عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
أعلنت وزارة المالية إضافة خدمتين جديدتين إلى النظام الإلكتروني الخاص بضريبة الأملاك المبنية، هما تقديم تصريح الشغور وتقديم تصريح تنزيل السكن إلكترونياً، في إطار برنامجها للتحول الرقمي وتبسيط الإجراءات الإدارية. وتتيح هذه الخطوة للمكلفين إنجاز معاملاتهم عن بُعد، من دون الحاجة إلى مراجعة الدوائر المالية، عبر المنصة الإلكترونية للوزارة.
ويعكس هذا القرار توجهاً متزايداً لدى الإدارة اللبنانية نحو رقمنة الخدمات العامة، في محاولة لمعالجة جزء من التعقيدات البيروقراطية التي لطالما شكلت عبئاً على المواطنين والإدارة في آن واحد. غير أن أهمية الخطوة لا تُقاس فقط بإطلاق الخدمة، بل بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها الوزارة، وفي مقدمتها تسهيل المعاملات، وضمان حقوق المكلفين، وتحسين مستوى الجباية.
ماذا تعني الخدمتان؟
يتيح تصريح الشغور لمالك العقار الذي أصبح شاغراً، ووفق الشروط القانونية، طلب وقف استحقاق الضريبة عن فترة الشغور، وهو حق كان يتطلب في السابق مراجعات إدارية وإرفاق مستندات ورقية، ما كان يستهلك وقتاً وجهداً.
أما تصريح تنزيل السكن، فيتيح للمالك الذي يشغل العقار بنفسه الاستفادة من التخفيضات الضريبية التي ينص عليها القانون، ضمن حدود مسكنين على كامل الأراضي اللبنانية، من خلال تقديم الطلب إلكترونياً.
وبذلك يصبح بإمكان المكلف إنجاز هاتين المعاملتين من منزله، من دون الانتقال إلى الدوائر المالية، ما يفترض أن يخفف الازدحام ويختصر مدة إنجاز الملفات.
لا شك أن القرار يحمل مجموعة من الإيجابيات المهمة، أبرزها:
- تخفيف الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة، بما يحد من الازدحام ويقلل فرص التأخير.
- تقليص الكلفة والوقت على المواطنين، ولا سيما المقيمين في مناطق بعيدة عن مراكز المالية.
- تعزيز الشفافية من خلال تسجيل الطلبات إلكترونياً وإمكانية تتبعها، بما يحد من الاستنسابية.
- رفع كفاءة الإدارة الضريبية عبر الاعتماد على قواعد بيانات رقمية بدلاً من الملفات الورقية.
- تحسين الامتثال الضريبي، إذ يصبح تقديم التصاريح أكثر سهولة، ما يشجع المكلفين على الالتزام بالمواعيد القانونية.
- توفير قاعدة معلومات أكثر دقة عن واقع الأملاك المبنية وإشغالها، وهو ما يساعد في رسم سياسات ضريبية أكثر عدالة.
لكن… هل تكفي الرقمنة وحدها؟
رغم أهمية الخطوة، إلا أنها تطرح مجموعة من الأسئلة والتحديات.
فأولها يتعلق بالبنية التحتية الرقمية في لبنان، حيث لا تزال خدمة الإنترنت والكهرباء تعاني من انقطاعات متكررة، الأمر الذي قد يحد من استفادة شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً في المناطق الريفية.
كما أن الفجوة الرقمية لا تزال قائمة، إذ إن عدداً كبيراً من كبار السن أو غير المتمرسين باستخدام الخدمات الإلكترونية قد يجدون صعوبة في إنجاز معاملاتهم من دون مساعدة، ما يستوجب الإبقاء على قنوات خدمة تقليدية أو إنشاء مراكز دعم وإرشاد.
ومن التحديات أيضاً ضرورة ضمان أمن المعلومات والبيانات الشخصية، فكل توسع في الخدمات الإلكترونية يفرض تعزيز أنظمة الحماية الإلكترونية لمنع أي اختراق أو تسريب للبيانات العقارية والضريبية.
ويبرز كذلك سؤال يتعلق بسرعة معالجة الطلبات؛ فالرقمنة لا تحقق هدفها إذا بقيت الملفات تنتظر أسابيع أو أشهر للموافقة عليها داخل الإدارة. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على تحويل الاستمارات من الورق إلى الشاشة، بل يشمل إعادة هندسة الإجراءات الإدارية واختصار مسارات اتخاذ القرار.
تجارب العديد من الدول أثبتت أن نجاح الحكومة الإلكترونية لا يقاس بعدد الخدمات المنشورة على الإنترنت، وإنما بمدى تكامل قواعد البيانات بين الإدارات، وإلغاء المستندات التي تملكها الدولة أصلاً، واعتماد التوقيع الإلكتروني، وإنجاز المعاملة كاملة من دون أي مراجعة ورقية.
ومن هنا، فإن نجاح وزارة المالية في هذه التجربة ينبغي أن يكون مقدمة لرقمنة خدمات أخرى، مثل معاملات الرسوم العقارية، والضرائب المختلفة، والاستعلامات الضريبية، وربطها بمنصة موحدة تسهل العلاقة بين المواطن والإدارة.
بين حق المواطن وحق الخزينة
من الناحية المالية، يمكن لهذه الخطوة أن تحقق توازناً مهماً بين حماية حقوق المكلفين وتعزيز إيرادات الدولة. فالمواطن الذي يستحق إعفاءً أو تخفيضاً سيتمكن من الحصول عليه بسهولة أكبر، في حين تمتلك الإدارة بيانات أكثر دقة تحد من التصريحات غير الصحيحة وتساعد على تحسين التحصيل الضريبي.
لكن ذلك يبقى مرتبطاً بوجود آليات رقابة إلكترونية فعالة للتحقق من صحة التصاريح، منعاً لأي استغلال أو تهرب ضريبي.
خلاصة
يمثل قرار وزارة المالية إضافة خدمتي تصريح الشغور وتصريح تنزيل السكن إلكترونياً خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، ورسالة بأن الإدارة اللبنانية بدأت تتحرك تدريجياً نحو مفهوم الحكومة الرقمية. إلا أن الرقمنة ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لبناء إدارة أكثر كفاءة وشفافية وعدالة.
ويبقى النجاح الحقيقي مرهوناً بسرعة إنجاز الطلبات، وتوفير الدعم للمواطنين، وحماية البيانات، واستكمال مشروع التحول الرقمي ليشمل مختلف الخدمات المالية والإدارية، بحيث تتحول هذه المبادرات من خطوات متفرقة إلى سياسة إصلاحية متكاملة تعيد الثقة بالعلاقة بين المواطن والدولة







