مكوناتها، مرورًا بعمليات التقييم والرقابة، ووصولًا إلى طرحها في الأسواق. ويشمل ذلك العلاجات والحلول التي تدّعي قدرتها على إطالة العمر، أو زيادة سنوات الحياة الصحية، أو إبطاء الشيخوخة البيولوجية، أو دعم الطب التجديدي، أو تعزيز الرعاية الوقائية. ولن يُسمح بالترويج لهذه المنتجات أو الخدمات أمام الجمهور إلا بعد تقديم أدلة علمية موثقة تثبت صحة هذه الادعاءات، في خطوة تستهدف الحد من المبالغات التسويقية وترسيخ الممارسات القائمة على الأدلة العلمية.

ولا تهدف الهيئة إلى الحلول محل الجهات التنظيمية القائمة في القطاع الصحي، بل ستعمل بالتنسيق مع الهيئات المسؤولة عن تنظيم مقدمي خدمات الرعاية الصحية، والأدوية، والمستلزمات والمنتجات الطبية، بما يضمن إنشاء ما تصفه دائرة الاقتصاد والسياحة بـ”مسار تنظيمي موحد ومتكامل”. ويُنتظر أن يسهم هذا النهج في توحيد الإجراءات التنظيمية، وتوضيح مسؤوليات الجهات المختلفة، وتسهيل امتثال الشركات العاملة في القطاع للمتطلبات القانونية والرقابية.

ويمثل هذا الوضوح التنظيمي ميزة مهمة للشركات والمستثمرين، إذ يقلل من حالة عدم اليقين التي طالما صاحبت العمل في قطاع لا يزال حديث النشأة في العديد من الأسواق. وفي هذا السياق، تقول رئيسة قسم علاقات كبار العملاء في Biolite Clinic، أليزي ميرزا: “أصبح بإمكاننا الآن تصميم برامجنا الخاصة بطول العمر وفق مرجعية علمية واضحة، بدلًا من محاولة التوفيق بين عدة أطر تنظيمية مختلفة”.

ومن جانبه، يتوقع المدير الطبي لمركز(Longevity Hub) من (Clinique La Prairie)، إدريس فرحبود، أن يسهم الإطار التنظيمي الجديد في رفع مستوى الحوكمة السريرية داخل القطاع، وتعزيز جودة توثيق البيانات والسجلات الطبية، وتطوير أنظمة ضمان الجودة، إلى جانب ترسيخ البروتوكولات العلاجية القائمة على الأدلة العلمية، بما يدعم موثوقية الخدمات ويعزز ثقة المرضى والمستثمرين على حد سواء.

فرصة استثمارية تتجاوز القطاع الصحي

لطالما شكّل غياب الوضوح التنظيمي أحد أبرز العوائق أمام تدفق الاستثمارات المؤسسية إلى قطاع طول العمر. فمع عدم وجود جهة تنظيمية متخصصة قادرة على التمييز بين العلاجات والحلول الطبية المدعومة بأدلة علمية، وبين الادعاءات التسويقية التي تفتقر إلى الإثبات، تعامل المستثمرون مع هذا القطاع بحذر، رغم إمكاناته الواعدة. ويأتي إنشاء سلطة دبي للديمومة الصحية لمعالجة هذه الفجوة، عبر توفير إطار تنظيمي واضح يمنح الشركات والمستثمرين رؤية أكثر استقرارًا بشأن القواعد المنظمة للسوق، ويعزز الثقة في بيئة الاستثمار.

وتشير المؤشرات إلى أن الاهتمام الاستثماري بهذا المجال يتسارع بالفعل. فقد تجاوزت قيمة التمويل الاستثماري الجريء الموجه إلى الشركات الناشئة المتخصصة في تقنيات وحلول طول العمر 8 مليارات دولار خلال عام 2024 وحده، في حين يُتوقع أن تنمو منظومة طول العمر في دولة الإمارات، التي تشمل قطاعات التكنولوجيا الحيوية، وصناعة الأدوية، والتكنولوجيا المالية، وتكنولوجيا التأمين المرتبطة بالشيخوخة الصحية، من 19 مليار دولار في عام 2020 إلى 32 مليار دولار بحلول عام 2026.

