عصام شلهوب -سيدرز ريبورت
بعد أكثر من خمس سنوات على توقف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، عاد هذا الملف إلى الواجهة الاقتصادية مع الإعلان عن استئناف استقبال المنتجات اللبنانية، في خطوة ينظر إليها كثيرون على أنها تتجاوز بعدها التجاري المباشر لتشكل مؤشراً على مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي بين البلدين.
ولا يقتصر أثر هذا القرار على إعادة فتح سوق خارجية أمام المنتج اللبناني، بل يمتد إلى قطاعات زراعية وصناعية وتجارية عانت طويلاً من الانكماش وتراجع الطلب وخسارة الأسواق التقليدية، ما يجعل من هذه العودة حدثاً اقتصادياً استثنائياً في بلد يواجه واحدة من أعقد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخه الحديث.
سوق تاريخية خسرها لبنان
لطالما شكلت المملكة العربية السعودية إحدى أهم الوجهات التصديرية للبنان في العالم العربي. فعلى مدى عقود، ارتبطت المنتجات اللبنانية بالمستهلك السعودي الذي وجد فيها مزيجاً من الجودة والتنوع، سواء في المنتجات الزراعية أو الغذائية أو الصناعية.
وقبل تعليق الاستيراد عام 2021، كانت السعودية تستقبل مئات ملايين الدولارات من الصادرات اللبنانية سنوياً، فيما كانت تشكل مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي الشريان الأساسي للمنتجات اللبنانية الموجهة إلى الأسواق العربية.
لكن قرار وقف الاستيراد آنذاك أدى إلى خسائر كبيرة تكبدها المزارعون والمصدرون وأصحاب المصانع، كما تسبب في تراجع حجم الإنتاج في العديد من القطاعات التي كانت تعتمد بصورة مباشرة على الطلب الخليجي.
الزراعة اللبنانية… المستفيد الأكبر
يبدو القطاع الزراعي المرشح الأول للاستفادة من استئناف التصدير.
ففي سهل البقاع وعكار والجنوب والشمال، يعتمد آلاف المزارعين على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاجهم السنوي. وخلال سنوات الحظر، واجه هؤلاء صعوبات كبيرة في تسويق منتجاتهم، ما أدى إلى انخفاض الأسعار المحلية وإتلاف كميات كبيرة من المحاصيل أحياناً.
وكانت الأسواق السعودية تستورد أنواعاً متعددة من المنتجات الزراعية اللبنانية، أبرزها التفاح والعنب والكرز والحمضيات والبطاطا والخضار الموسمية، وهي منتجات تتمتع بسمعة جيدة لدى المستهلك الخليجي.
ويرى خبراء زراعيون أن إعادة فتح السوق السعودية يمكن أن تؤدي إلى زيادة الطلب على الإنتاج المحلي، وتحسين الأسعار، وتشجيع المزارعين على توسيع المساحات المزروعة بعد سنوات من التراجع.
الصناعة اللبنانية تستعيد نافذة الخليج
إلى جانب الزراعة، يشكل القرار فرصة مهمة للقطاع الصناعي اللبناني الذي تمكن رغم الأزمات المتلاحقة من المحافظة على جزء من قدراته الإنتاجية.
فالمصانع اللبنانية كانت تصدر إلى السعودية منتجات غذائية ومعلبات وعصائر وحلويات ومكسرات وزيوت ومستحضرات تجميل ومنتجات بلاستيكية وورقية وأثاثاً منزلياً.
وخلال السنوات الماضية اضطرت العديد من المؤسسات الصناعية إلى البحث عن أسواق بديلة، بعضها نجح جزئياً، فيما خرج بعضها الآخر من المنافسة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل.
ويؤكد صناعيون أن استعادة السوق السعودية ستمنح المصانع اللبنانية فرصة لزيادة الإنتاج ورفع معدلات التشغيل واستقطاب استثمارات جديدة، خصوصاً أن المملكة تعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة.
أرقام بمئات ملايين الدولارات
تشير البيانات التجارية إلى أن قيمة الصادرات اللبنانية إلى المملكة كانت تتجاوز في بعض السنوات 400 مليون دولار، فيما قاربت نصف مليار دولار في سنوات أخرى قبل الأزمات الاقتصادية الأخيرة.
ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم التبادل التجاري، بل تعبر أيضاً عن شبكة واسعة من النشاط الاقتصادي المرتبط بالتصدير، تشمل المزارعين وشركات النقل والتوضيب والتخزين والمرافئ والمصانع والمصدرين.
وتؤكد مصادر اقتصادية أن استعادة جزء كبير من هذه الأرقام من شأنه ضخ عشرات ملايين الدولارات الإضافية في الاقتصاد اللبناني خلال المرحلة الأولى، مع إمكانية تحقيق نمو أكبر إذا توسعت حركة التبادل التجاري بين البلدين.
أكثر من تجارة… رسالة ثقة
لا ينظر العديد من الخبراء إلى القرار من زاوية اقتصادية بحتة، بل يعتبرونه أيضاً رسالة ثقة بالمنتج اللبناني وبقدرة المؤسسات اللبنانية على الالتزام بالمعايير المطلوبة.
فالأسواق الخليجية عموماً، والسوق السعودية خصوصاً، تفرض مواصفات صارمة تتعلق بالجودة والسلامة الغذائية وآليات التصدير، ما يجعل العودة إليها بمثابة شهادة جديدة للقطاعات الإنتاجية اللبنانية.
كما أن إعادة فتح السوق السعودية قد تشجع أسواقاً خليجية أخرى على زيادة استيراد المنتجات اللبنانية، الأمر الذي يوسع دائرة الاستفادة الاقتصادية ويمنح الصادرات اللبنانية فرصة لاستعادة جزء من حضورها التقليدي في المنطقة.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت القرار، فإن نجاحه على المدى الطويل يبقى مرتبطاً بقدرة لبنان على معالجة مجموعة من التحديات.
في مقدمة هذه التحديات تأتي ضرورة تعزيز الرقابة على الصادرات، وتشديد إجراءات التفتيش، ومنع عمليات التهريب، إضافة إلى تطوير أنظمة التعبئة والتغليف وتحسين جودة الإنتاج بما يتوافق مع المعايير الخليجية.
كما تبرز مشكلة ارتفاع كلفة الشحن والنقل وأسعار الطاقة والإنتاج، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على قدرة المنتج اللبناني على المنافسة في الأسواق الخارجية.
فرصة نادرة للاقتصاد اللبناني
في بلد يعاني من انكماش اقتصادي مستمر وتراجع في الاستثمارات وضعف في تدفق العملات الأجنبية، تبدو عودة الصادرات إلى السعودية فرصة نادرة لإعادة تحريك عجلة الإنتاج.
فكل شاحنة تعبر نحو الأسواق السعودية تعني مزيداً من العمل للمزارعين والمصانع والعمال وشركات النقل، ومزيداً من العملات الصعبة التي يحتاج إليها الاقتصاد اللبناني بشدة.
ويبقى الرهان الأساسي على قدرة الدولة والقطاع الخاص على استثمار هذه الفرصة وتحويلها من قرار تجاري إلى مسار اقتصادي مستدام يعيد للبنان جزءاً من مكانته التصديرية في المنطقة.
وبينما يترقب المصدرون اللبنانيون بدء مرحلة جديدة من النشاط التجاري مع المملكة، يبقى السؤال الأهم: هل تكون هذه العودة مجرد استئناف للتبادل التجاري، أم أنها تشكل بداية مسار أوسع لاستعادة لبنان دوره الاقتصادي في محيطه العربي؟
الأشهر المقبلة كفيلة بالإجابة.







