على الرغم من التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة وحركة الملاحة البحرية في منطقة الخليج منذ 28 شباط الماضي، واصل المطورون العقاريون في دولة الإمارات العربية المتحدة ضخ استثمارات بمليارات الدراهم، مراهنين بقوة على مستقبل القطاع العقاري في الدولة.
ففي الأشهر القليلة الماضية وحدها، أعلن المطورون عن إطلاق أو إنجاز مشاريع وعمليات استحواذ تجاوزت قيمتها الإجمالية حاجز الـ 63.5 مليار دولار (ما يعادل 233 مليار درهم إماراتي)، شملت إمارتي دبي وأبوظبي، بالإضافة إلى الممر التنموي سريع النمو الذي يربط بينهما.
مؤشرات أساسية قوية ومعدلات إشغال قياسية
تأتي هذه الطفرة الاستثمارية مدعومة بمؤشرات أساسية قوية يواصل السوق العقاري تسجيلها في الدولة؛ ووفقًا لبيانات شركة الاستشارات العقارية Savills، سجلت العاصمة أبوظبي نحو 7,800 صفقة سكنية خلال الربع الأول من عام 2026، بينما تخطت معدلات الإشغال في المباني المكتبية الفاخرة (الدرجة الممتازة) نسبة الـ 95%.
وفي دبي، سُلّم أكثر من 10 آلاف شقة سكنية للربع الثاني على التوالي، في حين واصل الطلب على المساحات المكتبية من الفئة الأولى تفوقه على حجم المعروض في مناطق الأعمال الحيوية.
وعلى الرغم من أن تقرير شركة “جيه إل إل” حول حركية سوق الإسكان في الإمارات أظهر تراجعًا في قيم الصفقات الأسبوعية بنسبة تقارب الـ 50% مقارنة بمتوسطات ما قبل النزاع خلال ذروة الصدمة الأولى في أواخر فبراير/شباط ومارس/آذار من هذا العام، إلا أن وتيرة هذا التراجع قد تباطأت بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين لتستقر الأوضاع.
نمو استثنائي في حجم الصفقات وقيمها
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الأراضي والأملاك في دبي تسجيل صفقات بقيمة 68.6 مليار دولار (252 مليار درهم إماراتي) خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يمثل نموًا بنسبة 31% على أساس سنوي، توزعت على أكثر من 60 ألف عملية تصرف عقاري.
أما مركز أبوظبي العقاري، فقد رصد قفزة أكثر قوة؛ حيث بلغت قيمة التداولات 18 مليار دولار (66 مليار درهم إماراتي) مقارنة بـ 6.9 مليار دولار (25.3 مليار درهم إماراتي) في الفترة ذاتها من العام السابق، محققة زيادة قياسية بلغت 160%، في حين تضاعف عدد الصفقات تقريبًا ليصل إلى 13,518 صفقة.
ولوضع هذه الأرقام في سياقها الأشمل، تشير حصيلة عام 2025 الكاملة الصادرة عن شركة Knight Frank إلى تسجيل 205,400 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 544.2 مليار درهم إماراتي، بارتفاع بلغت نسبته 25% على أساس سنوي، وهو ما يعد رقمًا قياسيًا غير مسبوق للقطاع.
من جانبه، يرى فيصل دوراني، الشريك ورئيس قسم الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Knight Frank أن “هذا المستوى الاستثنائي من النشاط يعكس الجاذبية المتزايدة التي تتمتع بها دبي لدى المستثمرين والمشترين المحليين والدوليين.”
تسارع وتيرة المشاريع الكبرى
وفي سياق متصل، تتسارع وتيرة إطلاق المشاريع العقارية الكبرى؛ إذ شهد شهر آذار الماضي إبرام أحدث الصفقات البارزة مع استحواذ شركة “امتياز للتطوير العقاري” على قطعة أرض استراتيجية في منطقة “وسط مدينة جبل علي” لتطوير مشروع متعدد الاستخدامات بقيمة تُقدر بنحو 544.5 مليون دولار (2 مليار درهم إماراتي)، ما يمثل إضافة استثمارية ضخمة جديدة إلى قائمة متنامية من الصفقات العقارية الكبرى التي تم إنجازها بنجاح على الرغم من حالة عدم اليقين الإقليمية.
ويعكس هذا الاستحواذ الاهتمام المتزايد بممر النمو الجنوبي في دبي، وهو المحور الحيوي الذي يربط بين دبي مارينا، ومدينة إكسبو دبي، وميناء جبل علي، ونخلة جبل علي، ومطار آل مكتوم الدولي.