ويقول سونيل جوخال، إن هذا المسار التصاعدي يؤكد أن رؤوس الأموال لم تعد تنظر إلى قطاع طول العمر باعتباره مجالًا علميًا هامشيًا أو رهانًا مستقبليًا غير مؤكد، بل أصبح قطاعًا استثماريًا يحظى باهتمام متزايد. ويشير إلى أن الزخم الحالي يتركز بصورة خاصة في مجالات التشخيص الطبي المتقدم، ومنصات الرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ونماذج الرعاية الصحية الرقمية، بالتزامن مع توسع منظومة علوم الحياة في دبي، التي تضم شركات التكنولوجيا الحيوية والأبحاث الطبية والابتكار الدوائي.

ولا تقتصر آثار هذا التحول على جذب الاستثمارات، بل تمتد أيضًا إلى إعادة تشكيل قطاع السياحة العلاجية في الإمارة. فبعد أن اعتمد هذا القطاع خلال العقد الماضي بصورة رئيسية على العمليات الجراحية والعلاجات التخصصية وخدمات طب الأسنان، يتجه اليوم تدريجيًا نحو نموذج يركز على الرعاية الوقائية طويلة الأمد، ومتابعة صحة الأفراد قبل ظهور الأمراض، بدلًا من الاقتصار على علاجها بعد حدوثها.

وتدعم التوقعات هذا التوجه. فوفقًا لبيانات IMARC Group، بلغت قيمة سوق السياحة العلاجية في الإمارات نحو 865.8 مليون دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى قرابة 4.5 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 20%، وهو ما يعكس تنامي الطلب العالمي على خدمات الرعاية الصحية المتقدمة التي تجمع بين العلاج والوقاية وتحسين جودة الحياة.

وفي هذا السياق، لم تعد العيادات تستهدف المرضى الذين يزورونها لإجراء عملية أو علاج لمرة واحدة، بل أصبحت تستقطب شريحة جديدة تصفها أليزي ميرزا بـ”المرضى الباحثون عن إطالة سنوات الحياة الصحية حول العالم”، وهم الأشخاص الذين يحرصون على العودة عدة مرات سنويًا لإجراء الفحوصات الدورية، ومراقبة المؤشرات الحيوية، والخضوع للاختبارات التشخيصية، والاستفادة من برامج الرعاية الوقائية المصممة للحفاظ على صحتهم لأطول فترة ممكنة. ويؤدي هذا التحول إلى تغيير نموذج أعمال السياحة العلاجية، من زيارات متقطعة تحقق إيرادات لمرة واحدة، إلى علاقة طويلة الأمد توفر تدفقات مالية متكررة، وهو ما يعزز جاذبية دبي أمام الشركات العالمية العاملة في هذا المجال.

ومن منظور المستثمرين، فإن إلحاق سلطة دبي للديمومة الصحية بدائرة الاقتصاد والسياحة، بدلًا من وضعها تحت إشراف جهة تنظيمية صحية، يحمل رسالة استراتيجية أوسع بشأن رؤية الإمارة لهذا القطاع. ويقول إلياس شبطيني، رئيس مجلس إدارة EMA Aesthetics وHyalure، ومؤسس Curecell UAE، الذي استثمر في قطاع طول العمر خلال السنوات السبع الماضية: “تبعث هذه الخطوة برسالة واضحة مفادها أن طول العمر لا يُنظر إليه باعتباره مجرد قطاع للرعاية الصحية، بل باعتباره قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا قادرًا على جذب الاستثمارات العالمية، وتحفيز الابتكار، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز السياحة العلاجية، ودعم البحث العلمي، والتصنيع، وغيرها من الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة”.

