أخبار اقتصادية

“تسلا”.. عندما تتراجع الأرباح تتكاثر الوعود

مع تعثّر النشاط الرئيسي لشركة “تسلا” في مجال السيارات الكهربائية، اتسعت سرديتها لتشمل آفاقاً جديدة. وبات تقييم الشركة، الذي يتجاوز تريليون دولار، يرتبط على نحو متزايد بالضخامة المطلقة لبعض الأسواق المستهدفة التي تروّج لها، أكثر من ارتباطه بمدى نجاح “تسلا” في اقتحام تلك الأسواق. ولم تساعد مكالمة إعلان النتائج الأخيرة، على تحسين الصورة في أي من الجانبين.

لنبدأ بأرقام الربع الثاني. سجلت “تسلا” أعلى إيرادات فصلية في تاريخها، لكنها حققت أيضاً أدنى أرباح تشغيلية في ست سنوات، حين كانت الإيرادات أقل بكثير وكانت جائحة “كوفيد-19” في أوجها.

وعكست القفزة الكبيرة في مبيعات السيارات، التي أُعلن عنها قبل أسابيع قليلة، تصفية المخزون، ما ضغط على هوامش النشاط الرئيسي لـ”تسلا”. ففي حين ارتفعت التسليمات 34% مُقارنةً بالربع السابق، زاد إجمالي أرباح قطاع السيارات 1% فقط. كما جاءت هوامش قطاع الطاقة، التي كانت إحدى قصص النجاح العام الماضي، فاترة. في المقابل، محا الارتفاع الكبير في المصروفات التشغيلية أكثر من كامل الزيادة في إجمالي أرباح قطاع الخدمات.

جاءت الأرباح دون التقديرات بفارق هائل، وكانت ستبدو أسوأ من ذلك لولا دفعة استثنائية كبيرة من شركة أخرى يملكها الرئيس التنفيذي إيلون ماسك، أُدرجت حديثاً في البورصة، وهي “سبيس إكسبلوريشن تكنولوجيز” (Space Exploration Technologies Corp). وعادلت المكاسب غير المحققة من حصة “تسلا” في “سبيس إكس” (SpaceX) أكثر من ثلثي أرباح “تسلا” بأكملها، علماً بأن قيمة تلك الأسهم هبطت بنحو الثلث منذ 30 يونيو.

باختصار، كانت أرباح “تسلا” في الربع الثاني منخفضةً من حيث القيمة المطلقة والجودة معاً؛ إذ استندت إلى حماسة عابرة تُجاه الصواريخ، وإلى الفوائد المتحققة على أرصدة الشركة المصرفية.

تفوق “تسلا” نقدياً

أما المجال الذي تفوقت فيه “تسلا”، فكان التدفق النقدي الحر، إذ بلغ معدل حرق السيولة 1.1 مليار دولار فقط خلال الربع. غير أن الصورة هنا أيضاً أقل إشراقاً مما تبدو. فقد استفاد التدفق النقدي من العمليات من تحول بقيمة 1.4 مليار دولار في رأس المال العامل. كذلك واصلت “تسلا” إنفاق مبالغ تقل عن مخصصات ميزانيتها للنفقات الرأسمالية، بفارق بلغ 1.7 مليار دولار. وتُشير التوجيهات الآن إلى أن النفقات الرأسمالية ستتجاوز الضعف في النصف الثاني من 2026 مُقارنةً بالنصف الأول، مع التخطيط لمزيد من الزيادات خلال عدة سنوات مقبلة.

ويبدو هذا النوع من الأوضاع المقلقة ملائماً تماماً لإحدى جرعات الإنعاش المعتادة لسردية “تسلا”. وكانت جميع العناصر حاضرة في المكالمة: “أوبتيموس”، والسيارات ذاتية القيادة، والرقائق. لكن التفاصيل كانت شحيحة للغاية.