وفي هذا الإطار، علق مسيح امتياز، الرئيس التنفيذي لشركة “امتياز للتطوير العقاري”، مؤكدًا أن رؤية قيادة دبي وبنيتها التحتية طويلة المدى أثبتت مجددًا أن المدينة لم تُبنَ لتحقيق النمو فحسب، بل لترسيخ الاستقرار والصلابة في أوقات عدم اليقين.
وتأتي صفقة شركة “امتياز” امتدادًا لسلسلة متواصلة من الاستثمارات المليارية الضخمة؛ ففي حزيران الماضي، كشفت شركة “إعمار العقارية” عن خطط طموحة لإطلاق منطقة رئيسية جديدة متكاملة بقيمة تطويرية تقديرية تبلغ 54.5 مليار دولار (200 مليار درهم إماراتي)، وهي مخصصة لاستيعاب ما يقرب من 150 ألف نسمة وتمتد على مساحة تتجاوز 4.5 مليون متر مربع، لتصبح واحدة من أضخم المشاريع الحضرية في دبي.
وفي منحى مماثل، ضاعفت شركة “أورا ديفلوبرز” في نيسان الماضي محفظة أراضيها في منطقة غنتوت باستحواذها على مساحة إضافية تبلغ 4.8 مليون متر مربع من شركة “مدن القابضة”، مما يمهد الطريق لاستثمار ضخم تُقدر قيمته بنحو 8.2 مليار دولار (30 مليار درهم إماراتي).
لماذا يواصل المطورون الشراء؟
بالنسبة لشركة “امتياز للتطوير العقاري”، فإن الجدوى الاستثمارية تتجاوز بكثير الدورات الجيوسياسية قصيرة المدى؛ إذ يرى مسيح امتياز أن السوق العقاري في دبي يدخل حاليًا مرحلة أكثر نضجًا، حيث باتت القيمة طويلة الأجل للأراضي المتميزة مدفوعة بشكل متزايد بالموقع الاستراتيجي بدلاً من التوسع السريع.
وفي مقابلة سابقة له مع فوربس الشرق الأوسط، شبّه امتياز التطور المستمر الذي تشهده دبي بالأسواق العقارية العالمية الناضجة مثل مدينة نيويورك، حيث تلعب ندرة الأراضي المتميزة دورًا رئيسيًا في توجيه القرارات الاستثمارية. ومع تزايد صعوبة تأمين المواقع الفاخرة، يضع المطورون اليوم على رأس أولوياتهم اختيار المواقع التي تتمتع ببنية تحتية قوية، وشبكة ربط متميزة، وجاذبية عالية لنمط الحياة العصري.
وتتماشى هذه الرؤية تمامًا مع اتجاهات السوق الأوسع؛ حيث تشير شركة ” Savills” إلى أن دبي تنتقل إلى مرحلة نمو أكثر نضجًا واستقرارًا، مدعومة بمشاريع بنية تحتية ضخمة، وفي مقدمتها توسعة مطار آل مكتوم الدولي وتطوير الخط الأزرق لمترو دبي. وبدلاً من الاعتماد الكلي على الارتفاع السريع في الأسعار، بات المطورون يستهدفون المواقع المرشحة للاستفادة من التحسينات طويلة الأجل في شبكات الربط والمواصلات، ومراكز التوظيف، والنمو السكاني المستمر.
ويرتكز قرار الاستحواذ لدى شركة “امتياز” على تساؤل جوهري دائم “هل سيخلق هذا المشروع قيمة مضافة للعميل؟”. وتفسر هذه الفلسفة الاستثمارية سر استمرار العديد من المطورين في شراء الأراضي على الرغم من التوترات الإقليمية، مفضلين التموضع الاستراتيجي لتلبية الطلب طويل الأجل بدلاً من اتخاذ ردود أفعال متأثرة بالمتغيرات الجيوسياسية العابرة.
استمرار الصفقات العقارية الكبرى
أما خارج نطاق المشاريع العقارية الجديدة بالكامل، فيبدي المستثمرون اهتمامًا ملموسًا بالاستحواذ على الأصول العقارية الفريدة والأيقونية في السوق.
وفي واحدة من أكبر صفقات الأصول الفردية التي شهدتها دبي في السنوات الأخيرة، استحوذت شركة “إيه إتش إس العقارية” على فندق “شانغريلا” الشهير الواقع على شارع الشيخ زايد، في صفقة بلغت قيمتها 299 مليون دولار (1.1 مليار درهم إماراتي).