ويرى شبطيني أن حجم الفرصة الاستثمارية يعزز هذه الرؤية. فبحسب معهد (Global Wellness Institute)، بلغ حجم اقتصاد الرفاهية الصحية العالمي نحو 6.8 تريليون دولار خلال عام 2024، ومن المتوقع أن يقترب من 10 تريليونات دولار بحلول عام 2029. أما في دولة الإمارات، فتتجاوز قيمة اقتصاد الرفاهية الصحية 40 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أسرع أسواق الرفاهية الصحية نموًا في المنطقة، ويعزز مكانتها كوجهة رئيسية للاستثمارات المرتبطة بالصحة الوقائية، والعلاجات المتقدمة، وتقنيات إطالة العمر الصحي.

تحديات تنتظر سلطة دبي للديمومة الصحية

ورغم أن تأسيس سلطة دبي للديمومة الصحية يمثل خطوة مهمة نحو تنظيم هذا القطاع الناشئ، فإن نجاحها لن يعتمد على وجود إطار تنظيمي واضح فحسب. فما يُعرف بـطب طول العمر لا يزال يفتقر إلى تعريف عالمي موحد يحظى بإجماع الأوساط العلمية والتنظيمية، وهو ما يجعله أحد أكثر مجالات الرعاية الصحية تعقيدًا من حيث وضع القواعد التنظيمية والإشراف عليها. لذلك، ستواجه الهيئة مجموعة من التحديات مع سعيها إلى تنظيم قطاع يقع عند تقاطع الرعاية الصحية، والعافية، والتكنولوجيا الحيوية.

ويتمثل أول هذه التحديات في تحديد الحدود الفاصلة للقطاع نفسه. فسيكون على الهيئة وضع تعريف واضح يميز بين الخدمات التي تندرج ضمن الرفاهية الصحية والرعاية الوقائية، وتلك التي تُعد تدخلات طبية تستوجب متطلبات تنظيمية أكثر صرامة. ولن يكون هذا الفصل مجرد مسألة نظرية، بل سيحدد كيفية ترخيص العلاجات والخدمات، وآليات الرقابة عليها، والضوابط التي تحكم تسويقها للجمهور.

وبعد رسم هذه الحدود، يبرز تحدٍ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التمييز بين العلاجات المدعومة بأدلة علمية موثوقة، وتلك التي تستند إلى ادعاءات تسويقية أو أبحاث أولية لم تثبت فعاليتها بعد. ويضم قطاع طول العمر مجموعة واسعة من التقنيات والخدمات، مثل التشخيص الوقائي، واختبارات المؤشرات الحيوية، والعلاجات التجديدية، والعلاجات الهرمونية، والعلاجات المعتمدة على الببتيدات، إضافة إلى التدخلات القائمة على الجينات. إلا أن هذه المجالات تختلف بصورة كبيرة من حيث قوة الأدلة العلمية التي تدعمها، ومستوى المخاطر السريرية المرتبطة بها، ودرجة اعتمادها من الجهات الصحية المختصة.

وفي هذا السياق، يقول إدريس فرحبود: “يتمثل أحد أكبر التحديات في قطاع طول العمر في التفاوت الكبير بين مستويات الأدلة العلمية التي تستند إليها العلاجات المختلفة”. ويضيف أن وجود جهة تنظيمية قادرة على التمييز بين العلاجات المدعومة بأدلة علمية قوية، وتلك التي لا تزال في مراحلها التجريبية، يعد أمرًا أساسيًا، “ليس فقط لحماية المرضى، وإنما أيضًا لتعزيز مصداقية القطاع بأكمله”.

ويوازي ذلك تحدٍ آخر يتمثل في مواكبة التطور العلمي المتسارع. فمع استمرار ظهور علاجات وتقنيات جديدة، سيكون على الإطار التنظيمي أن يتطور باستمرار، حتى يظل قادرًا على مواكبة الابتكارات دون أن يصبح عائقًا أمامها أو يتخلف عنها.

