حتى وقتٍ قريب، لم يكن اسم جاسم بوعتابة الزعابي مألوفاً لكثير من كبار التنفيذيين المخضرمين في “وول ستريت”. إلا أن المسؤول الإماراتي، الذي تولّى قيادة قوة استثمارية جديدة في أبوظبي قبل أسابيع من اندلاع الحرب، بات اليوم لاعباً محورياً في إدارة ثروة الإمارة النفطية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ففي يناير، عُيّن الزعابي رئيساً تنفيذياً لصندوق الثروة السيادي “لعماد”، الذي يترأسه نجل حاكم أبوظبي وولي عهد الإمارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وتُقدّر أصوله بنحو 300 مليار دولار وفق تقديرات مؤسسة “غلوبال إس دبليو إف” (Global SWF). ومنذ ذلك الحين، أصبح مسؤولاً عن توجيه استثمارات ضخمة وتنفيذ طموحات الشيخ خالد في إبرام الصفقات داخل أبوظبي وخارجها.
وبرز نفوذ الزعابي عالمياً حتى قبل اندلاع الحرب، حين دعم “لعماد” جزئياً صفقة استحواذ “باراماونت سكاي دانس” على “وارنر براذرز ديسكفري”، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر، الذين أشاروا إلى أن الزعابي كان من أبرز صناع القرار في الإمارة بشأن الصفقة. وكانت “أفينيتي بارتنرز” (Affinity Partners)، التابعة لصهر الرئيس الأميركي دوناد ترمب، جاريد كوشنر، جزءاً من الصفقة في مراحلها الأولى قبل أن تنسحب لاحقاً.
وخلال الأسبوع الجاري، دخل “لعماد” في شراكة مع “بلاك روك” و”تيماسيك هولدنغز” (Temasek Holdings) لإطلاق منصة تستهدف استثمار 30 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية عبر الخليج وآسيا الوسطى.
كيف تبدو توجهات الزعابي الاستثمارية؟
على مدى سنوات، تصدّرت شخصيات مثل الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شقيق رئيس البلاد ومستشار الأمن الوطني، وخلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لـ”مبادلة للاستثمار”، واجهة النشاط الاستثماري في أبوظبي، بينما ظل الزعابي بعيداً عن الأضواء.
لكن الزعابي، بصفته رئيس دائرة المالية في أبوظبي، يتولى تنسيق الاستراتيجية الاستثمارية بين مؤسسات تدير مجتمعة أصولاً تقارب تريليوني دولار. كما يشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية وعضوية المجلس التنفيذي، وشارك في رسم سياسات الإنفاق الحكومي إلى جانب كبار أفراد الأسرة الحاكمة. ويُعزز حضوره أيضاً موقعه نائباً لرئيس المصرف المركزي الإماراتي.
ومنحته قيادة “لعماد” حضوراً عاماً أكبر، مع ظهور مؤشرات مبكرة على توجهاته الاستثمارية. ففي البيان الخاص بالشراكة مع وحدة “غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز” (Global Infrastructure Partners) التابعة لـ”بلاك روك”، وصف البنية التحتية بأنها “ركيزة أساسية” في استراتيجية الصندوق الجديد، مؤكداً اعتماد “نهج منضبط في توظيف رأس المال”.
يستند هذا العرض لصعود الزعابي إلى مقابلات مع أشخاص مطلعين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية المعلومات.
“وول ستريت” تترقب أولويات الإمارات المالية
ويصف كثيرون داخل الأوساط المالية الزعابي بأنه “رجل المال في أبوظبي”، بعدما أصبح نقطة الاتصال الأولى لعدد من كبار المستثمرين العالميين، في وقتٍ تسعى فيه شركات “وول ستريت” إلى فهم ما إذا كانت التوترات الجيوسياسية ستدفع الإمارة إلى إعادة صياغة أولوياتها الاستثمارية.
استهدفت المقذوفات الإيرانية بنية تحتية للطاقة في عدد من مدن الشرق الأوسط، من بينها أبوظبي، ما أثار مخاوف تتعلق بالإنتاج وبإمكانية تعطّل حركة شحن النفط والغاز عبر مضيق هرمز.
وأثارت هذه التطورات قلق المؤسسات المالية العالمية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على رؤوس الأموال الخليجية كمصدر رئيسي للتمويل، وسط مؤشرات إلى توجه بعض دول المنطقة نحو تعزيز استثماراتها في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والدفاع.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن يؤدي الزعابي دوراً محورياً.
ففي مطلع العام، استحوذ “لعماد” على صندوق “القابضة” (ADQ)، الذي تُقدّر أصوله بنحو 260 مليار دولار وكان خاضعاً سابقاً لإشراف الشيخ طحنون. ولعب الصندوق دوراً رئيسياً في دعم الاقتصاد المحلي، مع تركيز خاص على البنية التحتية وسلاسل التوريد، إلى جانب دراسة استثمارات في الخدمات اللوجستية والأدوية والأمن الغذائي، وفق ما أوردته “بلومبرغ نيوز”.
وباشر الزعابي حملة تعيينات جديدة لتعزيز قدرات الصندوق، شملت تعيين سامر خليفة مديراً مالياً، وهاشم الدباس رئيساً للاستثمار، اللذين يتمتعان بخبرة طويلة في القطاع المالي، بحسب أشخاص مطلعين.
ما دور “لعماد” في استراتيجية أبوظبي؟
وفي الوقت نفسه، كثّفت أبوظبي الترويج للصندوق الجديد. ففي وقت سابق من الشهر الجاري، انتشرت لافتات “لعماد” على الطرق المؤدية إلى مؤتمر “اصنع في الإمارات“، حيث كشف الصندوق الخطوط العريضة لاستراتيجيته، متعهداً بدعم بناء قدرات استراتيجية للإمارات في قطاعات تشمل الطاقة والأنظمة الغذائية والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية والطاقة النظيفة.
خلال المؤتمر، رافق الزعابي ولي العهد الشيخ خالد بن محمد إلى جانب مسؤولين كبار. ويُنظر إلى “لعماد” باعتباره أداة رئيسية لبناء شركات وطنية رائدة وتنفيذ استثمارات خارجية استراتيجية للدولة، وفقاً لأشخاص مطلعين.
كما يُتوقع أن يؤدي الصندوق دوراً مهماً في تعزيز استثمارات أبوظبي في الصين بالتنسيق مع “مبادلة”، بحسب “بلومبرغ نيوز”. وكان ولي العهد زار الصين الشهر الماضي، حيث التقى الرئيس شي جين بينغ.
وترى آنا ناكفالوفايتي، الباحثة المتخصصة في صناديق الثروة السيادية لدى كلية “كيلوغ” في جامعة أوكسفورد، أن “أبوظبي أنشأت مؤسسة استثمار سيادية من الجيل الجديد، لا يقتصر دورها على تخصيص رأس المال، بل يمتد إلى تشكيل طرق التجارة وأنظمة الطاقة والربط الاستراتيجي عبر الاقتصاد العالمي الناشئ”.
حضور الزعابي الإعلامي لا يعكس نفوذه
يؤكد مطلعون على عمل الزعابي أن ظهوره الإعلامي المحدود لا يعكس حجم نفوذه داخل دوائر القرار العليا في أبوظبي، بما يشمل الشيخ محمد بن زايد، والشيخ طحنون، وولي العهد الشيخ خالد.
ويضعه ذلك في قلب مشهد استثماري يضم أسماء بارزة؛ إذ يمتلك خلدون المبارك شبكة علاقات واسعة تمتد من هوليوود إلى وادي السيليكون، بينما يُعد الشيخ طحنون من أبرز المستثمرين عالمياً ويتولى مناصب حكومية مؤثرة.
ورغم أن القرار النهائي يبقى بيد الأسرة الحاكمة، فإن مسؤولين كباراً مثل الزعابي يتولون تنفيذ الرؤية الاستراتيجية، ما يجعلهم بوابات أساسية داخل منظومة المال والنفوذ في الإمارة.
لكن مهمة الزعابي لن تكون سهلة، إذ يتعين عليه تحقيق توازن دقيق. فالشيخ طحنون لا يزال يشرف على كيانات ضخمة، من بينها “جهاز أبوظبي للاستثمار” الذي تُقدّر أصوله بتريليون دولار، وشركة “إم جي إكس” (MGX) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي برزت كمستثمر نشط خلال السنوات الأخيرة.
يبلغ الزعابي نحو خمسين عاماً، وفق بيانات شركات بريطانية. وخلال سباق “فورمولا 1” في أبوظبي العام الماضي، مرّ إلى حد كبير بعيداً عن الأضواء خارج جناح ضيافة فريق “ماكلارين” (McLaren)، بينما انشغل الحضور بالسائق لاندو نوريس وبشخصيات سياسية مثل الناشط نايجل فاراج.
يمتد نفوذ الزعابي أيضاً إلى عالم السباقات، عبر شركة “سي واي في إن” (CYVN) التي أصبحت تحت مظلة “لعماد”. ورغم شخصيته المتحفظة، يصفه مقربون بأنه سهل التعامل ويتمتع بحس فكاهي مهذب.
ما التحديات التي تواجه “لعماد”؟
قال أحد التنفيذيين في قطاع الملكية الخاصة إنه تواصل معه أخيراً عبر البريد الإلكتروني طالباً اجتماعاً، مضيفاً أن الزعابي رد شخصياً وأظهر فهماً عميقاً لهياكل النفوذ في أبوظبي وأولوياتها الاستثمارية.
بحسب رايان بول، المحلل الأول لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة “رين نتورك” (Rane Network)، فإن الفريق الجديد في “لعماد” سيواجه تحدياً “يتمثل في الحفاظ على الاستقرار، مع التكيّف في الوقت ذاته مع التحولات السياسية المتسارعة في المنطقة”.
وأضاف: “سيُطلب من الفريق الجديد الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يمكن تعديل نهج صندوق الثروة السيادي ليعكس الواقع الجيوسياسي الجديد، من دون إثارة مخاوف بأن أبوظبي تتخلى عن شركائها التقليديين أو تبيع أصولاً بدوافع سياسية”.




