جوزف فرح
وسط انتشار الاقاويل والادعاءات بأن مصرف لبنان سيحرر سعر الصرف ويترك للسوق حرية العرض والطلب برز السؤال الكبير ما تأثير ذلك على الإقتصاد وعلى المواطن وكيف ستسير الأمور خصوصا في ظل تضخم هائل وارتفاع اسعار غير معقول .
والسؤال الابرز : اذا حرر سعر الصرف فكم سيكون سعر الدولار ؟
كبير الاستشاريين ورئيس قسم الدراسات في بنك بيبلوس د. نسيب غبريل يرى أن الأمر غير وارد على الإطلاق وان اولوية مصرف لبنان هي الحفاظ على استقرار سعر الصرف ولهذا يوجد تنسيق دائم بينه وبين وزارة المالية لتحقيق ذلك.
وما يقال عن نية مصرف لبنان بخصوص تحرير سعر الصرف وانه يريد ترك العرض والطلب في السوق ان يقرر ذلك لا أساس له وغير وارد على الإطلاق إذ أن إحدى أولويات المصرف المركزي هي الحفاظ على استقرار سعر الصرف وليس تثبيته وبين الاثنين يوجد فرق كبير إذ أن تثبيت سعر الصرف هو أولوية السياسة النقدية بين عامي ١٩٩٧ و٢٠١٩بينما اليوم المهم هو استقرار سعر الصرف وهذا الاستقرار لا يأتي من خلال ضخ الدولار في السوق إنما من خلال التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية العامة اي بين مصرف لبنان ووزارة المالية وضبط النفقات العامة وتجنب المالية العامة لتحقيق عجز .
لقد رأينا خلال العام ٢٠٢٤ ان المالية العامة حققت فائضا هو حوالي ٠،٤% من الناتج المحلي وفي العام ٢٠٢٥حققت فائضا يبلغ ٣،٣% من الناتج المحلي كما أن هدف موازنة العام ٢٠٢٦رغم أن الأحداث قد تخطتها هو تحقيق التوازن في الإيرادات والنفقات وانا اعود فأقول أن تحرير سعر الصرف غير وارد على الإطلاق لدى مصرف لبنان خصوصا في ظل الأوضاع الحالية وهو في الحقيقة أمر غير وارد لا خلال الحرب ولا في السلم انما على العكس كنا بانتظار برنامج إصلاحي متكامل وعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي وفي آخر مطاف تطبيق الإصلاحات يتم إتخاذ القرار بشأن اي سياسة سعر صرف يرسو الاتفاق عليه بالإضافة إلى اي سياسة نقدية تخدم البلد والاقتصاد. أن الكلام اليوم عن تحرير سعر الصرف هو كلام بعيد عن الواقع لأن كل الدورة الإقتصادية تدور على سعر صرف هو ٨٩،٥ سواء أكانت معاملات تجارية بين الشركات او معاملات تجارية بين الأفراد والمحلات او بيانات الشركات والمؤسسات المالية والمصارف والأهم من كل ذلك ايرادات الخزينة وهي كلها ما بين ضرائب ورسوم تجبى على سعر ٨٩،٥ ل.ل .ثم أن ويعتبر غبريل ان الإقتصاد في لبنان مدولر مما يساعد على لجم الطلب على الدولار
النحديات التي تواجه مصرف لبنان
ويقول عن التحديات التي تواجه مصرف لبنان لدعم الاستقرار النقدي :
أولا خلال فترة الأزمة المالية مع مطلع العام ٢٠٢٢وتحديدا في شهر آذار كان يوجد سوق موازي لسعر الصرف الرسمي للدولار بسبب الشح في سيولة العملات الأجنبية بالأسواق اللبنانية وتوقف تدفق رؤوس الأموال من الخارج او الودائع إلى القطاع المصرفي بالتحديد وقد كان سعر صرف الدولار في السوق الموازي قريب لسعر الصرف الرسمي ومنذ شهر آذار في تلك السنة عندما قررت الحكومة انذاك التخلف عن تسديد سندات اليوروبوندز ومن ثم دعم السلع المستوردة أدى ذلك إلى استنزاف احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وتدهور