ناجي الخوري
لا يمكن النظر إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب السماح لشركات الطيران الأميركية باستئناف الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بعد انقطاع استمر منذ عام 1985، على أنه مجرد قرار يتعلق بقطاع النقل الجوي، بل يحمل أبعاداً اقتصادية واستثمارية وسياسية تتجاوز بكثير حركة الطائرات والمسافرين.
فالقرار يمثل، في جوهره، رسالة ثقة أميركية بأن البيئة الأمنية في لبنان دخلت مرحلة مختلفة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على نظرة الأسواق والمؤسسات المالية والمستثمرين إلى الاقتصاد اللبناني.
أما اقتصادياً، يشكل قطاع الطيران أحد أهم المؤشرات التي تعتمدها الأسواق العالمية لقياس مستوى المخاطر في أي دولة. فعندما تعود شركات أميركية إلى تشغيل رحلاتها، فإن ذلك يعني أن التقديرات الأمنية والتأمينية شهدت تحسناً يسمح بإعادة تقييم المخاطر، وهو عنصر بالغ الأهمية بالنسبة لشركات التأمين العالمية وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الدولية.
قرار يفتح الباب أمام زيادة حركة المسافرين بين لبنان والولايات المتحدة، حيث تقيم جالية لبنانية واسعة تمتلك قدرات مالية واستثمارية كبيرة، اذ مع تسهيل السفر المباشر، تصبح كلفة الانتقال أقل والوقت أقصر، ما قد يؤدي إلى ارتفاع عدد الزوار، سواء لأغراض السياحة أو الأعمال أو الاستثمار أو زيارة الأقارب، وهو ما ينعكس مباشرة على قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والأسواق التجارية.
كما انه يحمل دلالة مهمة للمستثمرين الأجانب، اذ ان شركات الاستثمار لا تراقب المؤشرات الاقتصادية فقط، بل تتابع أيضاً الإشارات السياسية والأمنية. فعندما تسمح واشنطن لشركاتها الجوية بالعودة إلى بيروت بعد أكثر من أربعة عقود، فإن ذلك يُقرأ في الأسواق باعتباره مؤشراً على تراجع مستوى المخاطر مقارنة بالمراحل السابقة، حتى وإن بقيت تحديات أمنية وسياسية قائمة.
أما من زاوية الاقتصاد السياسي، فيبدو القرار جزءاً من مقاربة أميركية أوسع تهدف إلى دعم استقرار لبنان عبر أدوات اقتصادية موازية للمسار السياسي والأمني. فالولايات المتحدة تدرك أن أي استقرار مستدام يحتاج إلى تحريك الدورة الاقتصادية، وليس الاكتفاء بالمساعدات العسكرية أو الدبلوماسية. هنا، يمكن فهم قرار إعادة الرحلات الجوية باعتباره خطوة لبناء الثقة بالاقتصاد اللبناني، وتشجيع القطاع الخاص على استعادة نشاطه.
غير ان الانعكاسات لا تقتصر على الطيران الأميركي وحده، بل قد تمتد إلى شركات أوروبية وآسيوية كانت تعتمد سياسة الحذر تجاه السوق اللبنانية، إذ غالباً ما تتأثر قرارات شركات الطيران العالمية بالموقف الأميركي، سواء من ناحية تقييم المخاطر أو كلفة التأمين أو توقعات الطلب على السفر. وإذا ترافقت هذه الخطوة مع استمرار الاستقرار الأمني، فقد يشهد مطار بيروت زيادة تدريجية في عدد الشركات والرحلات الدولية.
من جانب آخر، سينعكس القرار إيجاباً على صورة لبنان الائتمانية، حيث أن وكالات التصنيف والمؤسسات المالية الدولية لا تنظر إلى المؤشرات المالية وحدها، بل تأخذ في الاعتبار البيئة التشغيلية، الانفتاح الدولي، وسهولة الوصول إلى الأسواق. لذلك، فإن استعادة الربط الجوي مع الولايات المتحدة تمنح الاقتصاد اللبناني نقطة إيجابية إضافية، وإن كانت غير كافية وحدها لمعالجة الأزمة المالية العميقة.
غير ان كل ما تقدم، لا ينبغي ان يدفعنا للمبالغة في حجم التأثير المباشر. فالاقتصاد اللبناني لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتمثل في الإصلاحات المالية والمصرفية، إعادة هيكلة الدين العام، استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتحسين بيئة الأعمال، وبالتالي، يمثل قرار الرئيس ترامب، فرصة أكثر منه حلاً بحد ذاته، إذ يتطلب استثمار هذه الفرصة عبر إصلاحات اقتصادية وإدارية تعيد جذب الرساميل والاستثمارات.
عليه، يتجاوز قرار فتح الأجواء أمام شركات الطيران الأميركية رمزيته الدبلوماسية ليصبح مؤشراً اقتصادياً بالغ الأهمية، استنادا الى:
- عكسه بداية تحول في النظرة الدولية إلى لبنان – بعثه برسالة إلى الأسواق بأن بيروت قد تكون على أعتاب مرحلة أكثر استقراراً إذا ما اقترنت هذه الإشارة السياسية بإصلاحات داخلية جادة.
هكذا، بين رمزية الطائرة الأميركية الأولى التي ستحط في بيروت، وإمكانات استعادة لبنان لدوره الاقتصادي، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة على تحويل هذا الانفتاح إلى مسار دائم للنمو والاستثمار، لا إلى حدث سياسي عابر.







