دعا البنك المركزي الأوروبي البنوك إلى إعداد خطط طوارئ لمواجهة التداعيات المحتملة للنموذج الجديد للذكاء الاصطناعي الذي تطوره “أنثروبيك”، في خطوة تعكس تنامي القلق داخل الأوساط المالية الأوروبية من المخاطر السيبرانية المرتبطة بهذه التقنيات المتقدمة، بحسب ما ذكرته صحيفة “إل باييس” الإسبانية.
ويخشى المشرفون على القطاع المصرفي، إلى جانب الفاعلين في الصناعة المالية، من أن يسهم هذا التطور التكنولوجي في كشف نقاط الضعف داخل الأنظمة الرقمية للبنوك؛ ما قد يفتح الباب أمام هجمات إلكترونية أكثر تعقيدًا وخطورة.
قلق تكنولوجي أوروبي قادم من الولايات المتحدة
تشهد أوروبا حالة من القلق المتزايد إزاء “زلزال” تكنولوجي قادم من الولايات المتحدة، يحمل اسمًا مستلهمًا من الأساطير اليونانية القديمة، لكنه يقترب في طابعه من عالم الخيال العلمي.
يعتبر ذلك نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد “Mythos”، الذي تطوره شركة Anthropic الأمريكية، والذي يثير مخاوف واسعة بسبب قدرته الاستثنائية على كشف الثغرات في الأنظمة البرمجية؛ ما قد يضع بنى رقمية حساسة، بما فيها القطاع المصرفي، تحت تهديد غير مسبوق.
وفي مواجهة هذه المخاطر، طلب البنك المركزي الأوروبي من البنوك العاملة في منطقة اليورو تقديم خطط طوارئ مفصلة، إلى جانب تحديد نقاط الضعف في أنظمتها للأمن السيبراني، بحسب مصادر مصرفية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الاستعداد لاحتمال دخول هذا النموذج المتطور إلى السوق الأوروبية.
ما قدرة “Mythos” النموذج المتقدم للذكاء الاصطناعي؟
بحسب الصحيفة، يُعد “Mythos” نموذجًا متقدمًا من الذكاء الاصطناعي، حيث بدأ كمشروع عام للاستخدام على غرار أدوات مثل “Claude” التابعة لـAnthropic، وChatGPT من OpenAI، وCopilot من Microsoft، لكنه تطور بسرعة ليكتسب قدرة عالية على تحليل واكتشاف الثغرات في أنظمة تُستخدم في مجالات حيوية مثل الدفاع والطاقة والقطاع المالي.
ورغم أن النموذج لم يُطرح بعد في أوروبا، فإن القلق يتصاعد بشأن تداعياته المحتملة.
وعقد البنك المركزي الأوروبي اجتماعًا مع مسؤولي المخاطر في كبرى بنوك منطقة اليورو، من بينها Banco Santander وBBVA وCaixaBank وBanco Sabadell، لمناقشة سبل مواجهة هذه التحديات.
ويؤكد خبراء الأمن السيبراني أن ما يميز هذا النموذج هو قدرته على اكتشاف ما يُعرف بثغرات “اليوم صفر”، وهي نقاط ضعف غير مكتشفة سابقًا؛ ما يمنح القراصنة الإلكترونيين فرصة استغلالها فورًا قبل أن تتمكن الشركات من معالجتها. وقد حذرت Anthropic نفسها من أن تقنيتها قد تمثل تهديدًا للأمن القومي إذا وقعت في الأيدي الخطأ.
في المقابل، يمكن لهذه التقنية أن تشكل أداة فعالة لتعزيز الحماية الرقمية، إذا استُخدمت بشكل مسؤول؛ إذ تتيح للمؤسسات تعزيز دفاعاتها ضد الهجمات السيبرانية. غير أن الخطر يكمن في احتمال استغلالها من قبل جهات معادية أو مجموعات قرصنة؛ ما قد يؤدي إلى تسريبات بيانات واسعة أو حتى تعطيل أنظمة مالية بالكامل.
وفي هذا السياق، اختارت أنثروبيك عددًا محدودًا من الشركات الأمريكية الكبرى، مثل Amazon وApple وAlphabet وJPMorgan Chase، لاختبار النموذج بشكل تدريجي.
“Mythos” سلاح ذو حدين
من جانبها، وصفت رئيسة البنك المركزي الأوروبي “كريستين لاغارد” هذا التطور بأنه مثال على “تكنولوجيا قد تكون مفيدة للغاية، لكنها قد تصبح خطيرة للغاية إذا أسيء استخدامها”.
وتواكب هذه التحركات توجهات الإدارة الأمريكية، حيث أجرى وزير الخزانة “سكوت بيسينت” مشاورات مع القطاع المالي لبحث تداعيات هذه التقنية، في وقت تمكنت فيه بعض البنوك الأميركية الكبرى من اختبار النموذج فعليًا، على عكس نظيراتها الأوروبية التي لا تزال بانتظار الوصول إليه.
ويأتي هذا الملف ضمن أولويات البنك المركزي الأوروبي الرقابية في السنوات المقبلة، خاصة في إطار عملية التقييم الإشرافي السنوي (SREP)، كما يثير قلقًا مماثلًا لدى Banco de España، الذي يراقب بدوره استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.
ويرى خبراء أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يدفع شركات أخرى، بما فيها دول كبرى، إلى تطوير نماذج مماثلة؛ ما يفرض على المؤسسات المالية تعزيز استثماراتها في الأمن السيبراني بوتيرة أسرع. وفي هذا السياق، قد تستفيد البنوك الكبرى من قدراتها الاستثمارية، بينما تواجه المؤسسات المتوسطة تحديات أكبر في مواكبة هذا التحول.