سعر الصرف حيث بدأ التدهور الحقيقي لسعر الصرف منذ ذلك الوقت وقد كان يوجد الكثير من المضاربة على سعر صرف الليرة من تجار الأزمات وقد كان يوجد طلب من سوريا على الدولار من لبنان بالاضافه إلى الطلب العادي في السوق لأسباب مشروعة وقد وصل سعر صرف الدولار في نهاية العام ٢٠٢٢الى ٤٠٠٠٠او ٤٥٠٠٠ليرة ثم بدأ بعدها تدهور سعر الصرف ليبلغ في شهر آذار من العام ٢٠٢٣ :١٤١٠٠٠ليرة بسبب المضاربات وقدقرر مصرف لبنان يومها التدخل في السوق من خلال قرارين .كان الأول هو سحب كمية كبيرة من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانيه للجم المضاربة وتخفيض الطلب على الدولار .أما القرار الثاني فكان التوقف عن تمويل العجز في الموازنة العامة ونفقات القطاع العام وقد تم إتخاذ هذا القرار بالتنسيق مع وزارة المالية .بعدها بدأ سعر صرف الليرة يتحسن تدريجيا حتى بلغ ٨٩،٥٠٠ خلال آخر اسبوع من شهر تموز في العام ٢٠٢٣ وقد بقي مستقرا على هذا المستوى منذ ذلك الوقت بالرغم من كل ما حدث في البلاد بدءا من حرب الإسناد في ٨تشرين الأول من العام ٢٠٢٣ وتداعياتها السلبية على الإقتصاد والثقة ومستقبل البلد ككل وقد استمرت هذه الحرب في العام ٢٠٢٤وصولا إلى شهر ايلول من العام نفسه حيث توسعت الحرب الإسرائيلية على لبنان وقد بقي سعر الصرف مستقرا واستطاع مصرف لبنان إعادة تكوين احتياطه بالعملات الأجنبية بعدما تراجع إلى ٨مليار و٩٠٠مليون دولار في العام ٢٠٢٣. لقد عاد مصرف لبنان بشكل تدريجي إلى تكوين احتياطي بالعملات الأجنبية وبعد توسع الحرب في شهر أيلول من العام ٢٠٢٤ قام المصرف برفع قيمة السحوبات وفق التعميمين ١٥٨و١٦٦ وخلال هذه القترة تراجع الاحتياطي اي في آخر ثلاثة أشهر من السنة بمقدار ٥٣٠مليون دولار بسبب الحرب وعدم عرض دولار في السوق بالإضافة إلى قرار رفع السحوبات وفق التعميمين ،وفور وقف إطلاق النار في ٢٧. ١١، ٢٠٢٤ بدأ عرض الدولار في السوق والطلب على الليرة بسبب التطورات التي حصلت بالتحديد بعد انهيار الحكم في سوريا وقد تابع مصرف لبنان سياسته هذه حيث عوض التراجع الذي حصل في الأشهر الأخيرة من العام ٢٠٢٤ وقد ثبت رفع سقف السحوبات وقد كان يستفيد من عرض الدولار في السوق ومن الحركة السياحية الناشطة والطلب على الليرة من قبل الشركات لدفع الضرائب. لكن فجأة دخلنا في حرب الإسناد الثانية وقد تراجع الاحتياطي من جديد في شهر آذار من العام ٢٠٢٦ بمقدار ٣٤٣مليون دولار لكنه عاد فارتفع مجددا ب١٤٣مليون دولار في أول أسبوعين من شهر نيسان وبالتالي يكون تراجع الاحتياطي بالعملات الأجنبية هو تراجع طفيف لا يتجاوز ١٢٠مليون دولار وقد تراجع الاحتياطي بحوالي ٢١٨مليون دولار منذ بداية السنة وهذا طبيعي في حالة الحرب لأنه لم يكن يوجد عرض للدولار في السوق خصوصا انه لا يوجد أيضا موسم سياحي