كما أشارت القائمة المنتقاة من أسئلة المستثمرين، التي تُعد مسبقاً قبل هذه الفعاليات، إلى تنامي القلق بشأن القضية الكبرى: عدم إحراز “تسلا” تقدماً في الإطلاق واسع النطاق لسيارات الأجرة ذاتية القيادة، الذي وعدت به منذ فترة طويلة. وحاول ماسك الالتفاف على المسألة بالإشارة إلى أن “العائق” يتمثل في السلامة، موضحاً أن “تسلا” تسعى إلى التوسع بأسرع ما يمكن “مع محاولة ضمان عدم إلحاق الأذى بأي شخص”. ولا شك أن ذلك هدف جدير بالثناء، لكنه يبدو عاماً إلى حد ما، أليس كذلك؟ فجميع الشركات تقريباً، ولا سيما تلك التي تشغّل مركبات متحركة، مُقيدة بهذا المطلب الأساسي. لكن ليست كل الشركات تزعم مراراً أنها حلّت هذه المشكلة إلى حد كبير، قبل أن تعود إلى الاستشهاد بها باعتبارها عائقاً.

وما زاد الأمر التباساً أن “تسلا” استعانت برئيس برمجيات الذكاء الاصطناعي لديها، أشوك إيلوسوامي، للترويج لإحصائية أخرى تتعلق بالسلامة، إذ قال إن سيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة للشركة قطعت حتى الآن 380 ألف ميل من دون إشراف، مع تسجيل “صفر من الحوادث الجديرة بالذكر”. ومن وجهة نظره، يثبت ذلك صحة نهج الشركة القائم على استخدام الكاميرات وحدها في أنظمة الاستشعار، من دون الحاجة إلى تقنية الليدار أو الرادار أو غيرهما من تقنيات السلامة التي يوصي بها “من يُطلق عليهم الخبراء”.

لكن إلى جانب أن “تسلا” هي التي تحدد المقصود بكلمة “جديرة بالذكر”، فإن قطع 380 ألف ميل في عالم سيارات الأجرة ذاتية القيادة يشبه بالكاد الوصول إلى نهاية ممر سيارتك أمام المنزل. فهذا الرقم يعادل أقل من 0.2% من الأميال التي قطعتها سيارات “وايمو” (Waymo LLC) بالفعل من دون سائق أو إشراف حتى مارس. فالادعاءات الضخمة تتطلب جهداً أكبر من ذلك بقليل، حتى عندما تصدر عن “تسلا”.

ضبابية إيلون ماسك

وزاد ماسك الصورة ضبابية عندما أشار إلى أن الهيكل الجديد لسيارة “سايبركاب”، وهي مركبة الشركة الجديدة المصممة خصيصاً لعمليات سيارات الأجرة ذاتية القيادة، يعني أن “تسلا” ستحتاج إلى جمع بيانات قيادة خاصة بهذه المركبة قبل نشر أعداد كبيرة منها على الطرق، ما يوحي بمزيد من التأخير. وفيما يتعلق بـ”أوبتيموس”، قال ماسك إن إنتاج الروبوت الشبيه بالبشر سيتبع منحنى على شكل حرف “S”، وهي لازمة شبه إلزامية في أي عرض لمنتجات “تسلا”، لكنه حذر أيضاً من أن الجزء الأول من ذلك الحرف سيكون “مسطحاً وطويلاً للغاية”. وهو ما يجعله أقرب، بالتأكيد، إلى شرطة سفلية منه إلى حرف “S”.

ربما يتجاهل المتفائلون حُيال سهم “تسلا” ذلك كعادتهم، أو يحولون انتباههم إلى تحالف محتمل مع “سبيس إكس”، وهو أمر سُئل عنه ماسك، فأجاب بتعليقات إيجابية، لكنها ظلت، على نحو ملائم، غير ملزمة. غير أن الواقع الراهن يتمثل في ثلاثية من الأرباح الضعيفة، والإنفاق المتصاعد، وانحراف السردية عن مسارها. وربما تكون “تسلا” كهربائية بالكامل، لكنها تبدو هذه الأيام وكأنها تسير على آخر أبخرة الوقود.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *