ناجي الخوري
في اقتصاد يعاني منذ سنوات من أزمات مالية ونقدية متراكمة، تكتسب أرقام التجارة الخارجية أهمية استثنائية باعتبارها مرآة تعكس واقع النشاط الاقتصادي وقدرة القطاعات الإنتاجية على الصمود والمنافسة.
من هذا المنطلق، أثار انكماش صادرات البضائع اللبنانية بنسبة 21% خلال الأشهر الأولى من عام 2026 اهتمام الأوساط الاقتصادية والمالية، خصوصاً أن هذا التراجع أدى إلى خسارة تقدر بنحو 260 مليون دولار من عائدات التصدير في فترة لا يزال فيها الاقتصاد اللبناني يبحث عن مصادر جديدة للنمو وعن قنوات إضافية لتدفق العملات الأجنبية.
ففي بلد يعاني من عجز تجاري مزمن، ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية حاجاته الاستهلاكية والإنتاجية، يشكل أي تراجع في الصادرات مؤشراً يستوجب التوقف عنده وتحليل أبعاده الاقتصادية والسياسية والمالية.
غير أن القراءة السطحية للأرقام قد تقود إلى استنتاجات مضللة. فالتراجع المسجل لا يعكس بالضرورة انكماشاً موازياً في النشاط الإنتاجي اللبناني، كما لا يعني بصورة تلقائية أن المصانع أو المزارع اللبنانية فقدت قدرتها على التصدير أو المنافسة.
فالبيانات المتوافرة تشير إلى أن الجزء الأكبر من الانخفاض تركز في سلع ذات طبيعة خاصة، مثل الذهب والماس والغاز أويل والخردة، وهي منتجات لا ترتبط بشكل مباشر بالاقتصاد الإنتاجي التقليدي، بل تتأثر بحركة الأسواق العالمية وأسعار السلع الأساسية واتجاهات التجارة الإقليمية والدولية.
بالتالي فإن جزءاً كبيراً من الانكماش يعكس تبدلات في حركة إعادة التصدير وفي نشاط التجارة الوسيطة أكثر مما يعكس تراجعاً في الإنتاج المحلي بالمعنى التقليدي.
لكن هذه الحقيقة لا تلغي وجود مشكلة بنيوية أعمق. فالاقتصاد اللبناني، رغم كل الأزمات التي مر بها، لم ينجح حتى اليوم في بناء قاعدة تصديرية متينة قائمة على قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة وقادرة على توليد نمو مستدام.
فعلى مدى عقود، بقيت الصادرات اللبنانية تعتمد بدرجات متفاوتة على سلع أولية أو منتجات ذات حجم محدود أو عمليات إعادة تصدير مرتبطة بموقع لبنان التجاري ودوره الوسيط في المنطقة. وعندما تتعرض هذه الأنشطة للاهتزاز نتيجة تغيرات الأسواق العالمية، تظهر هشاشة البنية التصديرية بسرعة، وهو ما يفسر التقلبات الحادة التي تشهدها أرقام الصادرات بين سنة وأخرى.
نقاش تزداد أهميته في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما بعد إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية. فهذا التطور لا يُنظر إليه من زاوية تجارية بحتة، بل يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية أوسع، نظراً لما تمثله المملكة العربية السعودية من ثقل اقتصادي واستهلاكي داخل الخليج والعالم العربي.
فالسوق السعودية كانت تاريخياً إحدى أبرز الوجهات للمنتجات اللبنانية الزراعية والصناعية والغذائية، كما شكلت لسنوات طويلة منفذاً أساسياً للعديد من الشركات اللبنانية الساعية إلى التوسع في الأسواق الخليجية.
عليه، يبرز السؤال المركزي: هل يستطيع الانفتاح السعودي تعويض الخسائر الناتجة عن انكماش الصادرات اللبنانية؟ وهل يمكن للسوق السعودية أن تشكل رافعة جديدة للاقتصاد اللبناني في مرحلة البحث عن التعافي؟ أم أن المشكلة أعمق من مجرد إقفال أو فتح سوق معينة، وترتبط أساساً بضعف البنية الإنتاجية وغياب السياسات الاقتصادية القادرة على تعزيز تنافسية المنتج اللبناني؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب التمييز بين الأثر الآني والأثر الاستراتيجي. فمن الناحية المباشرة، قد تساهم عودة الصادرات اللبنانية إلى المملكة في تحسين أرقام التجارة الخارجية وتوفير فرص إضافية للمزارعين والصناعيين اللبنانيين.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن أهمية السوق السعودية تكمن في قدرتها على إعادة وصل لبنان بالفضاء الاقتصادي الخليجي، واستعادة جزء من الثقة المفقودة بالمنتج اللبناني، وفتح الباب أمام تدفقات تجارية واستثمارية جديدة.
إلا أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مشروطاً بقدرة لبنان على معالجة مكامن الخلل البنيوية التي كشفتها أرقام الصادرات الأخيرة، وتحويل الاقتصاد من نموذج يعتمد على التجارة الوسيطة والأنشطة الريعية إلى نموذج إنتاجي قادر على المنافسة والنمو المستدام في بيئة إقليمية ودولية شديدة التغير.