ويبقى السؤال اليوم هو ماذا يفعل مصرف لبنان للحفاظ على الاحتياطي؟.. أولا بلغ الاحتياطي١١مليار و ٧٠٠مليون دولار في منتصف شهر نيسان الحالي مما شكل ارتفاعا بلغ ٣مليار و١٠٠مليون دولار منذ آخر شهر تموز ٢٠٢٣ ووصل إلى ١١مليار و٧٠٠ملبون في منتصف شهر نيسان ومعظم هذا الاحتياطي هو احتياطي الزامي اي انها التوظيفات المصرفية لدى مصرف لبنان وهو يعتبرها حسب المادة ١٣ من قانون النقد والتسليف التزامات تجارية لمصرف لبنان تجاه المصارف وهي ليست خسائر او ما يسمى بالفجوة المالية وبالتالي لا يستطيع مصرف لبنان التصرف بهذا المال بحرية ولهذا ينتبه بشدة لأي قرار يؤدي إلى استخدام الاحتياطي بالعملات الأجنبية أولا وثانيا هو يتخذ إجراءات وعمليات للحفاظ على مستوى معين من الاحتياطي او زيادته علما انه لديه التزامات شهرية بالعملات الأجنبية وهي أولا التزامات بمبلغ ٢٠٠مليون دولار وفق التعميمين ١٥٨و١٦٦ للسحوبات المصرفية وثانيا الرواتب والاجور لموظفي القطاع العام وهي رغم أنها تنزل بالليرة اللبنانيه الا أن الموظف يسحبها بالدولار وهذه الالتزامات كلها تبلغ حوالي ٤٠٠مليون دولار شهريا ما بين سحوبات وفق التعاميم ورواتب الموظفين في القطاع العام . أما النقطة الثالثة التي يأخذها مصرف لبنان بالاعتبار هي التنسيق بين وزارة المالية ومصرف لبنان اي التنسيق بين السلطة النقدية والسلطة التنفيذية ليتم التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية لأن الأولوية لدى مصرف لبنان هي ضبط الكتلة النقدية وإدارة الكتلة النقدية بالليرة الموجودة في السوق وحاليا حسب أرقام مصرف لبنان الكتلة النقدية بالليرة اللبنانيه تبلغ ٦٦٠٠٠و٢٠٠مليار ليرة اي ما يوازي ٧٥٠مليون دولار تقريبا ويستطيع مصرف لبنان التحكم بهذا المبلغ وهو تحت السيطرة ولا يؤدي إلى ضغوط تضخمية بينما التنسيق مع وزارة المالية هو لضبط نفقات المالية العامة وتجنيبها العجز في الموازنة لأن الدولة اصلا غير قادرة على الاستدانة من اي مكان . لقد قرر مصرف لبنان في العام ٢٠٢٣ إيقاف تمويل النفقات العامة والعجز بالموازنة وبسبب التعسر عن تسديد سندات اليوروبوندز وعدم البدء بالمفاوضات مع حاملي هذه السندات فإن أبواب الأسواق العالمية مقفلة أمام الحكومة اللبنانية كما أن المصارف التجارية لا قدرة لديها ولا يجب أن تمول الدولة بعدما حدث قبل الأزمة وخلالها لذا التنسيق بين وزارة المالية ومصرف لبنان والتواصل الدائم بينهما يؤدي إلى تجنب نفقات عامة غير محسوبة تؤدي إلى ارتفاع حجم الكتلة النقدية مما يؤدي بدوره إلى ضغوط تضخمية اولا ثم ربما طلب إضافي على الدولار مما يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي في مصرف لبنان والى ضغط على سعر الصرف لذا التنسيق مستمر بين الوزارة والمصرف على هذا الموضوع وقد جرى مؤخرا اجتماع بين وزير المالية وحاكم مصرف لبنان بحيث ان أولوية مصرف لبنان الآن هو لجم التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف والحفاظ على أموال المودعين الموجودة لديه وإيجاد حل سريع لموضوع الودائع العالقة في المصارف وإغلاق العجز بميزانية مصرف لبنان . حاليا في ظل الحرب التنسيق بين وزارة المالية والمصرف المركزي هو أكبر خصوصا بما يخص النفقات العامة لأن التركيز يجب أن يكون على المالية العامة والنفقات العامة أكثر من التركيز على مصرف لبنان إذ أن الخطر يكمن في زيادة هذه النفقات بشكل سريع وغير مدروس مما يؤدي إلى طلب على الدولار والى ضغوط تضخمية خصوصا ان التضخم في لبنان هو بمستوى مرتفع مما يؤدي لاحقا إلى ضغوط على سعر الصرف.
