أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في السعودية (GACA) أن الطلب على الطيارين بات يقترب فعليًا من ضعف مستويات العرض الحالية، في مؤشر يعكس فجوة متسعة بدأت تنعكس بصورة مباشرة على خطط توسع شبكات الرحلات الجوية، وكذلك على مستويات أسعار التذاكر في السوق.
ومع تسارع وتيرة نمو أسطول الطيران داخل المملكة خلال الفترة الأخيرة، باتت مسألة المواءمة بين قدرات التدريب المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الكوادر المؤهلة تمثل أولوية استراتيجية داخل قطاع الطيران، خاصة في ظل تصاعد الحاجة إلى إعداد جيل جديد من الطيارين القادرين على مواكبة هذا التوسع المتسارع ودعم استدامته على المدى الطويل.
طلب متسارع يفوق قدرات التدريب في المنطقة
تشهد منطقة الشرق الأوسط موجة نمو غير مسبوقة في الطلب على الطيارين، حيث تشير تقديرات شركة بوينغ ضمن تقريرها الخاص بتوقعات الطيارين والفنيين إلى أن المنطقة ستحتاج إلى أكثر من 58 ألف طيار تجاري جديد خلال العقدين المقبلين، مع توقع أن تستحوذ السعودية على حصة كبيرة من هذا الطلب المتنامي، في ظل التوسع السريع الذي يشهده قطاع الطيران داخلها.
ورغم هذا النمو القوي في الطلب، لا تزال البنية التحتية للتدريب في المنطقة في مرحلة تطوير تدريجي، ولا ترقى بعد إلى مستوى القدرة المطلوب لسد هذه الفجوة المتسارعة في الكفاءات.
وتشير تقديرات قطاع الطيران إلى أن تأهيل هذا العدد من الطيارين سيتطلب نحو 11.6 مليون ساعة تدريب طيران، استنادًا إلى متوسط قياسي يبلغ نحو 200 ساعة تدريب لكل طيار. وبالمقارنة، فإن أكاديمية طيران نموذجية تمتلك نحو 10 طائرات تدريب فقط، لا تتجاوز قدرتها التشغيلية السنوية ما بين 12 ألفًا و15 ألف ساعة طيران، وهو فارق كبير يعكس حجم التوسع المطلوب في البنية التدريبية.
ولا يقتصر التحدي على ساعات الطيران الفعلية فقط، بل يمتد أيضًا إلى قدرات أجهزة المحاكاة، التي تمثل عنصرًا أساسيًا في إعداد الطيارين. إذ تشير التقديرات إلى أن تدريب هذا العدد من الطيارين سيتطلب نحو 1.1 مليون ساعة على أجهزة المحاكاة المتكاملة، في حين أن كل جهاز محاكاة قادر عادة على توفير ما بين 5 آلاف و6 آلاف ساعة سنويًا، ما يعزز الحاجة إلى حلول تدريبية متعددة الأسواق وأكثر تكاملًا على مستوى الإقليم.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم النمو في شركة BAA Training، مارتيناس مازيكا، أن الشراكات مع مزودي التدريب العالميين أصبحت عنصرًا حاسمًا، قائلاً إن “التعاون مع الجهات العالمية في مجال التدريب يمكّن شركات الطيران من الوصول إلى السعة اللازمة لأجهزة المحاكاة، والخبرات التدريبية، والبرامج المرنة التي تدعم التوسع التشغيلي على المدى الطويل”.
وتعكس الأرقام العالمية حجم التحدي بشكل أوسع، إذ يقدّر تقرير صادر عن شركة أوليفر وايمان أن منطقة الشرق الأوسط وحدها ستحتاج إلى إضافة نحو 10 آلاف طيار بحلول عام 2030، بينما كان العجز العالمي في الطيارين يقدر بنحو 38 ألف وظيفة غير مشغولة في عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 80 ألفًا بحلول عام 2032.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تشير توقعات شركة CAE إلى أن أميركا الشمالية ستحتاج إلى أكثر من 130 ألف طيار بحلول عام 2032، في حين ستتجاوز احتياجات منطقة آسيا والمحيط الهادئ حاجز 250 ألف طيار، ما يعكس اتساع الفجوة العالمية في الكوادر المؤهلة ويضع ضغوطًا متزايدة على منظومات التدريب حول العالم.