وفي تعليقه على هذه الصفقة، قال عباس سجواني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إيه إتش إس العقارية “نحن لم نشتري الفندق فقط؛ بل استحوذنا على موقع استراتيجي فريد ضمن ممر حيوي يشهد ندرة في المعروض، في وقت يتسم فيه الطلب بتنوع عالمي واسع”.
وفي المقابل، واصلت العاصمة أبوظبي جذب الاستثمارات النوعية؛ حيث استحوذت شركة “وان للتطوير العقاري” على قطعة أرض متميزة في جزيرة الريم، بهدف تطوير مشروع سكني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يضم خدمات وتقنيات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لأتمتة تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
الثقة في مواجهة عدم اليقين
تأتي هذه الطفرة الاستثمارية المتواصلة على الرغم من أشهر من التوترات الإقليمية المستمرة، بما في ذلك الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، والتقلبات التي طالت أسواق الطاقة العالمية.
وبالنسبة للمراقبين والمحللين في القطاع العقاري، فإن التدفق المستمر لرؤوس الأموال يعكس ثقة عميقة في المؤشرات الاقتصادية الأساسية ودائمة الأثر لدولة الإمارات العربية المتحدة، بدلاً من التأثر بالمتغيرات الجيوسياسية المؤقتة.
وفي تصريح خاص لـ فوربس الشرق الأوسط، قال بين غونزاليس، المدير الإقليمي والمدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة الهندسة المعمارية العالمية HKS Real Estate، “يواصل المطورون الاستثمار في دولة الإمارات لأنها أثبتت مرارًا وتكرارًا أن مسيرتها لا تحددها حالة عدم اليقين، بل تصوغها الطريقة الاستراتيجية التي تستجيب بها لتلك التحديات”.
وأضاف غونزاليس مؤكدًا “لا يمكن لأحد أن يراهن ضد دولة الإمارات؛ إذ تتبنى قيادتها رؤية شاملة وطويلة المدى للنمو، والبنية التحتية، والتنويع الاقتصادي، وهو ما يمنح المستثمرين الثقة الكاملة للتطلع إلى ما هو أبعد من التوترات الإقليمية قصيرة المدى، والالتزام بالمستقبل”.
وأوضح قائلًا “إن دولة الإمارات لا تبني مجرد مشاريع عقارية، بل تشيّد مدنًا مرنة، ووجهات عالمية، وقيمًا مستدامة على المدى الطويل”.
وفي سياق متصل، تحركت تكاليف التمويل في اتجاه يصب في مصلحة المطورين والمشترين على حد سواء؛ حيث خفض مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي سعر الفائدة الأساسي إلى 3.65% في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، تماشيًا مع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة؛ وبما أن الدرهم الإماراتي مرتبط بالدولار، فإن تكاليف الاقتراض في الدولة تتحرك بالتزامن مع السياسة النقدية الأميركية.
آفاق النمو طويل الأجل
تأتي خطط التطور المستقبلية لتؤكد هذه الثقة الكبيرة في السوق؛ إذ تُقدر شركة Savillsأن دبي ستشهد تسليم نحو 65,000 شقة سكنية و12,500 فيلا بحلول نهاية عام 2026، في حين تعتزم العاصمة أبوظبي إنجاز أكثر من 7,000 وحدة سكنية وفقًا لجدولها الزمني.
وتتماشى هذه الاستثمارات المذكورة مع الجهود الحكومية الأوسع الرامية إلى توسيع البنية التحتية، وزيادة الطاقة الاستيعابية لقطاع الطيران، وتعزيز شبكات السياحة والخدمات اللوجستية. ونتيجة لذلك، يركز المطورون استثماراتهم بشكل متزايد على المناطق المحيطة بنخلة جبل علي، ومطار آل مكتوم الدولي، ومنطقتي غنتوت وجزيرة الريم، مراهنين على أن النمو السكاني، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، والتنويع الاقتصادي عوامل ستضمن استدامة الطلب في المستقبل.
وفي هذا الصدد، يرى غونزاليس أن التدفق المستمر لرؤوس الأموال نحو المشاريع العقارية الأيقونية يبرهن على أن المستثمرين يركزون بشكل كامل على قصة النمو طويل الأجل لدولة الإمارات العربية المتحدة، متجاوزين التحديات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة.