هل باستطاعة مصرف لبنان أن يتابع سياسته هذه في حال استمرار الحرب لفترة أطول؟
لدى مصرف لبنان الوعي التام بما نعاني منه حاليا. ان المصلحة العليا للاقتصاد اللبناني ولجم التضخم الإستمرار بالحفاظ على هذا الاستقرار المالي لكنني أكرر بأن الحفاظ على هذا الاستقرار يتم من خلال التنسيق مع المالية العامة ويجب أن يكون التركيز على النفقات العامة وعدم وجود ضغوط سياسية لزيادة النفقات بشكل مدروس اوغير مدروس إذ أن زيادة النفقات ربما تؤدي إلى اتساع الكتلة النقدية في السوق لذا مصرف لبنان مستمر بضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانيه في السوق بالتنسيق مع المالية العامة لتجنب اي استجابة للضغوط السياسية لزيادة النفقات العامة التي تفوق الإيرادات خصوصا ان الإيرادات لن تكون مرحليا كما توقعتها موازنة ٢٠٢٦ . أما بخصوص مصادر العملات الأجنبية فإن تحويلات المغتربين هي مصدر اساسي وكبير لتدفق العملات الأجنبية من الخارج والمعدل السنوي لهذه التحويلات هو٦مليار و٥٠٠ مليون دولار . في العام ٢٠٢٤ بلغت هذه التحويلات ٦مليار و٨٠٠مليون دولار وفي العام ٢٠٢٥ عادت الى معدلها الطبيعي وقد سرت اقاويل تهويلية بأن التحويلات من دول الخليج ستتوقف بسبب الحرب الا أن هذا الكلام غير مبني أيضا على الأرقام والعلم والمنطق لأنه رغم أن ٤٥%من تحويلات المغتربين إلى لبنان مصدرها من الخليج العربي الا اننا نعلم بأنها ليست الأزمة الأولى التي تمر بها دول الخليج وقد مرت هذه الدول بآخر أكبر ازمتين عالميتين في عامي ٢٠٠٧و٢٠٠٨ ثم جاءحة كورونا في عامي ٢٠٢٠و ٢٠٢١ وفي كل ذلك لم تتراجع التحويلات إلى لبنان واستطاعت اقتصادات دول الخليج أن تتعافى بسرعة وبما ان ٤٥%من تحويلات المغتربين تأتي من دول الخليج العربي فهذا معناه ان نسبة ٥٥% تأتي من مناطق اخرى اي من امريكا الشمالية ومن أوروبا ومن أستراليا وأفريقيا. اعتقد ان اقتصادات دول الخليج قادرة على التعافي من وضع الحرب الحالية بسرعة وفي حال تراجعت التحويلات فإن تراجعها سيكون ضمن النسب الطبيعية لأن ذلك هو عقد اجتماعي خاص بين المغترب وأهله في لبنان وهو أكبر مصدر للتحويلات من الخارج إلى لبنان وسيستمر ،اما في حال الانخفاض فسيكون كما قلت ضمن النسب الطبيعية . حاليا القطاع السياحي جامد كليا ولا وجود لايرادات فيه ونحن سنرى كم سيدوم الوضع الحالي ومن ثم كيف سيكون موسم الاصطياف وكم سيلبغ عدد المغتربين الوافدين إلى لبنان .يوجد حاليا الكثير من العوامل بحيث لا نستطيع تقدير الوضع مسبقا لكن طالما مصرف لبنان يتعاون وينسق مع وزارة المالية مهما قادران على الحفاظ على سعر الصرف خلال الأوضاع الموجودة حاليا وهذا يشكل مصلحة عليا للمواطن اللبناني والاقتصاد الوطني إذ أنه بفضل هذا التنسيق يتم الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وليس فقط استقرار سعر الصرف.
ماذا بالنسبة لحسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان؟
يوجد في حسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان ما يوازي ٨مليار و٨٠٠ مليون دولار كودائع معظمها بالليرة اللبنانيه وهو أمر شديد الأهمية ويجب الحذر من استخدام هذه الحسابات لزيادة النفقات العامة خصوصا في الأوضاع الحالية مما يسبب بزيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانيه لهذا التنسيق اليوم قائم على هذا الموضوع إذ أن هذه المبالغ تزداد سنة بعد أخرى ويوجد حاليا تشدد باستخدام هذه الودائع من قبل مصرف لبنان ووزارة المالية من أجل ضبط الكتلة النقدية لكي لا يوجد انفلاش بالكتلة النقدية تؤدي إلى عواقب وخيمة.
اولوية مصرف لبنان : الحفاظ على استقرار سعر الصرف لا على تثبيته.. غبريل : مصرف لبنان يحاول لجم التضخم وضبط الكتلة النقدية بالليرة
Shares:




