عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
رغم أن بيروت احتلت المرتبة 287 عالمياً والثالثة عربياً في مؤشر كلفة المعيشة لمنتصف عام 2026، فإن هذا التصنيف لا يعني أن اللبنانيين يعيشون في مدينة منخفضة الكلفة، بل يكشف واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية تعقيداً في العالم: انخفاض الأسعار نسبياً مقارنة بمدينة نيويورك يقابله انهيار غير مسبوق في القدرة الشرائية، ما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة من مدن تتجاوزها بكثير في مستويات الأسعار.
فالأرقام التي نشرها موقع Numbeo، واعتمدتها وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الاعتماد اللبناني، تحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد ترتيب عالمي، لأن المؤشر يقيس الأسعار مقارنة بمدينة نيويورك، لكنه لا يقيس قدرة المواطنين الفعلية على تحمّل تلك الأسعار، وهي النقطة التي تفسر الواقع اللبناني.
فقد سجّلت بيروت 54.6 نقطة في مؤشر كلفة المعيشة، أي أن الأسعار فيها تقل بنحو 45.4% عن نيويورك. لكن هذه النسبة تصبح مضللة عندما ننتقل إلى مؤشر القدرة الشرائية المحلية الذي لم يتجاوز 32 نقطة، ما يعني أن القوة الشرائية للمقيم في بيروت تقل بحوالي 68% عن نظيرتها في نيويورك.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فالمشكلة ليست أن الأسعار مرتفعة قياساً إلى المدن العالمية، بل إن الدخول والأجور في لبنان أصبحت عاجزة عن مواكبة حتى الأسعار المحلية بعد سنوات من الانهيار المالي والنقدي.
لقد تحولت الأزمة اللبنانية من أزمة تضخم إلى أزمة دخل، وهي أخطر بكثير، لأن انخفاض الأسعار نسبياً لا يفيد المواطن إذا كان دخله يتراجع بوتيرة أسرع.
مفارقة لبنانية فريدة
تكشف المقارنة الإقليمية أن دبي جاءت الأغلى عربياً باحتلالها المرتبة 232 عالمياً، تلتها أبو ظبي في المرتبة 283، ثم بيروت في المرتبة 287.
لكن هذه المقارنة تخفي اختلافاً جوهرياً.
ففي دبي وأبو ظبي ترتفع الأسعار بالفعل، إلا أن مستويات الأجور مرتفعة أيضاً، ما ينعكس في مؤشرات قدرة شرائية تجاوزت 90 و110 نقاط.
أما في بيروت، فإن انخفاض الأسعار لا يقابله أي تعويض في مستوى الدخل، بل على العكس، تسجل المدينة أحد أدنى مؤشرات القدرة الشرائية في المنطقة بأسرها.
بمعنى آخر، قد يكون سعر السلعة أقل من دبي أو أوروبا، لكن المواطن اللبناني يحتاج إلى نسبة أكبر من راتبه لشرائها.
لماذا ارتفع المؤشر مجدداً في 2026؟
تشير البيانات التاريخية إلى أن مؤشر كلفة المعيشة في بيروت شهد تقلبات حادة خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن بلغ مستويات مرتفعة جداً بين عامي 2020 و2022 نتيجة الانهيار الكبير في سعر صرف الليرة اللبنانية، عاد ليتراجع خلال عامي 2023 و2024 مع تكيف السوق تدريجياً مع الدولرة، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 45.5 نقطة في 2025 ثم إلى 54.6 نقطة في منتصف 2026.
ويربط التقرير هذا الارتفاع بالتوترات الإقليمية الأخيرة في الشرق الأوسط، إلا أن الأسباب الاقتصادية أوسع من ذلك بكثير.
فالاقتصاد اللبناني لا يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، فيما ترتبط أسعار السلع مباشرة بالدولار الأميركي وكلفة النقل والتأمين والشحن، وهي عناصر شهدت جميعها ارتفاعاً خلال الأشهر الماضية.
كما أن الأسواق المحلية ما زالت تفتقر إلى المنافسة الكافية وإلى الرقابة الفعالة، الأمر الذي يسمح بهوامش ربح مرتفعة في العديد من القطاعات.
أسعار أقل… لكن الحياة أكثر صعوبة
تظهر البيانات أن أسعار الإيجارات في بيروت تقل بحوالي 79% عن نيويورك، فيما تقل أسعار السلع بنحو 53% وأسعار المطاعم بنحو 47%.
غير أن هذه الأرقام لا تعني أن السكن أو الغذاء أصبحا في متناول اللبنانيين.
فالرواتب التي فقدت معظم قيمتها منذ عام 2019 جعلت أي زيادة في الأسعار تشكل عبئاً مضاعفاً.
فإذا كان المواطن الأميركي ينفق نسبة محدودة من دخله على الغذاء أو الإيجار، فإن اللبناني قد يخصص معظم راتبه لتغطية الاحتياجات الأساسية فقط، دون أن يبقى لديه هامش للادخار أو الاستثمار أو حتى الإنفاق على التعليم والصحة.
غياب الإصلاحات يعمّق الأزمة
لا يمكن فصل تطور مؤشر كلفة المعيشة عن غياب الإصلاحات الاقتصادية.
فحتى اليوم، لم تستعد الدولة قدرتها على ضبط الأسواق أو حماية المنافسة أو تنفيذ إصلاحات مالية تعيد الثقة بالاقتصاد.
كما أن استمرار الاعتماد على الاقتصاد النقدي، وضعف الإنتاج المحلي، وغياب سياسة صناعية وزراعية واضحة، كلها عوامل تجعل أي اضطراب خارجي ينعكس سريعاً على الأسعار.
وفي المقابل، لا تزال الأجور في القطاعين العام والخاص تتأخر عن مواكبة الارتفاعات المتلاحقة في تكاليف المعيشة.
الاقتصاد اللبناني يعيش “وهم رخص الأسعار”
من الأخطاء الشائعة تفسير انخفاض مؤشر كلفة المعيشة على أنه دليل إيجابي.
فالاقتصاديون ينظرون دائماً إلى العلاقة بين الأسعار والدخل وليس إلى الأسعار وحدها.
ولهذا فإن بيروت قد تبدو مدينة “رخيصة” بالنسبة للسائح الأجنبي أو لمن يتقاضى دخله بالدولار، لكنها من أكثر المدن قسوة بالنسبة للمقيم الذي يعتمد على دخل محلي محدود.
وهذه المفارقة هي التي تفسر استمرار تراجع مستوى المعيشة رغم استقرار نسبي في سعر الصرف خلال الأشهر الأخيرة.
ماذا تعني هذه الأرقام للمستقبل؟
إذا استمرت التوترات الإقليمية وارتفعت كلفة الاستيراد أكثر، فمن المرجح أن يواصل مؤشر كلفة المعيشة ارتفاعه خلال النصف الثاني من عام 2026.
أما إذا بقيت الأجور على حالها، فإن الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية ستزداد اتساعاً، ما يعني استمرار تآكل الطبقة الوسطى واتساع دائرة الفقر.
إن التحدي الحقيقي أمام لبنان لم يعد خفض الأسعار فقط، بل إعادة بناء القدرة الشرائية عبر إصلاح الاقتصاد، وتحفيز الإنتاج، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة، واستعادة الثقة بالقطاع المالي.
فالأرقام تثبت أن الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة تضخم فحسب، بل أزمة دخل وإنتاج، وهي الأزمة التي تحدد اليوم مستوى معيشة اللبنانيين أكثر من أي مؤشر عالمي آخر.