طلبيات ضخمة تقود موجة التوسع
يقف خلف هذا النمو المتسارع في قطاع الطيران السعودي دفتر طلبيات ضخم يعكس حجم الطموحات المستقبلية. فبحسب ما أعلنه نائب الرئيس التنفيذي للاستراتيجية في الهيئة العامة للطيران المدني محمد الخريصي، تمتلك شركات الطيران في المملكة التزامات لشراء نحو 475 طائرة.
وتتصدر الخطوط الجوية السعودية المشهد عبر صفقة بقيمة 19 مليار دولار لشراء 105 طائرات من طراز إيرباص A320neo، على أن تبدأ عمليات التسليم في عام 2026. كما وقّعت شركة طيران أديل عقدًا لشراء 280 طائرة تشمل طرازات إيرباص A320neo وA330neo. وفي السياق نفسه، أطلقت شركة طيران الرياض أولى رحلاتها التجارية في تشرين الأول 2025، بينما تضم طلبياتها 60 طائرة من طراز A321neo، و25 طائرة A350-1000، و39 طائرة بوينغ 787-9 دريملاينر.
في المقابل، تستهدف طيران أديل مضاعفة أسطولها ليصل إلى 100 طائرة بحلول عام 2030. وتسعى المملكة إلى رفع الطاقة الاستيعابية لقطاع الطيران إلى 330 مليون مسافر سنويًا عبر 250 وجهة بحلول عام 2030، مقارنة بـ 140.9 مليون مسافر في عام 2025، بزيادة سنوية تبلغ 9.6%، وهو ما يعكس حجم التوسع المتوقع في الطلب على الطيارين والكوادر التشغيلية.
وفي هذا السياق، أوضح مارتيناس مازيكا أن كل طائرة جديدة من طراز A320 تحتاج في المتوسط إلى خمسة أطقم طيران، تضم قائد طائرة ومساعدًا لكل طاقم. وأضاف أن قادة الطائرات يحتاجون عادة إلى أكثر من 3 آلاف ساعة طيران، وهو شرط لا يمكن توفيره مباشرة من خلال الأكاديميات التدريبية.
وأشار إلى أن مساعدي الطيارين يمكن تأهيلهم خلال بضع سنوات عبر برامج التدريب العالمية، بينما يستغرق إعداد قادة الطائرات وقتًا أطول بسبب متطلبات ساعات الطيران، وهو ما يخلق فجوة زمنية طبيعية بين سرعة تأهيل الطيارين الجدد وبطء تكوين القيادات الجوية ذات الخبرة داخل قمرة القيادة.
شبكة تدريب عالمية في مرحلة انتقالية
تعتمد شركات الطيران السعودية في الوقت الحالي على شبكة تدريب عالمية ممتدة لتأهيل الطيارين، تشمل عدة أسواق رئيسية مثل البحرين والإمارات والولايات المتحدة وإسبانيا، خصوصًا فيما يتعلق بتأهيل الطيارين على طائرات إيرباص A320neo، وفقًا لبيانات شركة BAA Training.
وفي هذا السياق، أوضح مازيكا، أن الطاقة الاستيعابية الحالية وفترات الانتظار ما تزال محدودة نسبيًا، مرجعًا ذلك إلى أن عمليات تسليم الطائرات إلى المنطقة لم تصل بعد إلى ذروتها التشغيلية الكاملة.
وقال مازيكا إن “الوقت الحالي يشهد طلبًا محدودًا على مقاعد أجهزة المحاكاة مقارنة بما هو متوقع لاحقًا”، مشيرًا إلى أن هذا الوضع سيتغير مع تسارع دخول الطائرات الجديدة إلى الخدمة، ما سيؤدي إلى زيادة متزامنة في الطلب من عدة شركات على الموارد التدريبية نفسها داخل السوق العالمية.
وفي المدى البعيد، تملك السعودية ميزة ديموغرافية مهمة تتمثل في حجم السكان المحليين، ما يمنحها فرصة لبناء منظومة طيارين أكثر اعتمادًا على الكفاءات الوطنية على المدى الطويل.
