محمد فحيلي
كيف حوّلت الحوكمة الفاشلة نظامنا المصرفي من مُثبِّت للاستقرار إلى مُسرِّع للانهيار
ليست قصة المصارف في لبنان حكاية حظ سيئ أو جمود سياسي أو شحّ مؤقّت في السيولة. هذه رواية هروب من الحقيقة. الحقيقة أبسط وأقسى: ما حدث هو فشل حوكمي مركَّب عبر ثلاث طبقات تبدأ من داخل المصارف، إلى الجهاز الرقابي، ويمتد إلى مستوى الدولة. والنتيجة معروفة: نظام كان يُفترض أن يوزّع المخاطر ويُموِّل الاقتصاد الحقيقي، تحوّل إلى آلةٍ لتأجيل المحاسبة ثم نقل الخسائر إلى المودعين والقطاع المنتج.
لبّ المشكلة: المرض حوكمة، والسيولة كانت العَرَض
على مدى سنوات، توسّعت المصارف في الفروع والواجهات والمنتجات، لكنها لم تنضج في ما يهمّ: إدارة المخاطر، استقلال التدقيق الداخلي، جرأة المؤسّسات على قول “لا” للتمويل السيّئ والضغوط السياسية. مجالس إدارة وُجدت ولم تحكم؛ إدارات سعت وراء العائد السهل بلا مكابح؛ ومساهمون خصخصوا الأرباح وعمّموا الخسائر.
في الرقابة، راكم مصرف لبنان السلطة وخلط الأدوار بين الحكم واللاعب. تحوّل الإشراف من ضبط المخاطر إلى تسكين المخاطر عبر هندسات مالية أعادت تدوير الضعف الخاص إلى ضعف سيادي. أما لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة وهيئة الأسواق المالية غلب عندها شكل الامتثال على جوهر السلامة، فصار الملفّ أهم من المخاطر، والختم أهم من الحقيقة.
الخطايا: من البيانات الورقية إلى حلقة اللوم العقيم
الخطايا التي صنعت الانهيار:
- البيانات وُجدت ولم تُستثمر. جُمِعت أكوام من اعرف عميلك وتعريف العميل والعناية الواجبة والعناية المعزَّزة وملفات الائتمان وزيارات الموقع ومعلومات السوق. لكنها استُخدمت لإثبات الامتثال لا لإدارة المخاطر.
- لا أحد يريد أن يتحمّل المسؤولية حتى الآن. الطبقة السياسية تُشير إلى المصارف، والمصارف إلى مصرف لبنان، ومصرف لبنان إلى السياسة، والجميع إلى الظروف. وفي الأثناء يُطلب من المودعين الصبر والهدوء فيما الثقة تُستنزف جيلاً كاملاً.
ما العمل؟ من رواية السيولة إلى برنامج المسؤولية
إذا سمّينا الأزمة شحّ سيولة، فسنعالجها بدولارات إضافية، مؤتمر مانحين، وبيانات طمأنة. هذا وصفٌ تجميليّ لمرضٍ عُضال. نحن بحاجة إلى برنامج مسؤولية يبدأ بالاعتراف الصريح بالخسائر وينتهي بإعادة بناء الثقة على أساس الأرقام لا الشعارات:
- قول الحقيقة محاسبياً. إجراء مراجعة جودة الأصول مستقلة على المصارف وعلى ميزانية مصرف لبنان، وتحديد الفجوة الرأسمالية بالأرقام.
- فرز القطاع. تصنيف المصارف إلى: (أ) سليمة، (ب) قابلة للحياة بشرط رسملة وتقاسم أعباء، (ج) إلى معالجة/تصفية منظّمة وخروج.
- تراتبية خسائر ملزِم. يبدأ بالمساهمين، ثم الديون المساندة والغير مضمونة الكبيرة؛ مع حماية صريحة وصارمة لصغار المودعين والأسر والمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة. خسائر مصرف لبنان شأنٌ سيادي يجب فصله وتعامل الدولة معه بشفافية.
- أدوات معالجة بجدول زمني. مصارف جسر (Bridge Banks)، تحويلات دفاتر ودائع، بيع أصول محدّد لاتعويم بلا أفق.
- رسملة ما يستحق الحياة. أموال حقيقية، خطط عمل واقعية، واختبارات الأهلية والنزاهة للمالكين والإدارات.
- مساءلة لا رمزية. استرداد المبالغ من مكافآت وتوزيعات غير مستحقّة، حظر إداري للمخالفين المتكرّرين، ونشر إجراءات الإنفاذ للعلن.
- حماية الاقتصاد الحقيقي. أولوية لنفاذ الودائع الصغيرة تدريجياً، وتمويل رأس المال العامل للشركات المنتجة لإعادة تنفّس الائتمان.
- نشر تقارير ربع سنوي لتعزيز الشفافية. عدد المعالجات المُنجزة، الرساميل المرفوعة، الودائع المُفرَج عنها، والائتمان المُعاد تشغيله.
لماذا الآن؟
لأن استمرار إدارة الوقت سيُطيل النزيف: مصارف زومبي تستهلك الأوكسجين، تقاضٍ متصاعد، دولرة أعمق، واستثمار منتج أقل. الإصلاح هنا ليس هندسة لغوية ولا اتصالاً مؤسّسياً؛ الإصلاح أسماء وتواقيع وتواريخ. كل يوم دون برنامج مسؤولية يرفع كلفة الخروج غداً
جملة للاستهلاك الإعلامي لكن الحقيقة مختلفة
نسمع كثيراً عن استعادة الثقة. الثقة ليست خطاباً يُلقى ولا مؤتمراً يُفضّ. الثقة أثرٌ حسابيّ: ميزانيات مُصحَّحة، خسائر مُعترَف بها، حقوق مودعين مصونة، ومؤسّسات تقول لا عندما يجب أن تقول لا، يوم تنشر الدولة والهيئات الرقابية أرقاماً قابلة للتدقيق، وتُنفَّذ معالجة منظّمة لأول مصرف متعثّر بنجاح، سنرى الثقة تعود لا لأننا أقنعنا أحداً، بل لأن الأرقام أقنعت عنّا.
أُريد من هذا المقال أن يقطع مع السردية السهلة: لسنا أمام أزمة سيولة عابرة ولا مصادفة تاريخية. نحن أمام انهيار حوكمة صنعته خطايا متداخلة، ولا يُصلحه إلا برنامج مسؤولية واضح المعالم، معلن المراحل، معلوم الكلفة، مُراقَب شعبياً. المصارف ومصرف لبنان والهيئات الرقابية والدولة، كلٌّ من موقعه، مدعوّون لتوقيع خطةٍ بأرقام وجداول ومحاسبة. ما عدا ذلك، ليس إصلاحاً بل إعادة تدويرٍ للأزمة نفسها.
أختم بالقول: لا إنقاذ ولا إنعاش ولا تعافي ولا نمو إقتصادي من دون قطاع مصرفي متين.







