سجلت سوق الاندماجات والاستحواذات العالمية نشاطاً قياسياً خلال الربع الأول من عام 2026، لكن هذا الأداء القوي يخفي في طياته واقعاً أقل إشراقاً، إذا ما جرى استبعاد صفقة واحدة استثنائية ذات حجم غير مسبوق.
وبحسب تقرير الاندماجات والاستحواذات العالمي للربع الأول 2026 الصادر عن “PitchBook”، بلغ إجمالي قيمة الصفقات عالمياً نحو 1.6 تريليون دولار، بزيادة تقارب 51% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. غير أن هذا الرقم الضخم يعود في جزء كبير منه إلى صفقة واحدة لعبت الدور الأبرز في رفع الإجمالي.
فقد استحوذت شركة “سبيس إكس” على شركة “xAI” في صفقة بلغت قيمتها 250 مليار دولار، لتصبح أكبر صفقة اندماج واستحواذ مسجلة في التاريخ، وتمثل وحدها أكثر من 15% من إجمالي قيمة الصفقات عالمياً خلال الربع الأول.
وعند استبعاد هذه الصفقة، تتغير الصورة بشكل لافت. إذ تتراجع القيمة المجمعة لأكبر 10 صفقات في أميركا الشمالية من 518.5 مليار دولار إلى 268.5 مليار دولار فقط – وهو ما يعكس ربعاً قوياً نسبياً، لكنه بعيد عن الطفرة الشاملة التي توحي بها الأرقام الرئيسية.
وقال نائب رئيس مجلس الإدارة في بنك الاستثمار المتخصص “DC Advisory”، جو دونوهيو، إن الأرقام – سواء من حيث عدد الصفقات أو قيمتها – جاءت أقل مما كنا نأمل في الربع الأول من 2026.
تميل الكفة لصالح الممولين
وأشار التقرير إلى أن ميزان القوة في سوق الصفقات انتقل بشكل أوضح إلى الممولين، الذين باتوا يشترطون شروطاً تعاقدية أكثر صرامة، ويطالبون المقترضين بضخ نسب أعلى من رؤوس أموالهم الخاصة لإتمام الصفقات. هذا التحول زاد من انتقائية السوق، وترك أثراً أكبر على صناديق الملكية الخاصة (PE)، التي تعتمد عادة على مستويات دين أعلى مقارنة بالمشترين الاستراتيجيين من الشركات.
وعلى صعيد التقييمات، ارتفع متوسط مضاعف قيمة المنشأة إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك (EV/EBITDA) في صفقات الشركات عالمياً إلى 9.8 مرة على أساس بيانات آخر 12 شهراً، مقارنة ب 8.3 مرة في عام 2024.
وفي المقابل، تقلص الفارق السعري الذي كانت صناديق الملكية الخاصة تدفعه تقليدياً مقارنة بالمشترين من الشركات إلى 2.8 مرة EBITDA، نزولاً من أكثر من 4 مرات سابقاً، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، جودة الأصول المدعومة من صناديق PE التي جرى تداولها.
ضبابية الذكاء الاصطناعي تكبح الصفقات
ويرى محللون أن أحد أبرز العوامل التي تعيق توسع الصفقات يتمثل في صعوبة تسعير الأثر المستقبلي للذكاء الاصطناعي على الأرباح خلال الأجل المتوسط، لا سيما في قطاعات البرمجيات وخدمات المعلومات.
وأوضح دونوهيو أن السوق خارج نطاق “الأصول من الفئة الممتازة جداً (A-plus assets)”، يشهد حالة جمود عامة، مع تردد المشترين في المضي قدماً بصفقات لا يمكن التنبؤ بمسارات ربحيتها في ظل التحولات التقنية المتسارعة.
وبينما توحي عناوين الأرقام القياسية بعودة زخم قوي لسوق الاندماجات والاستحواذات عالمياً، يشير تفكيك البيانات إلى واقع أكثر حذراً وانتقائية، حيث تظل شهية الصفقات مركزة في عدد محدود من الأصول الاستثنائية، وسط بيئة تمويلية أشد صرامة وضبابية متزايدة بشأن آفاق النمو، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.