وأضاف مازيكا أن “منظومة الطيارين في الشرق الأوسط تعتمد حاليًا على قاعدة عالمية من المواهب، إلا أن السعودية تتمتع بميزة حجم السكان، وهو ما يمنحها خيار الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في المستقبل، لكن هذا المسار يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن يتحقق بشكل كامل”.
ورغم هذه التوجهات، لا يزال الطيارون الأجانب يشكلون عنصرًا أساسيًا في تشغيل شركات الطيران في المنطقة خلال المرحلة الحالية. وأوضح أن أغلب الطيارين في الشرق الأوسط يتم تدريبهم خارج المنطقة، مع استمرار الولايات المتحدة كأكثر الوجهات تفضيلًا للطيارين السعوديين، في حين تكتسب أوروبا زخمًا متزايدًا في هذا المجال.
واختتم بالإشارة إلى أن “غالبية الطيارين في دول الخليج هم من الوافدين، وهو ما يجعل جذب الكفاءات الدولية عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات شركات الطيران، من خلال تحسين بيئة العمل وتقديم شروط تنافسية أكثر جذبًا في سوق عالمي شديد المنافسة”.
منافسة عالمية على استقطاب الطيارين
تواصل شركات الطيران في منطقة الخليج الحفاظ على مكانتها كواحدة من أكثر جهات التوظيف تنافسية على مستوى العالم في استقطاب الطيارين ذوي الخبرة. فبحسب تقرير صادر عن The Flying Engineer في كانون الثاني، يتراوح دخل قادة الطائرات (Captains) لدى شركات مثل طيران الإمارات، الخطوط الجوية القطرية، الاتحاد للطيران، والخطوط السعودية بين 200 ألف و320 ألف دولار سنويًا، ضمن حزم معفاة من الضرائب تشمل السكن والمزايا الإضافية.
وفي المقابل، شهدت شركات الطيران الأميركية ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات الرواتب، حيث بات قادة الطائرات ذوو الخبرة في الولايات المتحدة يحصلون على رواتب أساسية تتراوح بين 350 ألفًا و450 ألف دولار سنويًا، بينما يمكن أن يرتفع إجمالي التعويضات ليصل إلى ما بين 500 ألف و750 ألف دولار عند احتساب برامج تقاسم الأرباح لعام 2025، بحسب تقرير صادر عن BAA Training.
وقد أوضح مازيكا أن شركات الطيران في الخليج “تستهدف الطيارين ذوي الخبرة في مختلف أنحاء العالم، وليس فقط في الولايات المتحدة”، مشيرًا إلى حملات التوظيف النشطة التي تشمل أوروبا وأستراليا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية.
أما بالنسبة للطيارين الجدد الذين يحصلون على رخصة التشغيل على نوع الطائرة، فتظل مستويات الأجور أكثر تقاربًا على مستوى العالم. ويشير مازيكا إلى أن “الطيارين الجدد لا يحصلون على رواتب مرتفعة مقارنة بقادة الطائرات، بغض النظر عن مكان عملهم، لكن هذا الوضع مؤقت إلى أن يكتسبوا ما بين 1000 إلى 1500 ساعة طيران، أي خلال فترة تتراوح بين عامين إلى ثلاثة أعوام”.
التوسع في قطاع الطيران يسير بوتيرة أسرع من تأهيل الكوادر
تواصل استراتيجية الطيران في السعودية التقدم بوتيرة متسارعة، مدفوعة بخطط توسع ضخمة تشمل طلبيات طائرات جديدة، والتوسع في شبكات الرحلات، إلى جانب أهداف طموحة لزيادة أعداد المسافرين خلال السنوات المقبلة، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للنقل الجوي والسياحة والخدمات اللوجستية.
ومع تسارع هذا التوسع، لم يعد التركيز منصبًا فقط على زيادة أعداد الطائرات أو الوجهات، بل بدأ يتجه بصورة متزايدة نحو بناء الكفاءات البشرية القادرة على تشغيل هذا النمو واستدامته. ويشمل ذلك الاستثمار في تدريب الطيارين وتأهيلهم محليًا، بالتوازي مع توسيع الشراكات الدولية مع مقدمي التدريب العالميين، بهدف سد الفجوة المتنامية في الكوادر وضمان جاهزية القطاع لمواكبة الطموحات طويلة المدى للمملكة.



