حين هبط تيم كلارك في برلين مطلع الأسبوع، لم يجد رئيس “طيران الإمارات” من نافذة طائرته ما يثير الإعجاب.
قال كلارك للصحفيين في برلين الثلاثاء: “إنه وضع مؤسف حقاً”، واصفاً البوابات الخالية وغياب الطائرات عريضة البدن بأنهما يمنحان المطار ملامح منشأة جوية من الدرجة الثالثة. وأضاف: “كنت أعتقد أن حجم المعاملات وعدد الزوار كفيلان بخلق طلب على السفر جواً إلى برلين”.
كلارك، الحائز على وسام الإمبراطورية البريطانية بدرجة قائد فارس، لا يُعد مراقباً عابراً؛ فبصفته أحد أبرز وجوه قطاع الطيران والرئيس التنفيذي لأكبر شركة طيران دولية في العالم، يواصل السعي إلى توسيع شبكة شركته.
إلا أن برلين، عاصمة أكبر اقتصاد في أوروبا وموطن نحو 4 ملايين نسمة، ظلت نقطة عصية على خريطته، رغم محاولاته المتكررة للحصول على حقوق النقل الجوي إليها.
قيود الوصول إلى برلين
في استعراض واضح لطموحات “طيران الإمارات”، جلبت الشركة إحدى طائراتها العملاقة “إيرباص إيه 380” (Airbus A380) إلى معرض برلين الدولي للطيران هذا الأسبوع. وشوهد كلارك، الذي قال إنه يستطيع بسهولة ملء طائرة من طابقين يومياً إذا سمحت له السلطات بتسيير رحلات إلى برلين، واقفاً إلى جانب فريدريش ميرتس خلال جولة المستشار الألماني في المعرض.
ورغم مظاهر الترحيب والإشادة ببرلين وطبقتها الحاكمة، لا تزال الشركة تواجه معارضة كبيرة من الدوائر السياسية وقطاع الشركات، في اختبار جديد لصبر كلارك.
حصلت “طيران الإمارات” على أربع نقاط وصول إلى ألمانيا، هي هامبورغ وفرانكفورت ودوسلدورف وميونخ، غير أن إضافة برلين تعني التخلي عن مدينة أخرى. وتقول الشركة إنها لا ترغب في هذا الخيار، بعدما بنت علاقات طويلة مع تلك الوجهات على مدى سنوات.
لكن اتفاقية طيران تعود إلى تسعينيات القرن الماضي بين ألمانيا والإمارات، وتحد من وصول “طيران الإمارات” إلى السوق الألمانية، لا تزال عصية على التغيير. ومع ذلك، يواصل كلارك معركته.
معركة نفوذ فوق برلين
ينصب جانب كبير من إحباط كلارك على “لوفتهانزا” الألمانية (Deutsche Lufthansa AG)، التي يقول إنها تؤدي دوراً كبيراً في منع منافستها من الوصول إلى برلين. ويرى كلارك أن الناقلة الألمانية لا ينبغي أن تعتمد على حكومتها لتوفير الحماية، بل عليها “الدفاع عن مصالحها بنفسها دون اللجوء إلى الحكومة والاختباء خلف عباءتها”.
وردت “لوفتهانزا” بقوة، إذ ترى الناقلة الألمانية، على غرار شركات طيران أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، أن المنافسة القادمة من الشرق الأوسط غير متكافئة. وتقول إن شركات مثل “طيران الإمارات” و”الخطوط الجوية القطرية” (Qatar Airways) و”الاتحاد للطيران” (Etihad Airways) تحظى بدعم حكومي كبير، ولا تلتزم بالقواعد الصارمة نفسها في التوظيف والمعايير البيئية والتنظيمية، ما يمنحها أفضلية غير عادلة.
وقالت غراتسيا فيتاديني، عضو مجلس إدارة “لوفتهانزا”، خلال مؤتمر في برلين، بينما كان كلارك جالساً بالقرب منها بين الحضور، في إشارة إلى سيطرة الدولة على “طيران الإمارات”: “أنتم تدعون إلى المنافسة طرفاً يعمل وفق قاعدة تكلفة مختلفة ونظام ملكية مختلف”.
في المقابل، يعاني مطار برلين صعوبة في جذب الأعمال منذ افتتاحه الذي قوبل بانتقادات واسعة مطلع العقد. فعاصمة أكبر اقتصاد في أوروبا ترتبط بنحو 55 دولة فقط، وهو عدد يقل كثيراً عن مطاري باريس ولندن. ولا يزال كثير من المسافرين من برلين إلى الولايات المتحدة أو آسيا يبدأون رحلاتهم عبر مركز آخر، غالباً فرانكفورت أو ميونخ أو أمستردام.