وتوضح أليزي ميرزا أن العديد من الأسواق شهدت خلال السنوات الأخيرة انتشار عيادات تقدم كل شيء، بدءًا من بروتوكولات علاجية تعتمد على الببتيدات دون إثبات علمي كافٍ، وصولًا إلى علاجات تُصنف ضمن تقنيات تحسين القدرات البيولوجية (Biohacking)، والتي تعتمد في كثير من الأحيان على تجارب فردية وشهادات شخصية أكثر من اعتمادها على دراسات سريرية راسخة. وترى أن التحدي الأكبر أمام الهيئة على المدى الطويل يتمثل في الحفاظ على حداثة الإطار التنظيمي ومواكبته للتقدم العلمي، مع تجنب فرض قيود قد تحد من الابتكار أو تعرقل تطوير حلول علاجية جديدة.

ماذا بعد؟

مع دخول القانون حيز التنفيذ، ينتقل التركيز الآن من مرحلة التشريع إلى مرحلة التطبيق العملي. وستتولى سلطة دبي للديمومة الصحية إعداد الإطار التنظيمي الذي سيحكم مختلف علاجات وتقنيات طول العمر، بدءًا من العلاجات الجينية والعلاجات الهرمونية، وصولًا إلى العلاجات الوريدية (IV Therapy)، التي تعتمد على إعطاء الفيتامينات أو المغذيات أو المركبات العلاجية مباشرة عبر الوريد، إلى جانب وضع منظومة ترخيص متكاملة للعيادات والمنشآت العاملة في هذا القطاع. ومن المتوقع أن يساهم هذا الوضوح التنظيمي في تعزيز ثقة الشركات والمستثمرين، وتشجيعهم على ضخ استثمارات جديدة والتوسع داخل سوق دبي.

وأوضحت دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، في تصريحات لـفوربس الشرق الأوسط، أن أولوياتها في المرحلة الحالية تتمثل في وضع النموذج التشغيلي للهيئة، واستكمال الإطار التنظيمي، وتحديد معايير سلامة السوق التي ستنظم عمل القطاع. وأضافت أن برنامجًا تفصيليًا لانتقال الجهات المؤهلة إلى النظام الجديد، إلى جانب الجدول الزمني الكامل لتطبيق المنظومة، سيُعلن عنه في الوقت المناسب.

وبمجرد اكتمال الإطار التنظيمي، ستخضع جميع العيادات والمنشآت التي تمارس أنشطة تدخل ضمن اختصاصات سلطة دبي للديمومة الصحية لمتطلبات الترخيص والرقابة التنظيمية. أما خلال المرحلة الانتقالية، فسيتم تقييم الجهات التي تقدم خدمات طول العمر والرفاهية الصحية والصحة المتقدمة (LWAH) بصورة منفصلة، بحيث تُدرس كل حالة على حدة إلى حين اكتمال المنظومة التنظيمية الجديدة.

وأكد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزاراء وحاكم إمارة دبي، أن القانون يأتي ضمن استراتيجية دبي الرامية إلى ترسيخ مكانة الإمارة في طليعة المراكز العالمية في مجالات الرعاية الصحية، والتكنولوجيا الحيوية، والابتكار الطبي. ويعكس هذا التوجه النهج الذي اتبعته دبي سابقًا في قطاعات حيوية، مثل الطيران، والخدمات المالية، والسياحة، والذي يقوم على إرساء إطار تنظيمي واضح، وتعزيز ثقة المستثمرين، ثم بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول القطاع المستهدف.

وفي النهاية، سيعتمد نجاح سلطة دبي للديمومة الصحية في تحقيق هذه الرؤية على فاعلية التنفيذ أكثر من اعتماده على التشريع ذاته. فإذا نجحت الهيئة في تحقيق التوازن بين الصرامة العلمية التي تضمن سلامة وموثوقية العلاجات، والطموح الاقتصادي الذي يستهدف جذب الاستثمارات وتسريع الابتكار، فقد تصبح دبي من أوائل المدن في العالم التي تنجح في تحويل قطاع طول العمر من مجال صحي ناشئ ومحدود النطاق إلى قطاع اقتصادي منظم يتمتع بأطر تشريعية واضحة، وقادر على استقطاب الاستثمارات والشركات والمواهب العالمية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *