بين الدولار وطريق الحرير:
العالم أمام إعادة تموضع كبرى
عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
أعادت القمة التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الصيني شي جين بينغ رسم ملامح النقاش العالمي حول مستقبل النظام الدولي وحدود النفوذ الأمريكي.
وإمكانية تشكل توازنات جديدة تتجاوز مرحلة “القطب الواحد” التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.
الحديث المتزايد عن “وثيقة الـ47 صفحة” الموقعة بين موسكو وبكين أثار موجة واسعة من التحليلات السياسية والعسكرية، خصوصاً مع تضمنها بنوداً تتعلق بالتعاون الاستراتيجي طويل الأمد، والتنسيق الاقتصادي والتكنولوجي، وتوسيع الشراكة الأمنية بين القوتين النوويتين الأكبر بعد الولايات المتحدة.
ورغم أن بعض ما يتم تداوله إعلامياً يدخل في إطار التحليل أو التسريبات غير المؤكدة رسمياً، إلا أن المؤشرات العامة تعكس بوضوح توجهاً روسياً ـ صينياً نحو بناء منظومة تعاون أعمق، هدفها تقليص الاعتماد على الغرب، وخلق بدائل تدريجية للنظام المالي والأمني الذي تقوده واشنطن.
القمة لم تقتصر على ملفات التجارة والطاقة، بل حملت أبعاداً جيوسياسية واضحة.
فموسكو، التي تواجه عقوبات غربية غير مسبوقة منذ الحرب في أوكرانيا، ترى في بكين شريكاً استراتيجياً قادراً على تخفيف الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية. وفي المقابل، تعتبر الصين أن علاقتها بروسيا تشكل ضمانة استراتيجية في مواجهة التنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة، سواء في بحر الصين الجنوبي أو حول ملف تايوان.
وتشير المعطيات إلى أن الطرفين يعملان على تعزيز التنسيق في مجالات حساسة تشمل:
- أنظمة الإنذار المبكر والأقمار الصناعية.
- الذكاء الاصطناعي العسكري.
- الصناعات الدفاعية والمسيرات.
- أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
- تطوير أنظمة دفع بديلة عن الدولار.
هذا التوسع في مجالات التعاون يعكس انتقال العلاقة من مستوى “الشراكة السياسية” إلى مستوى أقرب لما يشبه “التحالف الاستراتيجي المرن”، دون الإعلان الرسمي عن حلف عسكري مباشر.
“الممرات الدولية “في قلب الصراع
التحولات الحالية لا تتعلق فقط بالتنافس العسكري، بل أيضاً بالصراع على الممرات التجارية والطاقة.
فالصين تعتبر مشروع “الحزام والطريق” أداة مركزية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.
ومن هنا، تبرز أهمية مناطق مثل:
- مضيق هرمز.
- البحر الأحمر.
- بحر الصين الجنوبي.
- الموانئ الاستراتيجية الممتدة من آسيا إلى المتوسط.
في هذا السياق، يلفت مراقبون إلى تنامي التنسيق بين موسكو وبكين وطهران، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بأدوار شخصيات سياسية إيرانية بارزة مثل محمد باقر قاليباف في إدارة قنوات التواصل الإقليمي مع الصين وروسيا.
الولايات المتحدة ما تزال القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر عالمياً، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت صعوبة استمرار الهيمنة الأحادية بالشكل الذي كان قائماً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
فالعالم يشهد اليوم:
- تصاعد دور مجموعة بريكس.
- توسع التعامل بالعملات المحلية بين دول كبرى.
- محاولات إنشاء أنظمة مالية بديلة عن “سويفت”.
- تراجع الثقة الدولية بفكرة “العولمة الغربية” التقليدية.
- ازدياد الاعتماد على التحالفات الإقليمية المتعددة.
لكن في المقابل، يرى خبراء أن الحديث عن “نهاية الدولار” أو “سقوط النفوذ الأمريكي” يبقى مبالغاً فيه حالياً، نظراً إلى استمرار تفوق واشنطن في:
- التكنولوجيا المتقدمة.
- النظام المالي العالمي.
- القوة البحرية.
- النفوذ داخل المؤسسات الدولية.
- التحالفات العسكرية الممتدة من أوروبا إلى آسيا.
لذلك، فإن المشهد الأقرب للواقع قد لا يكون “سقوط قطب وصعود آخر”، بل انتقال العالم نحو مرحلة تعددية قطبية أكثر تعقيداً وتنافسا.
تضع هذه التحولات الدولية دول الشرق الأوسط أمام تحديات استراتيجية جديدة.
فالمنطقة التي شكلت لعقود مركز النفوذ الأمريكي التقليدي، بدأت تشهد انفتاحاً متزايداً على الصين وروسيا، سواء عبر الاستثمارات أو الطاقة أو الوساطات السياسية.
وفي ظل هذا الواقع، تسعى دول المنطقة إلى اعتماد سياسة “التوازن بين القوى الكبرى”، بدلاً من الارتهان الكامل لمحور واحد، خاصة مع تنامي الدور الصيني الاقتصادي، واستمرار الحضور الروسي في ملفات الأمن والطاقة.
أما الدول العربية المحورية، وفي مقدمتها مصر، فتجد نفسها أمام فرصة لإعادة تموضع استراتيجي يسمح لها بالاستفادة من التحولات العالمية دون الدخول في صدامات المحاور الدولية.
ما يجري بين موسكو وبكين يتجاوز مجرد اتفاقات ثنائية عابرة؛ إنه مؤشر على عالم يعاد تشكيله ببطء، حيث تتراجع فكرة الهيمنة المطلقة لصالح توازنات أكثر تشابكاً.
غير أن التحولات الكبرى في النظام الدولي لا تحدث دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل من التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والسياسي.
وبينما تواصل واشنطن الدفاع عن موقعها العالمي، تعمل موسكو وبكين على بناء شبكة نفوذ بديلة، قد لا تنهي النظام الدولي القائم سريعاً، لكنها بالتأكيد تفرض قواعد جديدة للعبة الدولية في السنوات المقبلة.