مطار برلين يخدم ثماني وجهات مباشرة
لا تُسير “لوفتهانزا” رحلات مباشرة إلى الولايات المتحدة من برلين، فيما تخدم هذا الخط حالياً “يونايتد إيرلاينز” (United Airlines) و”دلتا إيرلاينز” (Delta Air Lines) بواقع رحلة يومية. وفي أبريل، تخلت شركة الطيران منخفض التكلفة “رايان إير هولدينغز” (Ryanair Holdings) عن قاعدتها في المدينة، بسبب ما وصفته بالرسوم المفرطة.
إجمالاً، يخدم مطار برلين ثماني وجهات مباشرة بعيدة المدى فقط، مقارنة بـ104 وجهات في مطار هيثرو بلندن، و115 وجهة في مطار شارل ديغول بباريس.
وتدرس وزارة النقل الألمانية حالياً طلب “طيران الإمارات”. فيما لا يملك المطار نفسه تأثيراً كبيراً في مسار القرار، بحسب أليتا فون ماسنباخ، الرئيسة التنفيذية لشركة “فلوغهافن برلين براندنبورغ” (Flughafen Berlin Brandenburg GmbH).
وقالت فون ماسنباخ في تعليقات مكتوبة إن “ما إذا كانت شركة طيران الإمارات ستسير رحلات بوتيرة أكبر معنا مستقبلاً يعتمد إلى حد كبير على إبرام اتفاقيات نقل جوي ذات صلة”. وأضافت: “من حيث المبدأ، تعزز الوجهات الإضافية ترابط منطقتنا الاقتصادية، بالتالي تزيد جاذبيتها”.
أما بالنسبة إلى “لوفتهانزا”، أكبر مجموعة طيران في أوروبا، فالمخاطر كبيرة. فقد قالت الشركة، رداً على استفسارات، إن وصول “طيران الإمارات” إلى برلين “لن يضيف أي رحلة مباشرة واحدة إلى أميركا أو الشرق الأقصى”، لأن الناقلة “تخدم حصرياً مركزها في دبي”.
المنافسة على مسافري برلين
ورأى كلارك أن مسافري برلين يمكنهم الاستفادة من البوابة العالمية لـ”طيران الإمارات”، التي تمتد إلى ما بعد دبي بكثير، وصولاً إلى الهند وآسيا وأستراليا.
في الواقع، يضطر معظم المسافرين من برلين إلى تغيير الطائرات في مدن مثل فرانكفورت أو ميونخ أو أمستردام للوصول إلى وجهات بعيدة. ووفق هذا المنطق، ستكون دبي خياراً إضافياً لا أكثر، بحسب لينوس باور من شركة استشارات الطيران “بي إيه إيه آند بارتنرز” (BAA & Partners).
وقال باور في مقابلة: “لا يمكن إغلاق باب المنافسة عبر حقوق النقل الجوي. سيكون خطأً فادحاً لألمانيا كمركز أعمال أن تجعل نفسها معتمدة بصورة مفرطة على لوفتهانزا”.
إلى جانب خفض الأسعار للمستهلكين، يمكن أن يعزز وجود مزيد من شركات الطيران مكانة برلين كمركز للأعمال. فقد تجنبت بعض الشركات مطار المدينة بسبب ضعف روابطه الجوية، وفق مسح أجرته غرفة تجارة وصناعة برلين عام 2023. وأضافت الدراسة أن كل رحلة مباشرة إضافية بعيدة المدى بين وجهات الطيران يمكن أن تُنشئ نحو 250 علاقة تجارية إضافية.
قالت غرفة التجارة والصناعة في بيان: “المشكلة ليست في نقص الطلب، بل في نقص المعروض. وفيما يتعلق بمطار برلين براندنبورغ، لا يزال الربط غير الكافي تماماً بالوجهات بعيدة المدى، بالنسبة إلى مدينة عالمية كبرى، يشكل عائقاً كبيراً أمام النمو”.
على عكس المملكة المتحدة أو فرنسا، لا تتمحور ألمانيا بالقدر نفسه حول عاصمتها، إذ بنت قوتها الديموغرافية والاقتصادية حول مراكز إقليمية متعددة، مثل كولونيا وميونخ وهامبورغ وفرانكفورت. ولهذا تكتسب مطارات أخرى أهمية تفوق حجم المدن التي تخدمها. فميونخ وفرانكفورت أصغر من برلين، لكن مطاريهما أكثر ازدحاماً بكثير من مطار العاصمة.
قال كلارك، البالغ من العمر 76 عاماً: “نقترب من 40 عاماً من مطالبة الحكومة الألمانية. تعاقبت حكومات ومستشارون ووزراء نقل ووزراء دولة وغيرهم. اضطررنا إلى التعامل معهم جميعاً”.




